لا تبدو المقارنة بين الشاعر السوري أدونيس والشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون مجرد مفاضلة بين تجربتين شعريتين، ولا ينبغي اختزالها في سؤال مباشر عن شاعر عربي لم ينل جائزة نوبل وآخر نالت أعماله الاعتراف العالمي الذي تمثله الجائزة. فمثل هذه المقارنة، إذا انطلقت من النتيجة وحدها، قد تتحول إلى سجال طويل حول الاستحقاق، قبل أن تفهم طبيعة الكتابة التي أنتجت هذا الاختلاف في التلقي.
الأجدى أن نبدأ من النصوص نفسها: كيف يكتب أدونيس قصيدته؟ وكيف تبني كارسون نصوصها؟ ماذا يفعلان باللغة حين لا تعود أداة مناسبة للتعبير؟ وكيف يستعيدان التراث من دون أن يتحولا إلى مجرد ناقلين له؟ ثم كيف يمكن أن تساعدنا هذه الأسئلة على فهم العلاقة بين التجريب الأدبي والاعتراف النقدي العالمي؟
تكتسب هذه المقارنة أهميتها من أن الكاتبين لا يكتفيان بتجديد الأشكال الموروثة، بل يوسعان حدود الكتابة ذاتها. فأدونيس دفع القصيدة العربية الحديثة إلى مساحات تتداخل فيها الأسطورة والفكر والتاريخ والتجربة الفردية، بينما تتنقل كارسون بين الشعر والنثر والمقالة والترجمة وإعادة كتابة النصوص الكلاسيكية.
وفي أعمال آن كارسون مثل Autobiography of Red
The Beauty of the Husband
لا تبدو الحدود بين الأجناس الأدبية حواجز ثابتة، بل إمكانات قابلة للتجاوز وإعادة التشكيل.
لكن التشابه في نزوع الكاتبين إلى التجريب لا يعني أن التجربتين متطابقتان، أو أن إحداهما يمكن أن تكون معيارًا للأخرى. فالمقارنة النقدية الجادة لا تبحث عن أوجه الشبه وحدها؛ إنها تحاول أن تفهم كيف ينتج كل كاتب خصوصيته من خلال اللغة والصورة والتراث وطريقة بناء النص.
في البدء: اللغة ليست مرآة للعالم
يقول أدونيس في أحد نصوصه القصيرة:
"إننا زبدٌ يتبخّر من نهر الكلماتِ
صدأٌ في السماء وأفلاكها
صدأٌ في الحياة!"
يبدأ النص بصورة تبدو بسيطة: الإنسان زبد يتشكل فوق نهر الكلمات. لكن هذه الصورة تفتح سؤالًا يتجاوز معناها المباشر. فالزبد ليس النهر نفسه، وإنما أثر عابر على سطحه؛ يظهر ثم يتلاشى. وإذا كانت الذات الإنسانية زبدًا من الكلمات، فإن وجودها يبدو مرتبطًا باللغة التي تمنحها صورتها، لكنه يظل وجودًا هشًّا لا يملك ضمانة البقاء.
ثم تأتي صورة "الصدأ" لتغيّر اتجاه المعنى. فالصدأ ليس مجرد اختفاء أو زوال؛ إنه تآكل يصيب ما كان قائمًا. وحين يقول الشاعر إن الصدأ يمتد إلى السماء وأفلاكها، ثم إلى الحياة، فإنه يوسّع الأزمة من الذات إلى الكون. وبناء على ذلك لم تعد المشكلة في قدرة الإنسان على وصف العالم، بل في العالم نفسه، الذي يبدو كأنه فقد سلامة نظامه.
هذه إحدى سمات الكتابة الأدونيسية في هذا المقطع. فالصورة لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تتحول إلى أداة تفكير. والشاعر لا يقول مباشرة إن الوجود هش أو إن العالم يعتريه الفساد، بل يجعل القارئ يرى هذه الأفكار من خلال الزبد والصدأ والنهر والسماء.
يمكن أن نضع هذا النص إلى جانب مقدمة كتاب آن كارسون Short Talks، أو "أحاديث قصيرة"، وفق الترجمة العربية التي حصلنا عليها. تقول المقدمة إن "الكلمات اختفت ذات صباح"، ثم تضيف أن "الحقائق والوجوه كانت قد اختفت قبلها".
للوهلة الأولى، تبدو العبارة تقريرًا عن واقعة مستحيلة. لكن قوتها تنبع من ترتيب الاختفاءات، وهي الكلمات أولًا في ظاهر الحكاية، ثم الحقائق والوجوه في عمقها. فإذا اختفت الكلمات، فقد نفقد القدرة على تسمية الأشياء؛ وإذا اختفت الحقائق، فقد نفقد ما يجعل أحكامنا قابلة للتصديق؛ وإذا اختفت الوجوه، فقد يفقد الآخرون ملامحهم التي نتعرف إليهم من خلالها.
وهكذا لا يصبح اختفاء الكلمات مشكلة لغوية منفصلة عن الواقع، بل جزءًا من اختلال أوسع يصيب علاقتنا بالعالم وبالآخرين.
يلتقي الكاتبان، إذن، في زعزعة الثقة باللغة بوصفها مرآة شفافة للواقع، غير أن طريقتهما تختلف. فأدونيس يبني استعارة تتسع تدريجيًا حتى تشمل الوجود كله، بينما تعتمد كارسون في هذا المقطع على جملة مقتضبة تضع القارئ أمام واقعة غير قابلة للتفسير المباشر.
ويمكن تقريب الفرق بمثال آخر. حين يقول شاعر إن الإنسان عابر كالموج، فهو يقدّم صورة تساعدنا على فهم فكرة الفناء. أما حين يخبرنا كاتب بأن الكلمات والحقائق والوجوه اختفت، فإنه لا يقدم تشبيهًا يفسر الواقع بقدر ما يغيّر شروط إدراكنا له.
الفرق هنا ليس بين الوضوح والغموض، بل بين طريقتين في إنتاج المعنى، وهما بناء استعارة كونية من جهة، وخلق فجوة في الواقع المألوف من جهة أخرى.
ومن المهم الانتباه إلى أن الغموض في النصين ليس غاية مستقلة. إنه نتيجة طبيعية لكتابة لا تريد أن تقدم إجابة جاهزة عن العالم، بل أن تجعل القارئ يعيد النظر في الأدوات التي يفهمه بها.
ثانيا: حين يعود التراث ليسأل عن نفسه
يقول أدونيس في نص آخر:
وَشْوَشَني آدَمْ
بغَصّةِ الآهِ
بالصّمتِ بالأنّهْ-
"لستُ أب العالمْ
لم ألمح الجنّه
خُذْني إلى اللهِ"
يظهر آدم هنا بوصفه شخصية تتكلم، لكن صوته لا يحمل اليقين الذي قد نتوقعه من الأب الأول للبشرية. إنه يتحدث بغصة وصمت وأنّة، ثم يعلن: "لستُ أب العالم".
هذه العبارة هي مركز النص؛ لأنها تقلب موقع آدم داخل الحكاية الموروثة. فالشخصية التي يمكن النظر إليها باعتبارها أصلًا للوجود الإنساني تتراجع عن صفة الأبوة، أو على الأقل عن امتلاك السلطة التي توحي بها هذه الصفة. ثم يقول: "لم ألمح الجنة"، فيبدو كأنه لا يملك حتى معرفة كاملة بالمكان الذي ارتبطت به حكايته.
وبدلًا من أن يكون آدم مصدر الحكاية وصاحب المعرفة الأولى، يصبح كائنًا محدود المعرفة، يشعر بالنقص ويطلب الهداية. إن أدونيس لا يعيد رواية قصة آدم كما نعرفها، بل يفتحها من الداخل، ويمنح الشخصية الموروثة فرصة للاعتراض على الصورة التي استقرت لها في الوعي.
وهذا مثال واضح على ما يمكن تسميته إعادة كتابة التراث من خلال زعزعة رموزه أو التشكيك فيه. فالشاعر لا يهجر الموروث ولا يكتفي باستحضاره، بل يحوّله إلى مادة لطرح أسئلة جديدة عن الأصل والمعرفة والأبوة والعلاقة بالمطلق.
ويمكن أن نجد مسارًا مختلفًا، لكنه ذو صلة، في "حديث قصير عن أوفيد" عند كارسون. ففي النص، وفق الترجمة، يظهر الشاعر الروماني في المنفى، منشغلًا بالرسائل والكتابة والحزن، إلى أن نقرأ أنه يؤلف قصيدة ملحمية لن يقرأها أحد أبدًا.
