د. غانية ملحيس - دعوة إلى قراءة نقدية وحوار فلسطيني وعربي حول شروط التغيير... إلى الكتاب والمثقفين والباحثين الفلسطينيين والعرب

إلى الكتاب والمثقفين والباحثين الفلسطينيين والعرب


أضع بين أيديكم ورقة «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل»، بوصفها محاولة لفهم ما أحدثه الطوفان، وما كشفه من تحولات، وما أتاحه من فرص تاريخية، وما يفرضه علينا من أسئلة تتجاوز تفسير الحدث وقراءة تداعياته إلى التفكير في شروط التغيير وإمكانات تأسيسه.
لا أطرح الورقة باعتبارها نصا مكتملا أو إطارا نهائيا، بل باعتبارها مدخلا إلى حوار أرى أننا بحاجة إليه، فلسطينيا وعربيا، في لحظة تتعاظم فيها تضحيات شعبنا، وتتسع فيها المسافة بين عظمة صموده وما يزال مشروعه الوطني عاجزا عن تحويل هذه التضحيات إلى إنجاز سياسي وتاريخي يوازيها.
فالسؤال الذي يشغلنا ليس فقط: ماذا غيّر الطوفان في العالم؟ بل أيضا: ماذا ينبغي أن نغيّر في أنفسنا وبنيتنا الوطنية كي نرتقي إلى مستوى تضحيات شعبنا، ونكون قادرين على الإفادة من الفرص التاريخية التي أتاحها، وتصويب اعوجاج مسار التاريخ؟
هذا السؤال يضعنا أمام جملة من القضايا التي لا أظن أن من الممكن تجاوزها أو تأجيلها.

أولاً: كيف ننتقل من التشخيص إلى التأسيس؟
كيف نحول ما كشفه الطوفان من اختلالات في النظام الفلسطيني والعربي الإقليمي والدولي، وما أعاده من حضور للقضية الفلسطينية في الوعي العالمي، إلى مشروع وطني قادر على استثمار التحولات، بدلا من الاكتفاء برصدها أو التعويل على استمرارها؟ وما الذي ينبغي مراجعته في أفكارنا وأدواتنا وأولوياتنا وبنية عملنا الوطني حتى لا تضيع الفرص الجديدة في إعادة إنتاج المسارات التي أوصلتنا إلى أزمتنا الراهنة؟

ثانيا: كيف نغادر حالة التشظي والانقسام؟
ما الشروط الفكرية والسياسية والمؤسسية اللازمة لاستعادة وحدة الفعل الوطني؟ وكيف ننتقل من المطالبة المتكررة بالوحدة إلى بناء الأسس التي تجعلها ممكنة ومستدامة، على قاعدة الشراكة والمساءلة وتجديد الشرعيات وتوسيع المشاركة الشعبية؟ وكيف نعيد وصل المشروع الوطني بالمجتمع الذي يفترض أن يعبر عنه، وبالطاقات والأجيال التي ينبغي أن تكون شريكا في صياغته وصناعة مستقبله؟

ثالثاً: كيف نرتقي إلى مستوى تضحيات شعبنا؟
كيف نمنع أن تبقى التضحيات العظيمة رصيدا أخلاقيا ورمزيا لا يجد طريقه إلى بناء قدرة وطنية موازية؟ وكيف نترجم ما أظهره الشعب الفلسطيني من إرادة وصمود وتماسك إلى مؤسسات وقدرات وأدوات فعل تحمي المجتمع، وتوسع خياراته، وتعزز استقلال إرادته، وتجعله أكثر قدرة على التأثير في مآلات قضيته؟
إن الوفاء للتضحيات لا يتحقق بمجرد تمجيدها أو الاحتفاء ببطولتها، بل بالعمل على ألا تظل كلفتها مفتوحة بلا أفق سياسي، وبأن تصبح حماية الإنسان الفلسطيني وحريته وكرامته وقدرته على تقرير مصيره في صلب المشروع الوطني.

رابعاً: كيف نحول الصمود من شعار وتعايش مع المعاناة إلى فعل مادي ينتج شروط الحياة؟
الصمود ليس مطالبة الفلسطيني بأن يحتمل المزيد من الألم فحسب، ولا تحويل قدرته على البقاء تحت أقسى الظروف إلى بديل عن حقه في حياة كريمة. إنه، إلى جانب معناه الوطني والإنساني، قدرة تحتاج إلى مقومات مادية واجتماعية واقتصادية ومؤسسية: الماء والمسكن والتعليم والصحة والعمل وحرية الحركة، وحماية الأرض، وإعادة بناء ما دمره العدوان، وصون الروابط الاجتماعية، وفتح أفق أمام الأجيال الجديدة.
كيف ننتقل، إذا، من الاحتفاء بالصمود إلى بناء شروطه؟ وكيف يصبح التضامن دعما لهذه الشروط، لا مجرد تعبير عن التعاطف مع من يفتقدونها؟ وكيف نربط مقاومة الاقتلاع وإعادة الإعمار وإنتاج الحياة بمشروع تحرري لا يفصل بين الحقوق الوطنية واحتياجات الناس اليومية؟

