نور العين

​
أغمضت عيني اليمنى بعد أن قام طبيب التخدير بحقن ثلاث حقن بنج رفيعة السن في ثلاث أجزاء مختلفة من جفن العين.

عيني اليسرى (التي لن تخضع مثل اليمنى هذه المرة لعملية المياه البيضاء) بعد أن كانت موجهة للسقف إستكان جفنها العلوي فاحتضن الجفن السفلي في استراحة، بينما بداية التنميل الذي يدل على سريان البنج في العين اليمنى يتزايد.

الوجدان يربت على الألم بالتسبيح وذكر الله والدعاء باسم الله النور الهادي أن ينير عيني وطريقي ويهديني لما يرضيه.

والذاكرة تسافر بي إلى أيام الطفولة عندما اصطحبتني ماما حبيبتي الله يرحمها إلى مستشفى لإجراء عملية لاستئصال أكياس دهنية ظهرت عندي في العينين معا.

تمت الجراحة في ذلك الوقت بنجاح، وخرجت معصوبة العينين يقودني عبر الطريق كف أمي الذي يحتضن كفي بحنان، وتوجهني أمي برفق عبر الطريق، مع كلمات التشجيع وبث الإطمئنان من صوتها العذب الله يرحمها.

لا أنسى حتى الأن رقة صوتها الله يرحمها، كما لا أنسى ان كفها الكبير المحتضن لكفي الصغير لم يكن مجرد وسيلة للهداية تحميني مما لا أراه عبر الطريق، إنما كان كأنه يحقق لي حالة من الإحتضان تربت على كتفي وتطمئن بالي.

بوصولنا إلى العمارة التي كنا نقيم فيها بالزمالك أخذ صوتها ينبهني بأننا سنصعد درجات سلم المدخل، ثم بأننا سندخل المصعد، أما في داخل الشقة فصوتها ينبهني خلال التحرك بين أثاث البيت، ويدها تساعدني لتغيير ملابسي.

حبها وحنانها في صحبة صوتها ولمساتها هو نور العين.

إختطفني من ذكرياتي صوت الممرضة التي تدفع السرير الذي أنام عليه باتجاه جهاز مرتفع صار وجهي تحته، ثم تم توصيل أنبوب من يدي إلى جهاز لقياس القلب، وأنبوب له فتحتان إلى الأنف لزيادة الاوكسجين، ثم قامت يد بتغطية وجهي بالكامل بغطاء إلتصق من الجانبينن. وبعد قليل جدا قامت يد بإزالة الجزء من الغطاء الذي يعلو عيني اليمنى التي سيتم إجراء العملية فيها. فصارت هذه العين هي الجزء الوحيد المكشوف من وجهي، وفورا تحركت انامل الدكتور "شريف جمال" بأدوات دقيقة داخل عيني دون أن أتبين أو أشعر بما يفعله حيث قام البنج الموضعي بإلغاء إحساسي بها.

دقائق وتحرك بي السرير بما يعني إنتهاء العملية بفضل الله. صارت العين اليمنى مغطاة بعازل طبي، بينما تم رفع الغطاء عن بقية وجهي وصرت أرى بالعين اليسرى وحدها. حمدت الله. ووجدت محمد إبني مقبلا باتجاهي يسندني كي أجلس، ثم يسندني كي أقف، ثم نتوجه إلى باب الخروج مستندة على ذراعه، قلت له: أشعر بالبرد. بسرعة خلع الجاكيت الذي كان يرتديه وأحاطني به، شعرت بدفء جسده يسري من القماش إلى جسدي، وبدفء حبه يسري من نظرة عينيه المتلهفة إلى عيني الوحيدة المكشوفة.

ذراعه تقودني لصعود درجات السلم في مدخل العمارة التي نقيم فيها بالمهندسين وهو يردد على مسامعي عند الصعود أن التعليمات المكتوبة في ورقة تسلمها من المستشفى هي ألا أنحني، وبقدر الإمكان ألا أحرك راسي باتجاه الأرض.

ويده تساعدني كي أتمدد للإستراحة بينما كلماته تذكرني بألا أنام على الجانب الذي أجريت فيه العملية تنفيذا لإرشادات المستشفى.

حبه وحنانه في صحبة صوته ولمساته هو نور العين.

يا ماما لو تريدي الإتصال بأحد أخبريني كي لا ترهقي عينك الوحيدة أمام شاشة التليفون.

يا ماما سأطلب لك طعاما جاهزا.

ياماما حين تستطيعين القيام للصلاة تذكري عدم الإنحناء في الركوع والسجود.

يا ماما حين تحتاجين لأي شيء ناديني.

يا ماما، يا ماما.

وكأنه قد صار "ماما".

حبيبي آخر العنقود أصبح مثل ماما هو نور العين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...