نتنياهو واحتمال استئناف الحرب على إيران: هل تتقدم الحسابات الانتخابية على اعتبارات الأمن؟

نتنياهو واحتمال استئناف الحرب على إيران: هل تتقدم الحسابات الانتخابية على اعتبارات الأمن؟

المحامي علي أبو حبلة

تثير التقارير الإعلامية بشأن بحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال استئناف العمليات العسكرية ضد إيران تساؤلات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لتطال العلاقة بين التصعيد الإقليمي والاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، وحدود توظيف الظروف الأمنية في إدارة الصراع السياسي الداخلي.

وبحسب تقرير نشره موقع «أكسيوس» للصحفي باراك رافيد في 7 تشرين الأول 2026، استكملت الولايات المتحدة استعدادات عسكرية لاحتمال استئناف عمليات واسعة ضد إيران، من دون تحديد موعد لشن هجوم أو اتخاذ قرار نهائي بشأنه. وأشار التقرير إلى أن أي مواجهة جديدة قد تؤثر في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، في ضوء احتمال تعرض إسرائيل لهجمات صاروخية إيرانية. وهذه المعطيات تضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، لكنها لا تعني أن قرار الحرب قد اتُّخذ بالفعل.

الحرب والانتخابات: تداخل المصالح والمخاطر

من الطبيعي أن تتداخل الحسابات الأمنية والانتخابية في الدول التي تواجه أزمات عسكرية، خصوصاً عندما تكون القيادة السياسية أمام استحقاق انتخابي قريب. وقد يؤدي التصعيد إلى تغيير أولويات النقاش العام، وإعادة توجيه الاهتمام نحو الأمن القومي، وتوفير مساحة أوسع للحكومة لتبرير قراراتها وسياساتها.

وفي الحالة الإسرائيلية، يمكن أن ينعكس أي تصعيد مع إيران على موقع نتنياهو السياسي، سواء من خلال تعزيز الخطاب الأمني للحكومة أو، على العكس، من خلال إثارة تساؤلات حول كلفة الحرب وفاعلية الردع وقدرة القيادة على حماية الجبهة الداخلية. ولذلك، فإن افتراض أن الحرب ستمنح نتنياهو مكاسب سياسية ليس أمراً محسومًا؛ فالنتائج قد تتباين وفق تطورات الميدان، وحجم الخسائر، والانعكاسات الاقتصادية، وموقف الرأي العام.

وقد اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك نتنياهو بالتمهيد لاحتمال حرب قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات. غير أن هذا الموقف يظل تقديراً سياسياً منسوباً إلى صاحبه، ولا يشكل بمفرده دليلاً على وجود خطة حكومية تستهدف تأجيل الاقتراع. ومن الضروري هنا التمييز بين تحليل الدوافع المحتملة وبين إثبات النيات أو القرارات الفعلية.

هل تستطيع الحرب أن تؤجل انتخابات الكنيست؟

لا يؤدي اندلاع الحرب تلقائياً إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية. فالقانون الأساسي للكنيست يضع قيوداً واضحة على تمديد الولاية؛ إذ تنص المادة التاسعة «أ» على ضرورة إقرار قانون يحظى بموافقة ما لا يقل عن 80 عضواً من أعضاء الكنيست، مع وجود ظروف استثنائية تحول دون إجراء الانتخابات في موعدها، وتحديد موعد جديد، على ألا يتجاوز التمديد المدة التي تقتضيها تلك الظروف.

ويعني ذلك أن إعلان حالة الطوارئ أو اتخاذ إجراءات عسكرية لا يمنح الحكومة، بمفرده، صلاحية إرجاء الانتخابات. كما أن أي محاولة للتمديد ينبغي أن تستند إلى ضرورة موضوعية قابلة للفحص، وأن تراعي مبدأ دورية الانتخابات وحق المواطنين في اختيار ممثليهم، مع بقاء القرارات ذات الصلة خاضعة للأطر القانونية والرقابة القضائية.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كان التصعيد قد يؤثر في موعد الانتخابات، بل ما إذا كانت الظروف الفعلية ستبلغ مستوى يستحيل معه إجراء الاقتراع بصورة سليمة، وما إذا كانت المؤسسات المختصة ستلتزم بالشروط الدستورية اللازمة.

واشنطن بين منع الحرب وإدارة التصعيد

تظل المواقف الأميركية عاملاً أساسياً في تحديد مسار المواجهة. وقد أعلن ترامب، وفق تقرير نشره «أكسيوس» في 8 تشرين الأول، أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني 2026، مستنداً إلى استمرار المسار التفاوضي. لكن هذا الإعلان لا يحسم بالضرورة جميع الخيارات الإسرائيلية، ولا ينفي إمكان تغير الحسابات إذا طرأت تطورات أمنية جديدة.

وتواجه واشنطن معادلة معقدة تتمثل في المحافظة على أمن حليفها الإسرائيلي، وتجنب حرب إقليمية واسعة، واحتواء التداعيات المحتملة على أسواق الطاقة والملاحة الدولية والاستقرار في الشرق الأوسط. وفي المقابل، فإن أي تحرك عسكري إسرائيلي واسع قد يضع الإدارة الأميركية أمام ضغوط سياسية واستراتيجية إضافية، خصوصاً إذا اتسعت المواجهة أو تعثرت الجهود الدبلوماسية.

ثلاثة مسارات أمام المنطقة

يتمثل المسار الأول في استمرار الضغط المتبادل والتهديدات العسكرية دون الانتقال إلى حرب واسعة، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام الوساطات والتفاوض.

أما المسار الثاني، فيتمثل في استئناف العمليات العسكرية واتساع نطاق الردود، بما قد يفرض تحديات أمنية على إسرائيل ويؤثر في البيئة الانتخابية، دون أن يجعل تأجيل الانتخابات نتيجة حتمية.

ويقوم المسار الثالث على احتواء التصعيد عبر تفاهمات أميركية وإقليمية، تتيح معالجة الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والأمن الإقليمي، وتحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وتبقى هذه مسارات تحليلية محتملة، لا تنبؤات مؤكدة؛ إذ يرتبط تحقق أي منها بقرارات الأطراف المعنية وتطورات الميدان ومدى فاعلية المساعي الدبلوماسية.

الخلاصة

إن ربط احتمال استئناف الحرب على إيران بالانتخابات الإسرائيلية يطرح سؤالاً مشروعاً حول تداخل الأمن والسياسة، لكنه لا يبرر الجزم بأن نتنياهو يعتزم شن الحرب بهدف تأجيل الانتخابات. فالتقارير المتاحة تشير إلى بحث خيارات عسكرية والاستعداد لاحتمالات التصعيد، بينما يظل الدافع السياسي المفترض بحاجة إلى أدلة مستقلة ومعلومات موثوقة.

وفي جميع الأحوال، فإن أخطر ما قد تواجهه المنطقة هو تحول الحسابات الداخلية إلى عامل يدفع نحو مواجهة إقليمية واسعة، تكون كلفتها أكبر من قدرة الأطراف على التحكم في نتائجها. فالأمن المستدام لا يتحقق بمجرد توسيع العمليات العسكرية، وإنما يحتاج إلى معالجة جذور النزاع، واحترام القانون الدولي، وتغليب المسارات السياسية والدبلوماسية على منطق الحرب المفتوحة.

المحامي علي أبو حبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...