النص:
"يتناول عشاءه ويتمشّى عائدًا إلى حجرته.
الراديو على الأرض
لوحته الخضراء الزاهية تتوهج بضوء خافت.
يجلس إلى طاولته؛
الناس في المنفى يكتبون رسائلَ كثيرةً جدًّا.
الآن "أوفيد" ينتحب.
كل ليلة بذات التوقيت يرتدي الحزن كمعطف
ويواصل الكتابة.
في أوقات فراغه يُعلِّم نفسه اللغة المحلّية
لكي يؤلّف بها قصيدةً ملحميّةً
لن يقرأها أحدٌ أبدًا"
المفارقة هنا أن "أوفيد" شاعر، والقصيدة هي الوسيلة التي يحفظ بها صلته بالعالم، لكنه يكتب في وضع يبدو فيه العالم غائبًا عن كتابته. فالعمل الذي يفترض أن يصل إلى قارئ يتحول إلى كتابة مهددة بالعزلة، وربما بانعدام التلقي.
بهذه الطريقة، لا تستجلب كارسون "أوفيد" لمجرد الاحتفاء باسم كلاسيكي، بل تجعل منه مدخلًا إلى التفكير في المنفى ومصير الكتابة. فيصبح التراث تجربة إنسانية يمكن أن تعود في أشكال جديدة، وهي شاعر قديم يعاني وضعًا لا يبدو بعيدًا عن أسئلة الكاتب الحديث حول العزلة والجدوى والجمهور.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نساوي بين النصين مساواة تامة. ففي مقطع أدونيس، تنصب المساءلة على الشخصية التأسيسية نفسها، وهي آدم يتخلى عن صورة الأب الذي يعرف الأصل ويمتلك سلطة البداية. أما كارسون فتستخدم "أوفيد" لتأمل مصير الشاعر حين ينفصل عن المكان والجمهور.
الأول يعيد النظر في سلطة الأصل؛ والثاني يستخرج من التراث سؤالًا عن الكتابة في المنفى. لكن النتيجة المشتركة هي أن الماضي لا يبقى ماضيًا مغلقًا. إنه يعود إلى الحاضر كي يكشف تناقضاته. وهذا ما يجعل التجريب هنا أكثر من مجرد تغيير في الشكل. إنه تغيير في طريقة التعامل مع الذاكرة الثقافية.
ثالثا: الجسد والرغبة واستحالة العثور على الآخر
في مقطع آخر، يكتب أدونيس:
حبِّيَ جرحٌ
جسديَ وردةٌ على الجرح لا يُقطَفُ إلاّ موتًا. دمي
غُصُنٌ أسلم أوراقَه استقرَّ…
هل الصخرُ جوابٌ؟ هل موتكِ السيدُ النائم
يُغْوي؟ عندي لثدييكِ هالاتُ وَلوعٍ لوجهك الطفل
وجهٌ مثلهُ… أنتِ؟ لم أجدكِ.
تقوم هذه الكتابة على شبكة من الصور المتوترة وهي الحب جرح، والجسد وردة تنمو فوقه، والوردة لا يمكن قطفها إلا بالموت، والدم غصن يتخلى عن أوراقه. لا تتيح هذه الصور فصل الجمال عن الألم، ولا الرغبة عن الفقد.
فالوردة، في الاستعمال المألوف، قد ترمز إلى الجمال أو الحب أو الاكتمال. لكن أدونيس يربط قطفها بالموت، كأن الوصول إلى موضوع الرغبة يتضمن تدميره أو فقدانه. وما يبدو في البداية صورة للاكتمال يتحول إلى صورة للاستحالة.
ثم تأتي الأسئلة: "هل الصخر جواب؟" و"هل موتك السيد النائم يغوي؟". لا تمنح هذه الأسئلة القارئ نقطة استقرار؛ إنها توسع دائرة الالتباس. وفي النهاية يصل النص إلى عبارة "أنتِ؟ لم أجدكِ"، وهي خاتمة تعيد تفسير الصور السابقة. فالمشكلة ليست فقط أن الحب مؤلم، بل أن المحبوبة نفسها لا تستقر في صورة يمكن إمساكها.
ويمكننا أن نقارن ذلك بـ"حديث قصير عن الموناليزا" عند كارسون. في هذا النص، بحسب الترجمة، تتكرر صور الماء والوعاء والعطش، وتظهر لحظة لا يكون فيها الماء في أي من الوعائين.
النص:
"كان ثمّة لحظة لم يكن الماء فيها بأيّ الوعائين؛
يا له من عطش!
وهو افترض أنه سيتوقف عندما تصير اللوحة خالية تمامًا،
لكن النساء قويات
خبيرات بالأوعية
خبيرات بالماء
خبيرات بالعطش الفتّاك."
الماء عادةً شيء يمكن احتواؤه، والوعاء أداة صممت لحفظه، والعطش حاجة تنتظر الإشباع. لكن النص يفصل هذه العناصر بعضها عن بعض: هناك ماء، وهناك أوعية، وهناك عطش، ومع ذلك لا يتحقق الامتلاء الذي نتوقعه.
ما يجمع النصين هو أن الرغبة لا تقود إلى امتلاك مضمونها. عند أدونيس، لا يعثر المتكلم على المحبوبة؛ وعند كارسون، لا يكفي وجود الماء والوعاء لتجاوز العطش. في الحالتين، تظهر فجوة بين الحاجة وما يستطيع إشباعها.
لكن الأسلوب مختلف. أدونيس يبني تجربته عبر كثافة الصور الجسدية والدموية والنباتية، ويتركها تتداخل حتى يصعب فصلها. أما كارسون فتميل في "حديث الموناليزا" إلى مشهد قصير تتولد دلالته من مفارقة الأشياء وعلاقاتها.
ولتقريب هذا الفرق إلى القارئ، يمكن القول إن أدونيس يكتب مأزق الرغبة من داخل الجسد؛ إذ يصبح الجسد نفسه جرحًا ووردة ودمًا وغصنًا. أما كارسون فتكتب المأزق من خلال علاقة بين أشياء تبدو مستقلة، لكنها لا تؤدي وظائفها المتوقعة.
في الحالتين، لا تُقدَّم الرغبة باعتبارها طريقًا مضمونًا إلى الامتلاء. إنها تكشف، على العكس، عن حدود المعرفة والامتلاك.
رابعًا: الصورة الشعرية لا تشرح الفكرة، بل تغيّرها
من السمات اللافتة في نصوص الكاتبين أن الصورة لا تأتي لتزيين فكرة مكتملة قبلها. إنها نفسها المكان الذي تتكون فيه الفكرة وتتغير.
تظهر هذه السمة بوضوح في نص أدونيس الذي يقول فيه:
"الحياة هزيلةٌ في هذه الدقائق من العمر. النهارُ
لا حواجبَ له، وليس للشمس أهدابٌ طويلة.
ولا همس في بَردى والفرات، لا لقاح، لا
تململ. السلالة عاقرٌ في بلادي وخرساء،
والتاريخ يحمل بقاياه إلى أرض أخرى."
يبدأ المقطع بحكم عام: "الحياة هزيلة". لكنه لا يتوقف عند إعلان اليأس، بل يحوّل هذا الحكم إلى مشاهد وصور. النهار بلا حواجب، والشمس بلا أهداب، والنهران بلا همس، والسلالة عاقر وخرساء.
إن وصف النهار بأنه بلا حواجب والشمس بأنها بلا أهداب لا ينقل معلومة عن الطبيعة، بل يسحب من المشهد ملامحه البشرية. فالوجه الذي نعرفه من خلال الحواجب والأهداب يفقد تفاصيله، كما يفقد النهار والشمس ما يجعلهما مألوفين في الخيال.
بعد ذلك ينتقل النص إلى بردى والفرات. وهنا يصبح الصمت جزءًا من المكان نفسه. فالنهر، الذي يرتبط عادةً بالجريان والحياة، لا يعود مجرد عنصر طبيعي؛ إنه يحمل دلالة ثقافية ووجدانية. وحين يغيب عنه الهمس، يبدو أن الصمت قد وصل إلى الذاكرة التي يمثلها المكان.
ثم تأتي عبارة "السلالة عاقرٌ في بلادي وخرساء"، لتجمع بين تعطل الاستمرار وتعطل التعبير. فالعقم يحيل إلى انقطاع المستقبل، والخرس إلى انقطاع الصوت. أما الخاتمة، "والتاريخ يحمل بقاياه إلى أرض أخرى"، فتمنح التاريخ حركة غير متوقعة: لا يبقى في المكان الذي صنعه، بل يغادره حاملًا بقاياه!