خامسا: كيف نحفظ مأساة غزة في الوعي من دون اختزال غزة وأهلها في صورة الضحية؟
لا يجوز أن يؤدي التركيز على حجم المأساة إلى حجب الإنسان الفلسطيني الذي يقف خلف صور الدمار، ولا أن تصبح الشهادة على الألم الصورة الوحيدة التي يرى العالم من خلالها غزة. فمن حق الضحايا أن تُروى حكاياتهم، وأن تُحفظ ذاكرتهم، وأن تتحقق العدالة لهم؛ ومن حق الأحياء، في الوقت نفسه، أن يُروا بوصفهم مجتمعا حياً يمتلك المعرفة والإرادة والقدرة على التعلم والعمل والإبداع والبناء وصناعة المستقبل.
كيف نوازن بين ضرورة إبقاء المأساة حاضرة في الوعي العالمي، ومقاومة محاولات تطبيعها أو نسيانها، وبين تعزيز حضور غزة باعتبارها مجتمعا لا تختصره الخسارة، ولا تستنفد هويته في صورة الضحية؟ وكيف ننتقل من تضامن يواسي المتألم إلى تضامن يساند الناس في استعادة قدرتهم على الفعل، ويهيئ لهم شروط النهوض من بين الركام؟
إن إعادة بناء الحياة في غزة ليست شأنا إغاثيا ومنفصلا عن السياسة، كما أن التنمية والتعليم والعمل والإنتاج ليست قضايا مؤجلة إلى ما بعد التحرر؛ إنها من شروط حماية المجتمع، وصون إرادته، ومقاومة اقتلاعه، وفتح أفق لمستقبله.

سادساً: كيف ننتقل من مركز الاهتمام إلى مركز الفعل؟
لقد استعادت فلسطين حضورا واسعا في الوعي العالمي، لكن اتساع هذا الحضور لا يضمن، في ذاته، أن يستعيد الفلسطينيون القدرة على تقرير مآلات قضيتهم. فما الذي يلزم لتحويل المعرفة والتضامن والذاكرة والتحولات الدولية إلى قدرة فلسطينية منظمة على التأثير؟ وكيف نبني جسورا بين الحراك العالمي وبين الفعل الوطني والمجتمعي، بحيث لا ينتهي أثر التضامن عند المواقف والبيانات، بل يسهم في تغيير الوقائع وحماية الحقوق وتعزيز إمكانات الفعل؟
هذه الأسئلة، وغيرها مما قد تفتحونه، هي ما أطمح إلى أن يدور حوله الحوار.
لا أطلب منكم الاتفاق مع أطروحات الورقة، ولا أبحث عن قراءات تؤكد ما ذهبت إليه. بل أريد قراءتها قراءة نقدية وتشريحية تختبر مفاهيمها وافتراضاتها واستنتاجاتها، وتكشف ما فيها من ثغرات أو تناقضات، وتناقش مدى قدرتها على الانتقال من فهم التحولات إلى التفكير في شروط تغيير الواقع.
أريد أن أعرف أين تقنع الورقة، وأين تقصر؛ وما الذي تضيفه إلى النقاش، وما الذي تعيد إنتاجه من أفكار مألوفة؛ وما الذي ينبغي تعديله أو تجاوزه أو بناؤه من جديد. وأريد، قبل ذلك وبعده، أن نختلف حول الأسئلة الصعبة التي يفرضها واقعنا، وأن ننتقل من تبادل المواقف إلى إنتاج معرفة تساعدنا على تحديد ما ينبغي فعله، وكيف، وبأي أدوات، وبأي شروط وضمانات.
إنني أرى أن التحدي ليس في أن نثبت أن الطوفان أحدث تحولا في صورة فلسطين ومكانتها في العالم، بل في أن نسأل أنفسنا بجرأة: هل نحن، فلسطينيا، مستعدون لإحداث التحول في ذواتنا وبنيتنا ومشروعنا الوطني، كي لا تتبدد الفرص التاريخية، ولا تبقى تضحيات شعبنا أكبر من قدرتنا على ترجمتها إلى مستقبل مختلف؟

هذه ليست أسئلة أملك إجابات جاهزة عنها، ولا أظن أن فردا أو تيارا أو مؤسسة يستطيع الإجابة عنها منفردا. إنها أسئلة تستدعي حوارا واسعا، تتلاقى فيه الخبرات الفكرية والسياسية والمجتمعية، وتشارك فيه الأجيال المختلفة، وتُختبر فيه الأفكار بقدر ما تُختبر المواقف والممارسات.
غايتنا ليست التوافق على قراءة واحدة للحدث، بل بناء قدرة أوسع على فهمه، واستخلاص دروسه، وتصويب مسارنا، وتأسيس ما يجعل التغيير ممكنا وقابلا للاستمرار.
أدعوكم إلى قراءة الورقة والإسهام في هذا الحوار بالنقد والاعتراض والاستكمال واقتراح البدائل. فربما لا تكون أهم نتيجة لهذا النقاش أن نتفق على تفسير ما حدث، بل أن نقترب، عبر اختلافاتنا وأسئلتنا الصعبة، من فهم ما ينبغي أن نغيّره في أنفسنا، وما يتعين علينا بناؤه، وكيف نفتح لشعبنا أفقاً يليق بتضحياته وحقه في الحرية والحياة والمستقبل.
مع خالص التقدير لكل قراءة جادة، ولكل نقد يساعد على رؤية ما لا نراه، ولكل اختلاف يفتح طريقا جديدا للفهم والعمل.


غانية ملحيس
14/10/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...