هنا لا نحتاج إلى أن نعامل كل صورة باعتبارها رمزًا له معنى واحد ثابت. الأهم هو ملاحظة كيفية انتقال النص من ضعف الحياة إلى تشوه ملامح النهار، ثم إلى صمت النهرين، فعقم السلالة وخرسها، وأخيرًا رحيل التاريخ.
بهذا التدرج، يتحول الشعور الفردي إلى صورة لأزمة جماعية. فالقصيدة لا تقول فقط إن المتكلم متشائم؛ إنها تصوغ عالمًا يبدو فيه استمرار الحياة والتاريخ موضع تهديد.
أما كارسون، فيمكن أن نرى آلية مختلفة في "حديث قصير عن الألم"، وفق الترجمة. يبدأ النص بمشهد من الخضرة والمراعي والحقول والقبر، ثم ينحرف فجأة إلى عبارة تعلن أن ما نقرأه ليس قصيدة، بل لوحة إعلانية ضخمة عن البازلاء المجمدة، قبل أن يضيف أن البازلاء المجمدة تخفف الألم.
النص:
"المراعي والحقول والتلال وأكمام القطيفة العتيقة:
أشياء خضراء.
ينبسطون وينقبضون وينحدرون،
ويتكشّفون للعيان، فتقرّ بهم الأعين.
يبثون النضرة في اللوحات.
وتخاض المعارك فوق خضرتهم
أو يمكن لنا أن نتناول طعامنا فوقها، وندردش..
يالها من غابات بعيدة تستلقي خفيَةً..
ثُمّ هنالك القبر
الذي يُذكر أيضًا في الكثير من القصائد عن الخضرة..
ولكن هذا ليس قصيدة
هذا لوحٌ إعلانيٌّ ضخمٌ عن البازلاء المجمدة
البازلاء المجمدة تُلطِّفُ الألم."
هذا الانتقال المفاجئ يبدد التوقع الذي صنعه المشهد الأول. فالقارئ الذي يتوقع تأملًا شعريًا في الألم والموت يجد نفسه أمام إعلان تجاري عن طعام مجمد.
لكن المفارقة ليست نكتة عابرة. إنها تجعل القارئ يسأل عن العلاقة بين اللغة الشعرية واللغة الاستهلاكية، وبين التجربة المؤلمة والوعود الجاهزة بتخفيف الألم. فالعبارة الإعلانية تبدو دخيلة على القصيدة، لكنها تكشف في الوقت نفسه كيف يمكن للخطاب التجاري أن يتسلل إلى أشد التجارب إنسانية حساسية.
ويمكن تلخيص الفرق على النحو الآتي: يميل أدونيس في المقطع السابق إلى توسيع الصورة حتى تشمل المكان والتاريخ والجماعة، بينما تستخدم كارسون الانقطاع المفاجئ لتصطدم لغة الشعر بلغة الإعلان. الأول يبني شبكة من الصور تتنامى في اتجاه واحد تقريبًا، والثانية تخلق انعطافًا يغيّر فهم القارئ لما سبقه.
ومع ذلك، يشترك النصان في رفض الاكتفاء بالعبارة المباشرة. فكلاهما يجعل القارئ يختبر الفكرة من خلال شكلها، لا من خلال تلقيها في صورة حكم جاهز.
خامسا: التجريب ليس غموضًا لمجرد الغموض
كثيرًا ما يستخدم النقاد الغموض لوصف الكتابة الحديثة، وكأن صعوبة الفهم دليل تلقائي على العمق أو التجديد. لكن هذه الفكرة لا تساعدنا كثيرًا في قراءة أدونيس وكارسون؛ لأن الغموض في أعمالهما ليس ظاهرة واحدة، ولا يؤدي الوظيفة نفسها دائمًا.
لنأخذ مثالًا من كارسون: "حديث قصير عن المشي العكسي"، الذي ترد فيه عبارة الأم: "هكذا يمشي الموتى"، ثم تنقلب الصورة إلى القول إن الموتى لا يمشون بظهورهم، بل يمشون خلف ظهورنا، وإنهم ضحايا الحب.
النص:
"منعتنا أمنا من المشي بظهورنا.
تقول "هكذا يمشي الموتى"
من أين جاءتها هذه الفكرة؟!
ربما من نصٍ تُرجِمَ بشكل سيء
فالموتى، عمومًا، لا يمشون بظهورهم، إنما يمشون خلف ظهورنا.
لا رئات لهم، ولذا لا يصرخون بأسمائنا..
لكنهم يودون أن نلتفت إليهم. إنهم ضحايا الحب، وهم كُثر."
تبدأ الصورة من حركة جسدية يمكن تخيلها: شخص يمشي إلى الخلف. ثم تتغير دلالتها عندما يصبح الموتى كائنات تسير خلف الأحياء. إنهم ليسوا أمامنا بحيث نراهم بوضوح، ولا وراءنا بمعنى أنهم صاروا جزءًا من الماضي المنقضي تمامًا؛ إنهم في المسافة التي لا نلتفت إليها عادةً، لكن أثرهم يستمر في حياتنا.
ومن هنا تأتي الإشارة إلى الحب. فالموتى الذين يمشون خلف ظهورنا قد ينظر اليهم بوصفهم الذين فقدناهم، أو العلاقات التي انتهت من دون أن تتوقف عن التأثير فينا. لكن النص لا يغلق الصورة على تفسير واحد.
هذا غموض نابع من تحويل مألوف إلى غير مألوف: حركة المشي إلى الخلف تتحول إلى طريقة لتصور الذاكرة والموت والحب.
أما في نص أدونيس عن آدم، فيأتي الغموض من نوع آخر. فنحن نعرف الشخصية التي يتحدث عنها النص، لكننا لا نعرف على وجه اليقين كيف ينبغي أن نفهم تراجعها عن الأبوة أو قولها إنها لم تلمح الجنة. هل يعيد النص تأويل الحكاية الدينية؟ هل يجعل آدم رمزًا للإنسان الذي لا يعرف أصله؟ أم أنه يحول الشخصية التأسيسية إلى صوت يعبر عن أزمة المعرفة والبحث عن المطلق؟
قوة النص لا تتوقف على اختيار إجابة واحدة، بل على قدرته على إبقاء هذه الاحتمالات متجاورة من دون أن يفقد وحدته.
لذلك من الأدق التمييز بين نوعين من الغموض في هذه الشواهد: غموض ينشأ من إعادة تأويل رمز موروث، وغموض ينشأ من انقلاب الصورة اليومية إلى مفارقة وجودية. ولا يعني ذلك أن كل نص غامض ناجح. فالتجريب لا يكتسب قيمته لمجرد أنه يصعب شرحه، وإنما بقدرته على خلق علاقات جديدة بين الكلمات والصور والأفكار، وبقدر ما يجعل هذه العلاقات منتجة للمعنى.
وعندما نقرأ أدونيس وكارسون من هذا المنظور، لا يعود السؤال: أيهما أكثر غموضًا؟ بل يصبح، ما الذي يأتي به الغموض في كل نص، وكيف ينظم علاقة القارئ باللغة والعالم؟
سادسا: ما وراء الحدود بين الشعر والنثر
لا يقتصر التجريب عند كارسون على بناء الصورة أو إعادة كتابة الأسطورة. إنه يشمل أيضًا شكل العمل نفسه. ففي "مديح النوم"، الذي وجدنا منه مقاطع نثرية، تنتقل الكاتبة من ذكرى حلم مبكر إلى تأمل في الذاكرة والذات، ثم إلى أسماء وتجارب أدبية وفلسفية، من بينها فرجينيا وولف وهوميروس ومحاورة أفلاطون "أقريطون"، حيث يستيقظ سقراط قبيل إعدامه ويحكي حلمًا.
لا تتقدم المقالة هنا وفق المسار الذي نتوقعه من حكاية ذاتية تقليدية. فالحلم الشخصي يفتح بابًا على أسئلة فلسفية وأدبية، والذاكرة الفردية تتصل بذاكرة النصوص التي قرأتها الكاتبة. وبذلك تصبح المقالة مساحة يلتقي فيها السرد والتأمل والاستشهاد وإعادة التفكير في التجربة الشخصية.
تقول إحدى العبارات في النص: "ما الذي يبعث على الأمل أكثر من قصة عين خالية تمتليء بالرؤى حين تغفو؟". إن المفارقة هنا أن العين، التي نربطها بالرؤية، لا ترى في حالة النوم بالطريقة المعتادة، ومع ذلك تصبح قادرة على استقبال صور ورؤى أخرى. فالنوم ليس مجرد انقطاع عن الوعي؛ إنه فرصة لتبدل شروط الرؤية.
ويمكن أن نرى في هذا الانتقال من الحلم الشخصي إلى النصوص الفلسفية والأدبية نموذجًا لطريقة كارسون في تجاوز الحدود بين الأجناس. فهي لا تضع الشعر في جهة والنثر في جهة أخرى، بل تجعل الكتابة مجالًا تتجاور فيه طرائق مختلفة للمعرفة.
أما أدونيس، فيظهر التجريب في النصوص التي وجدناها على نحو مختلف. فهو يمزج التجربة الغنائية بالتأمل الفلسفي، ويستدعي التراث الديني والأسطوري، ويوظف صورًا تتجاوز التجربة الفردية إلى أسئلة الوجود والتاريخ. وفي مقطع آدم، مثلًا، لا يفصل بين الصوت الشعري والتأمل في الأصل والمعرفة؛ فالشخصية الأسطورية تصبح أداة تفكير، لكن التفكير لا يأتي في صورة مقالة تفسيرية، بل في صورة صوت متقطع ومشحون بالغصة والصمت والأنّة.
وهكذا يلتقي الكاتبان في تجاوز الحدود المألوفة بين التعبير الشعري والتفكير، لكنهما يختلفان في تنظيم هذا التجاوز. فالتداخل عند كارسون قد يظهر في انتقال واضح بين السيرة والفلسفة والأدب، بينما يظهر عند أدونيس في كثافة الصورة الشعرية وقدرتها على حمل طبقات متعددة من المعنى.
ولا ينبغي أن نفترض أن كسر الحدود بين الأجناس هو في ذاته قيمة كافية. الأهم هو السؤال عما يتيحه هذا الكسر للكاتب. ففي حالة كارسون، يسمح لها الانتقال بين الأشكال بربط التجربة الشخصية بالمعرفة الكلاسيكية والفلسفية. وفي حالة أدونيس، يتيح التداخل الغنائي والفكري للأسطورة والصورة أن تتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة الوجود والتاريخ.
سابعا: هل يقرأ النقاد الغموض نفسه بالطريقة نفسها في الثقافات المختلفة؟
بعد النظر في المتاح من نصوص الكاتبين، يمكننا العودة إلى سؤال الاعتراف العالمي. هل تستقبل لجنة جائزة نوبل التجريب الشعري بالطريقة نفسها حين يصدر عن شاعر عربي يستند إلى تاريخ طويل من التحولات داخل الشعر العربي، وحين يصدر عن كاتبة تكتب بالإنجليزية وتعيد تشكيل مواد من التراث اليوناني والروماني؟
السؤال مشروع، لكنه لا يصبح حقيقة مثبتة لمجرد أن كاتبًا نال جائزة كبرى ولم ينلها آخر. فالجوائز الأدبية لا تُمنح بناءً على مقارنة مباشرة وشاملة بين جميع الكتّاب الذين لم يفوزوا بها، كما أن الاختيار المؤسسي لا يكشف وحده عن كل الأسباب التي تجعل عملًا أدبيًا حاضرًا في النقد العالمي أكثر من غيره.
ومع ذلك، فإن المقارنة تتيح لنا تحديد بعض الأسئلة التي تستحق البحث.
أولها "سؤال الترجمة". فالنص الذي ينتقل من لغة إلى أخرى لا ينتقل بكامل شروطه الأصلية. تتغير الإيقاعات والإيحاءات والتناصات، وقد تصبح بعض الصور مفهومة بسهولة أكبر من غيرها. وما يبدو غامضًا في لغة قد يُقرأ بطريقة مختلفة في لغة أخرى.
وثانيها "سؤال السياق النقدي". فالنصوص لا تصل إلى القراء فرادى؛ إنها تصل عبر كتب نقدية ومراجعات وترجمات ومؤسسات نشر ومهرجانات وجوائز. وهذه الوسائط تؤثر في الطريقة التي يُقدَّم بها الكاتب ويُقرأ، وفي المفردات التي يستخدمها النقاد لوصف مشروعه.
وثالثها "سؤال التراث". فأعمال كارسون التي تعيد كتابة مواد من الأدب الكلاسيكي تدخل في حوار مع تقاليد نقدية وأكاديمية طويلة حول النصوص اليونانية والرومانية. أما أدونيس فيعيد التفكير في تراث عربي واسع ومتعدد، ويتعامل مع الشعر القديم والنصوص الدينية والأسئلة الفلسفية من موقع الحداثة العربية. ولا يعني هذا أن أحد التراثين أكثر تعقيدًا أو أحق بالاعتراف؛ بل يعني أن لكل منهما شروطه التاريخية والمعرفية، وأن هذه الشروط تؤثر في طرق القراءة.
لكن الانتقال من هذه الملاحظات إلى اتهام مؤسسة دولية بالتحيز يحتاج إلى أدلة إضافية، وهي دراسة تاريخ التلقي، وتحليل التغطية النقدية، ومقارنة حضور الترجمات، وفحص ما تتيحه المؤسسات الثقافية من فرص للانتشار. ومن دون ذلك، يبقى الحديث عن ازدواجية المعايير فرضية تستحق التأمل، لا نتيجة يمكن استخلاصها من مقارنة قصيدتين.
والأهم ألا نسمح للجائزة بأن تصبح المعيار الوحيد الذي نقيس به قيمة الكتابة. فالمقارنة بين أدونيس وكارسون لا ينبغي أن تنتهي إلى إثبات أن الأول يشبه الثانية، أو إلى اعتبار حصول إحداهما على الاعتراف العالمي حكمًا نهائيًا على تفوقها. إن لكل تجربة منطقها الجمالي وتاريخها الخاص، ومن واجب النقد أن يقرأهما قبل أن يسأل عن الجوائز.
أخيرا: من سؤال الاستحقاق إلى سؤال القراءة
تكشف المقارنة بين أدونيس وآني كارسون عن تقاطع مهم في التعامل مع اللغة والتراث والصورة الشعرية. فكلاهما لا يكتفي باستخدام اللغة لنقل معنى مستقر، بل يختبر حدودها ويجعلها جزءًا من السؤال الذي يطرحه النص. وكلاهما يعود إلى الموروث لا ليكرره، بل ليعيد فتحه على احتمالات جديدة. آدم عند أدونيس يتراجع عن صورة الأب الذي يعرف الأصل، وأوفيد عند كارسون يتحول إلى شاعر يواصل الكتابة في المنفى، حتى حين يبدو أن القارئ غائب.
لكن التشابه لا يلغي الاختلاف. فأدونيس يميل في النصوص المختارة إلى بناء صور كثيفة تتسع من التجربة الفردية إلى الوجود والتاريخ والجماعة. أما كارسون فتعتمد، في عدد من "أحاديثها القصيرة"، على الاقتصاد في العبارة والمفارقة والانقطاع، بحيث ينشأ المعنى من اصطدام عناصر تبدو متباعدة. ويظهر تجاوز الحدود بين الأجناس عندها أيضًا من خلال انتقالها بين الشعر والنثر والتأمل الفلسفي وإعادة كتابة النصوص الكلاسيكية.
هذه الفروق لا تجعل أحد المسارين أفضل بالضرورة من الآخر؛ إنها تمنحنا أساسًا لفهم خصوصية كل تجربة، بدل اختزال التجريب في مفهوم عام لا يميز بين طرائقه ووظائفه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه المقارنة ليس فقط لماذا نالت كارسون اعترافًا عالميًا لم ينله أدونيس، بل كيف ينظر للكتابة التجريبية حين تنتقل بين اللغات والتقاليد والمؤسسات الثقافية؟ وما الذي يجعل بعض المشاريع الأدبية أكثر حضورًا في المجال النقدي العالمي من غيرها؟
إن الإجابة لا تكمن في التشابه الشكلي وحده، ولا في الجائزة وحدها. إنها تتطلب قراءة النصوص، وفهم سياقاتها، وتتبع طرق ترجمتها وتلقيها. أما النقد، فمهمته الأولى أن يوضح ما يفعله الأدب، وكيف يفعله، وما الذي يجعل تجربة ما جديرة بأن تُقرأ وتُناقش.
بهذا المعنى، لا تصبح المقارنة بين أدونيس وآني كارسون محاكمة بين فائز وخاسر، بل فرصة لفهم مسارين مختلفين في إعادة اختراع الكتابة. مسار يجعل اللغة والذاكرة والتاريخ موضع مساءلة، وآخر يحوّل المفارقة والانقطاع وإعادة كتابة التراث إلى وسائل لاكتشاف ما لا تقوله الأشكال المألوفة.
وربما تكون هذه هي نقطة البداية الأجدى لأي نقاش عن الاعتراف العالمي. أن نبدأ من الأدب نفسه، لا من الجوائز التي تمنحه مكانته العامة.
عبدالواسع السقاف
الأجدى أن نبدأ من النصوص نفسها: كيف يكتب أدونيس قصيدته؟ وكيف تبني كارسون نصوصها؟ ماذا يفعلان باللغة حين لا تعود أداة مناسبة للتعبير؟ وكيف يستعيدان التراث من دون أن يتحولا إلى مجرد ناقلين له؟ ثم كيف يمكن أن تساعدنا هذه الأسئلة على فهم العلاقة بين التجريب الأدبي والاعتراف النقدي العالمي؟
تكتسب هذه المقارنة أهميتها من أن الكاتبين لا يكتفيان بتجديد الأشكال الموروثة، بل يوسعان حدود الكتابة ذاتها. فأدونيس دفع القصيدة العربية الحديثة إلى مساحات تتداخل فيها الأسطورة والفكر والتاريخ والتجربة الفردية، بينما تتنقل كارسون بين الشعر والنثر والمقالة والترجمة وإعادة كتابة النصوص الكلاسيكية.
وفي أعمال آن كارسون مثل Autobiography of Red
The Beauty of the Husband
لا تبدو الحدود بين الأجناس الأدبية حواجز ثابتة، بل إمكانات قابلة للتجاوز وإعادة التشكيل.
لكن التشابه في نزوع الكاتبين إلى التجريب لا يعني أن التجربتين متطابقتان، أو أن إحداهما يمكن أن تكون معيارًا للأخرى. فالمقارنة النقدية الجادة لا تبحث عن أوجه الشبه وحدها؛ إنها تحاول أن تفهم كيف ينتج كل كاتب خصوصيته من خلال اللغة والصورة والتراث وطريقة بناء النص.
في البدء: اللغة ليست مرآة للعالم
يقول أدونيس في أحد نصوصه القصيرة:
"إننا زبدٌ يتبخّر من نهر الكلماتِ
صدأٌ في السماء وأفلاكها
صدأٌ في الحياة!"
يبدأ النص بصورة تبدو بسيطة: الإنسان زبد يتشكل فوق نهر الكلمات. لكن هذه الصورة تفتح سؤالًا يتجاوز معناها المباشر. فالزبد ليس النهر نفسه، وإنما أثر عابر على سطحه؛ يظهر ثم يتلاشى. وإذا كانت الذات الإنسانية زبدًا من الكلمات، فإن وجودها يبدو مرتبطًا باللغة التي تمنحها صورتها، لكنه يظل وجودًا هشًّا لا يملك ضمانة البقاء.
ثم تأتي صورة "الصدأ" لتغيّر اتجاه المعنى. فالصدأ ليس مجرد اختفاء أو زوال؛ إنه تآكل يصيب ما كان قائمًا. وحين يقول الشاعر إن الصدأ يمتد إلى السماء وأفلاكها، ثم إلى الحياة، فإنه يوسّع الأزمة من الذات إلى الكون. وبناء على ذلك لم تعد المشكلة في قدرة الإنسان على وصف العالم، بل في العالم نفسه، الذي يبدو كأنه فقد سلامة نظامه.
هذه إحدى سمات الكتابة الأدونيسية في هذا المقطع. فالصورة لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تتحول إلى أداة تفكير. والشاعر لا يقول مباشرة إن الوجود هش أو إن العالم يعتريه الفساد، بل يجعل القارئ يرى هذه الأفكار من خلال الزبد والصدأ والنهر والسماء.
يمكن أن نضع هذا النص إلى جانب مقدمة كتاب آن كارسون Short Talks، أو "أحاديث قصيرة"، وفق الترجمة العربية التي حصلنا عليها. تقول المقدمة إن "الكلمات اختفت ذات صباح"، ثم تضيف أن "الحقائق والوجوه كانت قد اختفت قبلها".
للوهلة الأولى، تبدو العبارة تقريرًا عن واقعة مستحيلة. لكن قوتها تنبع من ترتيب الاختفاءات، وهي الكلمات أولًا في ظاهر الحكاية، ثم الحقائق والوجوه في عمقها. فإذا اختفت الكلمات، فقد نفقد القدرة على تسمية الأشياء؛ وإذا اختفت الحقائق، فقد نفقد ما يجعل أحكامنا قابلة للتصديق؛ وإذا اختفت الوجوه، فقد يفقد الآخرون ملامحهم التي نتعرف إليهم من خلالها.
وهكذا لا يصبح اختفاء الكلمات مشكلة لغوية منفصلة عن الواقع، بل جزءًا من اختلال أوسع يصيب علاقتنا بالعالم وبالآخرين.
يلتقي الكاتبان، إذن، في زعزعة الثقة باللغة بوصفها مرآة شفافة للواقع، غير أن طريقتهما تختلف. فأدونيس يبني استعارة تتسع تدريجيًا حتى تشمل الوجود كله، بينما تعتمد كارسون في هذا المقطع على جملة مقتضبة تضع القارئ أمام واقعة غير قابلة للتفسير المباشر.
ويمكن تقريب الفرق بمثال آخر. حين يقول شاعر إن الإنسان عابر كالموج، فهو يقدّم صورة تساعدنا على فهم فكرة الفناء. أما حين يخبرنا كاتب بأن الكلمات والحقائق والوجوه اختفت، فإنه لا يقدم تشبيهًا يفسر الواقع بقدر ما يغيّر شروط إدراكنا له.
الفرق هنا ليس بين الوضوح والغموض، بل بين طريقتين في إنتاج المعنى، وهما بناء استعارة كونية من جهة، وخلق فجوة في الواقع المألوف من جهة أخرى.
ومن المهم الانتباه إلى أن الغموض في النصين ليس غاية مستقلة. إنه نتيجة طبيعية لكتابة لا تريد أن تقدم إجابة جاهزة عن العالم، بل أن تجعل القارئ يعيد النظر في الأدوات التي يفهمه بها.
ثانيا: حين يعود التراث ليسأل عن نفسه
يقول أدونيس في نص آخر:
وَشْوَشَني آدَمْ
بغَصّةِ الآهِ
بالصّمتِ بالأنّهْ-
"لستُ أب العالمْ
لم ألمح الجنّه
خُذْني إلى اللهِ"
يظهر آدم هنا بوصفه شخصية تتكلم، لكن صوته لا يحمل اليقين الذي قد نتوقعه من الأب الأول للبشرية. إنه يتحدث بغصة وصمت وأنّة، ثم يعلن: "لستُ أب العالم".
هذه العبارة هي مركز النص؛ لأنها تقلب موقع آدم داخل الحكاية الموروثة. فالشخصية التي يمكن النظر إليها باعتبارها أصلًا للوجود الإنساني تتراجع عن صفة الأبوة، أو على الأقل عن امتلاك السلطة التي توحي بها هذه الصفة. ثم يقول: "لم ألمح الجنة"، فيبدو كأنه لا يملك حتى معرفة كاملة بالمكان الذي ارتبطت به حكايته.
وبدلًا من أن يكون آدم مصدر الحكاية وصاحب المعرفة الأولى، يصبح كائنًا محدود المعرفة، يشعر بالنقص ويطلب الهداية. إن أدونيس لا يعيد رواية قصة آدم كما نعرفها، بل يفتحها من الداخل، ويمنح الشخصية الموروثة فرصة للاعتراض على الصورة التي استقرت لها في الوعي.
وهذا مثال واضح على ما يمكن تسميته إعادة كتابة التراث من خلال زعزعة رموزه أو التشكيك فيه. فالشاعر لا يهجر الموروث ولا يكتفي باستحضاره، بل يحوّله إلى مادة لطرح أسئلة جديدة عن الأصل والمعرفة والأبوة والعلاقة بالمطلق.
ويمكن أن نجد مسارًا مختلفًا، لكنه ذو صلة، في "حديث قصير عن أوفيد" عند كارسون. ففي النص، وفق الترجمة، يظهر الشاعر الروماني في المنفى، منشغلًا بالرسائل والكتابة والحزن، إلى أن نقرأ أنه يؤلف قصيدة ملحمية لن يقرأها أحد أبدًا.
النص:
"يتناول عشاءه ويتمشّى عائدًا إلى حجرته.
الراديو على الأرض
لوحته الخضراء الزاهية تتوهج بضوء خافت.
يجلس إلى طاولته؛
الناس في المنفى يكتبون رسائلَ كثيرةً جدًّا.
الآن "أوفيد" ينتحب.
كل ليلة بذات التوقيت يرتدي الحزن كمعطف
ويواصل الكتابة.
في أوقات فراغه يُعلِّم نفسه اللغة المحلّية
لكي يؤلّف بها قصيدةً ملحميّةً
لن يقرأها أحدٌ أبدًا"
المفارقة هنا أن "أوفيد" شاعر، والقصيدة هي الوسيلة التي يحفظ بها صلته بالعالم، لكنه يكتب في وضع يبدو فيه العالم غائبًا عن كتابته. فالعمل الذي يفترض أن يصل إلى قارئ يتحول إلى كتابة مهددة بالعزلة، وربما بانعدام التلقي.
بهذه الطريقة، لا تستجلب كارسون "أوفيد" لمجرد الاحتفاء باسم كلاسيكي، بل تجعل منه مدخلًا إلى التفكير في المنفى ومصير الكتابة. فيصبح التراث تجربة إنسانية يمكن أن تعود في أشكال جديدة، وهي شاعر قديم يعاني وضعًا لا يبدو بعيدًا عن أسئلة الكاتب الحديث حول العزلة والجدوى والجمهور.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نساوي بين النصين مساواة تامة. ففي مقطع أدونيس، تنصب المساءلة على الشخصية التأسيسية نفسها، وهي آدم يتخلى عن صورة الأب الذي يعرف الأصل ويمتلك سلطة البداية. أما كارسون فتستخدم "أوفيد" لتأمل مصير الشاعر حين ينفصل عن المكان والجمهور.
الأول يعيد النظر في سلطة الأصل؛ والثاني يستخرج من التراث سؤالًا عن الكتابة في المنفى. لكن النتيجة المشتركة هي أن الماضي لا يبقى ماضيًا مغلقًا. إنه يعود إلى الحاضر كي يكشف تناقضاته. وهذا ما يجعل التجريب هنا أكثر من مجرد تغيير في الشكل. إنه تغيير في طريقة التعامل مع الذاكرة الثقافية.
ثالثا: الجسد والرغبة واستحالة العثور على الآخر
في مقطع آخر، يكتب أدونيس:
حبِّيَ جرحٌ
جسديَ وردةٌ على الجرح لا يُقطَفُ إلاّ موتًا. دمي
غُصُنٌ أسلم أوراقَه استقرَّ…
هل الصخرُ جوابٌ؟ هل موتكِ السيدُ النائم
يُغْوي؟ عندي لثدييكِ هالاتُ وَلوعٍ لوجهك الطفل
وجهٌ مثلهُ… أنتِ؟ لم أجدكِ.
تقوم هذه الكتابة على شبكة من الصور المتوترة وهي الحب جرح، والجسد وردة تنمو فوقه، والوردة لا يمكن قطفها إلا بالموت، والدم غصن يتخلى عن أوراقه. لا تتيح هذه الصور فصل الجمال عن الألم، ولا الرغبة عن الفقد.
فالوردة، في الاستعمال المألوف، قد ترمز إلى الجمال أو الحب أو الاكتمال. لكن أدونيس يربط قطفها بالموت، كأن الوصول إلى موضوع الرغبة يتضمن تدميره أو فقدانه. وما يبدو في البداية صورة للاكتمال يتحول إلى صورة للاستحالة.
ثم تأتي الأسئلة: "هل الصخر جواب؟" و"هل موتك السيد النائم يغوي؟". لا تمنح هذه الأسئلة القارئ نقطة استقرار؛ إنها توسع دائرة الالتباس. وفي النهاية يصل النص إلى عبارة "أنتِ؟ لم أجدكِ"، وهي خاتمة تعيد تفسير الصور السابقة. فالمشكلة ليست فقط أن الحب مؤلم، بل أن المحبوبة نفسها لا تستقر في صورة يمكن إمساكها.
ويمكننا أن نقارن ذلك بـ"حديث قصير عن الموناليزا" عند كارسون. في هذا النص، بحسب الترجمة، تتكرر صور الماء والوعاء والعطش، وتظهر لحظة لا يكون فيها الماء في أي من الوعائين.
النص:
"كان ثمّة لحظة لم يكن الماء فيها بأيّ الوعائين؛
يا له من عطش!
وهو افترض أنه سيتوقف عندما تصير اللوحة خالية تمامًا،
لكن النساء قويات
خبيرات بالأوعية
خبيرات بالماء
خبيرات بالعطش الفتّاك."
الماء عادةً شيء يمكن احتواؤه، والوعاء أداة صممت لحفظه، والعطش حاجة تنتظر الإشباع. لكن النص يفصل هذه العناصر بعضها عن بعض: هناك ماء، وهناك أوعية، وهناك عطش، ومع ذلك لا يتحقق الامتلاء الذي نتوقعه.
ما يجمع النصين هو أن الرغبة لا تقود إلى امتلاك مضمونها. عند أدونيس، لا يعثر المتكلم على المحبوبة؛ وعند كارسون، لا يكفي وجود الماء والوعاء لتجاوز العطش. في الحالتين، تظهر فجوة بين الحاجة وما يستطيع إشباعها.
لكن الأسلوب مختلف. أدونيس يبني تجربته عبر كثافة الصور الجسدية والدموية والنباتية، ويتركها تتداخل حتى يصعب فصلها. أما كارسون فتميل في "حديث الموناليزا" إلى مشهد قصير تتولد دلالته من مفارقة الأشياء وعلاقاتها.
ولتقريب هذا الفرق إلى القارئ، يمكن القول إن أدونيس يكتب مأزق الرغبة من داخل الجسد؛ إذ يصبح الجسد نفسه جرحًا ووردة ودمًا وغصنًا. أما كارسون فتكتب المأزق من خلال علاقة بين أشياء تبدو مستقلة، لكنها لا تؤدي وظائفها المتوقعة.
في الحالتين، لا تُقدَّم الرغبة باعتبارها طريقًا مضمونًا إلى الامتلاء. إنها تكشف، على العكس، عن حدود المعرفة والامتلاك.
رابعًا: الصورة الشعرية لا تشرح الفكرة، بل تغيّرها
من السمات اللافتة في نصوص الكاتبين أن الصورة لا تأتي لتزيين فكرة مكتملة قبلها. إنها نفسها المكان الذي تتكون فيه الفكرة وتتغير.
تظهر هذه السمة بوضوح في نص أدونيس الذي يقول فيه:
"الحياة هزيلةٌ في هذه الدقائق من العمر. النهارُ
لا حواجبَ له، وليس للشمس أهدابٌ طويلة.
ولا همس في بَردى والفرات، لا لقاح، لا
تململ. السلالة عاقرٌ في بلادي وخرساء،
والتاريخ يحمل بقاياه إلى أرض أخرى."
يبدأ المقطع بحكم عام: "الحياة هزيلة". لكنه لا يتوقف عند إعلان اليأس، بل يحوّل هذا الحكم إلى مشاهد وصور. النهار بلا حواجب، والشمس بلا أهداب، والنهران بلا همس، والسلالة عاقر وخرساء.
إن وصف النهار بأنه بلا حواجب والشمس بأنها بلا أهداب لا ينقل معلومة عن الطبيعة، بل يسحب من المشهد ملامحه البشرية. فالوجه الذي نعرفه من خلال الحواجب والأهداب يفقد تفاصيله، كما يفقد النهار والشمس ما يجعلهما مألوفين في الخيال.
بعد ذلك ينتقل النص إلى بردى والفرات. وهنا يصبح الصمت جزءًا من المكان نفسه. فالنهر، الذي يرتبط عادةً بالجريان والحياة، لا يعود مجرد عنصر طبيعي؛ إنه يحمل دلالة ثقافية ووجدانية. وحين يغيب عنه الهمس، يبدو أن الصمت قد وصل إلى الذاكرة التي يمثلها المكان.
ثم تأتي عبارة "السلالة عاقرٌ في بلادي وخرساء"، لتجمع بين تعطل الاستمرار وتعطل التعبير. فالعقم يحيل إلى انقطاع المستقبل، والخرس إلى انقطاع الصوت. أما الخاتمة، "والتاريخ يحمل بقاياه إلى أرض أخرى"، فتمنح التاريخ حركة غير متوقعة: لا يبقى في المكان الذي صنعه، بل يغادره حاملًا بقاياه!
هنا لا نحتاج إلى أن نعامل كل صورة باعتبارها رمزًا له معنى واحد ثابت. الأهم هو ملاحظة كيفية انتقال النص من ضعف الحياة إلى تشوه ملامح النهار، ثم إلى صمت النهرين، فعقم السلالة وخرسها، وأخيرًا رحيل التاريخ.
بهذا التدرج، يتحول الشعور الفردي إلى صورة لأزمة جماعية. فالقصيدة لا تقول فقط إن المتكلم متشائم؛ إنها تصوغ عالمًا يبدو فيه استمرار الحياة والتاريخ موضع تهديد.
أما كارسون، فيمكن أن نرى آلية مختلفة في "حديث قصير عن الألم"، وفق الترجمة. يبدأ النص بمشهد من الخضرة والمراعي والحقول والقبر، ثم ينحرف فجأة إلى عبارة تعلن أن ما نقرأه ليس قصيدة، بل لوحة إعلانية ضخمة عن البازلاء المجمدة، قبل أن يضيف أن البازلاء المجمدة تخفف الألم.
النص:
"المراعي والحقول والتلال وأكمام القطيفة العتيقة:
أشياء خضراء.
ينبسطون وينقبضون وينحدرون،
ويتكشّفون للعيان، فتقرّ بهم الأعين.
يبثون النضرة في اللوحات.
وتخاض المعارك فوق خضرتهم
أو يمكن لنا أن نتناول طعامنا فوقها، وندردش..
يالها من غابات بعيدة تستلقي خفيَةً..
ثُمّ هنالك القبر
الذي يُذكر أيضًا في الكثير من القصائد عن الخضرة..
ولكن هذا ليس قصيدة
هذا لوحٌ إعلانيٌّ ضخمٌ عن البازلاء المجمدة
البازلاء المجمدة تُلطِّفُ الألم."
هذا الانتقال المفاجئ يبدد التوقع الذي صنعه المشهد الأول. فالقارئ الذي يتوقع تأملًا شعريًا في الألم والموت يجد نفسه أمام إعلان تجاري عن طعام مجمد.
لكن المفارقة ليست نكتة عابرة. إنها تجعل القارئ يسأل عن العلاقة بين اللغة الشعرية واللغة الاستهلاكية، وبين التجربة المؤلمة والوعود الجاهزة بتخفيف الألم. فالعبارة الإعلانية تبدو دخيلة على القصيدة، لكنها تكشف في الوقت نفسه كيف يمكن للخطاب التجاري أن يتسلل إلى أشد التجارب إنسانية حساسية.
ويمكن تلخيص الفرق على النحو الآتي: يميل أدونيس في المقطع السابق إلى توسيع الصورة حتى تشمل المكان والتاريخ والجماعة، بينما تستخدم كارسون الانقطاع المفاجئ لتصطدم لغة الشعر بلغة الإعلان. الأول يبني شبكة من الصور تتنامى في اتجاه واحد تقريبًا، والثانية تخلق انعطافًا يغيّر فهم القارئ لما سبقه.
ومع ذلك، يشترك النصان في رفض الاكتفاء بالعبارة المباشرة. فكلاهما يجعل القارئ يختبر الفكرة من خلال شكلها، لا من خلال تلقيها في صورة حكم جاهز.
خامسا: التجريب ليس غموضًا لمجرد الغموض
كثيرًا ما يستخدم النقاد الغموض لوصف الكتابة الحديثة، وكأن صعوبة الفهم دليل تلقائي على العمق أو التجديد. لكن هذه الفكرة لا تساعدنا كثيرًا في قراءة أدونيس وكارسون؛ لأن الغموض في أعمالهما ليس ظاهرة واحدة، ولا يؤدي الوظيفة نفسها دائمًا.
لنأخذ مثالًا من كارسون: "حديث قصير عن المشي العكسي"، الذي ترد فيه عبارة الأم: "هكذا يمشي الموتى"، ثم تنقلب الصورة إلى القول إن الموتى لا يمشون بظهورهم، بل يمشون خلف ظهورنا، وإنهم ضحايا الحب.
النص:
"منعتنا أمنا من المشي بظهورنا.
تقول "هكذا يمشي الموتى"
من أين جاءتها هذه الفكرة؟!
ربما من نصٍ تُرجِمَ بشكل سيء
فالموتى، عمومًا، لا يمشون بظهورهم، إنما يمشون خلف ظهورنا.
لا رئات لهم، ولذا لا يصرخون بأسمائنا..
لكنهم يودون أن نلتفت إليهم. إنهم ضحايا الحب، وهم كُثر."
تبدأ الصورة من حركة جسدية يمكن تخيلها: شخص يمشي إلى الخلف. ثم تتغير دلالتها عندما يصبح الموتى كائنات تسير خلف الأحياء. إنهم ليسوا أمامنا بحيث نراهم بوضوح، ولا وراءنا بمعنى أنهم صاروا جزءًا من الماضي المنقضي تمامًا؛ إنهم في المسافة التي لا نلتفت إليها عادةً، لكن أثرهم يستمر في حياتنا.
ومن هنا تأتي الإشارة إلى الحب. فالموتى الذين يمشون خلف ظهورنا قد ينظر اليهم بوصفهم الذين فقدناهم، أو العلاقات التي انتهت من دون أن تتوقف عن التأثير فينا. لكن النص لا يغلق الصورة على تفسير واحد.
هذا غموض نابع من تحويل مألوف إلى غير مألوف: حركة المشي إلى الخلف تتحول إلى طريقة لتصور الذاكرة والموت والحب.
أما في نص أدونيس عن آدم، فيأتي الغموض من نوع آخر. فنحن نعرف الشخصية التي يتحدث عنها النص، لكننا لا نعرف على وجه اليقين كيف ينبغي أن نفهم تراجعها عن الأبوة أو قولها إنها لم تلمح الجنة. هل يعيد النص تأويل الحكاية الدينية؟ هل يجعل آدم رمزًا للإنسان الذي لا يعرف أصله؟ أم أنه يحول الشخصية التأسيسية إلى صوت يعبر عن أزمة المعرفة والبحث عن المطلق؟
قوة النص لا تتوقف على اختيار إجابة واحدة، بل على قدرته على إبقاء هذه الاحتمالات متجاورة من دون أن يفقد وحدته.
لذلك من الأدق التمييز بين نوعين من الغموض في هذه الشواهد: غموض ينشأ من إعادة تأويل رمز موروث، وغموض ينشأ من انقلاب الصورة اليومية إلى مفارقة وجودية. ولا يعني ذلك أن كل نص غامض ناجح. فالتجريب لا يكتسب قيمته لمجرد أنه يصعب شرحه، وإنما بقدرته على خلق علاقات جديدة بين الكلمات والصور والأفكار، وبقدر ما يجعل هذه العلاقات منتجة للمعنى.
وعندما نقرأ أدونيس وكارسون من هذا المنظور، لا يعود السؤال: أيهما أكثر غموضًا؟ بل يصبح، ما الذي يأتي به الغموض في كل نص، وكيف ينظم علاقة القارئ باللغة والعالم؟
سادسا: ما وراء الحدود بين الشعر والنثر
لا يقتصر التجريب عند كارسون على بناء الصورة أو إعادة كتابة الأسطورة. إنه يشمل أيضًا شكل العمل نفسه. ففي "مديح النوم"، الذي وجدنا منه مقاطع نثرية، تنتقل الكاتبة من ذكرى حلم مبكر إلى تأمل في الذاكرة والذات، ثم إلى أسماء وتجارب أدبية وفلسفية، من بينها فرجينيا وولف وهوميروس ومحاورة أفلاطون "أقريطون"، حيث يستيقظ سقراط قبيل إعدامه ويحكي حلمًا.
لا تتقدم المقالة هنا وفق المسار الذي نتوقعه من حكاية ذاتية تقليدية. فالحلم الشخصي يفتح بابًا على أسئلة فلسفية وأدبية، والذاكرة الفردية تتصل بذاكرة النصوص التي قرأتها الكاتبة. وبذلك تصبح المقالة مساحة يلتقي فيها السرد والتأمل والاستشهاد وإعادة التفكير في التجربة الشخصية.
تقول إحدى العبارات في النص: "ما الذي يبعث على الأمل أكثر من قصة عين خالية تمتليء بالرؤى حين تغفو؟". إن المفارقة هنا أن العين، التي نربطها بالرؤية، لا ترى في حالة النوم بالطريقة المعتادة، ومع ذلك تصبح قادرة على استقبال صور ورؤى أخرى. فالنوم ليس مجرد انقطاع عن الوعي؛ إنه فرصة لتبدل شروط الرؤية.
ويمكن أن نرى في هذا الانتقال من الحلم الشخصي إلى النصوص الفلسفية والأدبية نموذجًا لطريقة كارسون في تجاوز الحدود بين الأجناس. فهي لا تضع الشعر في جهة والنثر في جهة أخرى، بل تجعل الكتابة مجالًا تتجاور فيه طرائق مختلفة للمعرفة.
أما أدونيس، فيظهر التجريب في النصوص التي وجدناها على نحو مختلف. فهو يمزج التجربة الغنائية بالتأمل الفلسفي، ويستدعي التراث الديني والأسطوري، ويوظف صورًا تتجاوز التجربة الفردية إلى أسئلة الوجود والتاريخ. وفي مقطع آدم، مثلًا، لا يفصل بين الصوت الشعري والتأمل في الأصل والمعرفة؛ فالشخصية الأسطورية تصبح أداة تفكير، لكن التفكير لا يأتي في صورة مقالة تفسيرية، بل في صورة صوت متقطع ومشحون بالغصة والصمت والأنّة.
وهكذا يلتقي الكاتبان في تجاوز الحدود المألوفة بين التعبير الشعري والتفكير، لكنهما يختلفان في تنظيم هذا التجاوز. فالتداخل عند كارسون قد يظهر في انتقال واضح بين السيرة والفلسفة والأدب، بينما يظهر عند أدونيس في كثافة الصورة الشعرية وقدرتها على حمل طبقات متعددة من المعنى.
ولا ينبغي أن نفترض أن كسر الحدود بين الأجناس هو في ذاته قيمة كافية. الأهم هو السؤال عما يتيحه هذا الكسر للكاتب. ففي حالة كارسون، يسمح لها الانتقال بين الأشكال بربط التجربة الشخصية بالمعرفة الكلاسيكية والفلسفية. وفي حالة أدونيس، يتيح التداخل الغنائي والفكري للأسطورة والصورة أن تتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة الوجود والتاريخ.
سابعا: هل يقرأ النقاد الغموض نفسه بالطريقة نفسها في الثقافات المختلفة؟
بعد النظر في المتاح من نصوص الكاتبين، يمكننا العودة إلى سؤال الاعتراف العالمي. هل تستقبل لجنة جائزة نوبل التجريب الشعري بالطريقة نفسها حين يصدر عن شاعر عربي يستند إلى تاريخ طويل من التحولات داخل الشعر العربي، وحين يصدر عن كاتبة تكتب بالإنجليزية وتعيد تشكيل مواد من التراث اليوناني والروماني؟
السؤال مشروع، لكنه لا يصبح حقيقة مثبتة لمجرد أن كاتبًا نال جائزة كبرى ولم ينلها آخر. فالجوائز الأدبية لا تُمنح بناءً على مقارنة مباشرة وشاملة بين جميع الكتّاب الذين لم يفوزوا بها، كما أن الاختيار المؤسسي لا يكشف وحده عن كل الأسباب التي تجعل عملًا أدبيًا حاضرًا في النقد العالمي أكثر من غيره.
ومع ذلك، فإن المقارنة تتيح لنا تحديد بعض الأسئلة التي تستحق البحث.
أولها "سؤال الترجمة". فالنص الذي ينتقل من لغة إلى أخرى لا ينتقل بكامل شروطه الأصلية. تتغير الإيقاعات والإيحاءات والتناصات، وقد تصبح بعض الصور مفهومة بسهولة أكبر من غيرها. وما يبدو غامضًا في لغة قد يُقرأ بطريقة مختلفة في لغة أخرى.
وثانيها "سؤال السياق النقدي". فالنصوص لا تصل إلى القراء فرادى؛ إنها تصل عبر كتب نقدية ومراجعات وترجمات ومؤسسات نشر ومهرجانات وجوائز. وهذه الوسائط تؤثر في الطريقة التي يُقدَّم بها الكاتب ويُقرأ، وفي المفردات التي يستخدمها النقاد لوصف مشروعه.
وثالثها "سؤال التراث". فأعمال كارسون التي تعيد كتابة مواد من الأدب الكلاسيكي تدخل في حوار مع تقاليد نقدية وأكاديمية طويلة حول النصوص اليونانية والرومانية. أما أدونيس فيعيد التفكير في تراث عربي واسع ومتعدد، ويتعامل مع الشعر القديم والنصوص الدينية والأسئلة الفلسفية من موقع الحداثة العربية. ولا يعني هذا أن أحد التراثين أكثر تعقيدًا أو أحق بالاعتراف؛ بل يعني أن لكل منهما شروطه التاريخية والمعرفية، وأن هذه الشروط تؤثر في طرق القراءة.
لكن الانتقال من هذه الملاحظات إلى اتهام مؤسسة دولية بالتحيز يحتاج إلى أدلة إضافية، وهي دراسة تاريخ التلقي، وتحليل التغطية النقدية، ومقارنة حضور الترجمات، وفحص ما تتيحه المؤسسات الثقافية من فرص للانتشار. ومن دون ذلك، يبقى الحديث عن ازدواجية المعايير فرضية تستحق التأمل، لا نتيجة يمكن استخلاصها من مقارنة قصيدتين.
والأهم ألا نسمح للجائزة بأن تصبح المعيار الوحيد الذي نقيس به قيمة الكتابة. فالمقارنة بين أدونيس وكارسون لا ينبغي أن تنتهي إلى إثبات أن الأول يشبه الثانية، أو إلى اعتبار حصول إحداهما على الاعتراف العالمي حكمًا نهائيًا على تفوقها. إن لكل تجربة منطقها الجمالي وتاريخها الخاص، ومن واجب النقد أن يقرأهما قبل أن يسأل عن الجوائز.
أخيرا: من سؤال الاستحقاق إلى سؤال القراءة
تكشف المقارنة بين أدونيس وآني كارسون عن تقاطع مهم في التعامل مع اللغة والتراث والصورة الشعرية. فكلاهما لا يكتفي باستخدام اللغة لنقل معنى مستقر، بل يختبر حدودها ويجعلها جزءًا من السؤال الذي يطرحه النص. وكلاهما يعود إلى الموروث لا ليكرره، بل ليعيد فتحه على احتمالات جديدة. آدم عند أدونيس يتراجع عن صورة الأب الذي يعرف الأصل، وأوفيد عند كارسون يتحول إلى شاعر يواصل الكتابة في المنفى، حتى حين يبدو أن القارئ غائب.
لكن التشابه لا يلغي الاختلاف. فأدونيس يميل في النصوص المختارة إلى بناء صور كثيفة تتسع من التجربة الفردية إلى الوجود والتاريخ والجماعة. أما كارسون فتعتمد، في عدد من "أحاديثها القصيرة"، على الاقتصاد في العبارة والمفارقة والانقطاع، بحيث ينشأ المعنى من اصطدام عناصر تبدو متباعدة. ويظهر تجاوز الحدود بين الأجناس عندها أيضًا من خلال انتقالها بين الشعر والنثر والتأمل الفلسفي وإعادة كتابة النصوص الكلاسيكية.
هذه الفروق لا تجعل أحد المسارين أفضل بالضرورة من الآخر؛ إنها تمنحنا أساسًا لفهم خصوصية كل تجربة، بدل اختزال التجريب في مفهوم عام لا يميز بين طرائقه ووظائفه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه المقارنة ليس فقط لماذا نالت كارسون اعترافًا عالميًا لم ينله أدونيس، بل كيف ينظر للكتابة التجريبية حين تنتقل بين اللغات والتقاليد والمؤسسات الثقافية؟ وما الذي يجعل بعض المشاريع الأدبية أكثر حضورًا في المجال النقدي العالمي من غيرها؟
إن الإجابة لا تكمن في التشابه الشكلي وحده، ولا في الجائزة وحدها. إنها تتطلب قراءة النصوص، وفهم سياقاتها، وتتبع طرق ترجمتها وتلقيها. أما النقد، فمهمته الأولى أن يوضح ما يفعله الأدب، وكيف يفعله، وما الذي يجعل تجربة ما جديرة بأن تُقرأ وتُناقش.
بهذا المعنى، لا تصبح المقارنة بين أدونيس وآني كارسون محاكمة بين فائز وخاسر، بل فرصة لفهم مسارين مختلفين في إعادة اختراع الكتابة. مسار يجعل اللغة والذاكرة والتاريخ موضع مساءلة، وآخر يحوّل المفارقة والانقطاع وإعادة كتابة التراث إلى وسائل لاكتشاف ما لا تقوله الأشكال المألوفة.
وربما تكون هذه هي نقطة البداية الأجدى لأي نقاش عن الاعتراف العالمي. أن نبدأ من الأدب نفسه، لا من الجوائز التي تمنحه مكانته العامة.
عبدالواسع السقاف