في عام 1997، نشرت الشاعرة الهولندية إستر يانسما (1958 - 2025) عملها النثري اللافت "نُزهة على الدَّرج الحلزوني"، وعلى الرغم من أن غلاف العمل حمل كلمة "رواية"، إلّا أن التلقّي النّقدي وضعه على الفور في مصاف قصائد النثر. وهو اتّجاه شعري لم يستطع الانتشار في البلاد الواطئة (هولندا وبلجيكا)، كما فعل في بلدان أوروبية أخرى مثل فرنسا أو إنكلترا، أو حتى إسبانيا أو إيطاليا؛ ما اعتبر حينها جرأة غير مسبوقة من يانسما على ترك الغنائية الشِّعرية التي طبعت الشِّعر الهولندي علي مدى عقود، والتجريب في قالب مختلف، يتحمّل نزق الألعاب المسرحية التي ميّزت قصائد يانسما منذ بداياتها، وخاصة بعد صدور مجموعتها الشعرية الأولى "صوت تحت سريري" (1988).
يتألّف "نُزهة على الدَّرج الحلزوني" من 107 مشاهد نثرية وحوارية قصيرة، توزّعت تحت عناوين تصنيفية ضخمة مثل "التفكير" و"القوانين" و"الارتفاع"، و"العمق". وتدور كلها من منظور عين الطفلة البطلة التي تبلغ الحادية عشر من عمرها، وتتحاور مع أصوات تدور في عقلها. وفي محاولة من يانسما لتجسيد هذه الأصوات، تمنح لكل صوت اسم يسبغ عليه بعضًا من صفاته، فهناك صوت عقل الطفلة نفسه، والذي يشار إليه بـ "الرأس"، الذي يمثّل صوت الطفلة العقلاني المحايد، وهناك الصوت "الرّومانسي"، الذي يُصوَّر على أنه صبي صغير، ويمثّل الجانب الإبداعي والخيالي الحالم من شخصية الطفلة، وصاحب الصّوت العاطفي الحالم، وهناك صوت "العجوز"، التي يتم تصويرها على أنها طفلة من عمر البطلة، وتجسّد الواقع والمألوف، وتتحدّث بلسان العقل والحكمة.
تشكّل الشخصيات الثلاث، الرأس والرّومانسي والعجوز، نوعًا من تصادم الأفكار داخل رأس الطفلة، لتشكل مجتمعة ثالوثًا فلسفيًا مكونًا من العقل والخيال والواقع، أو بالأحرى ثالوثًا من المعرفة التجريبية، يصطدم بتعاليم الأب والأم، اللذين يحضران من حين إلى آخر باعتبارهما السلطة العليا المتحكمة في مصائر الجميع؛ الطفلة البطلة وشقيقاتها وأخيهم الأصغر، إضافة إلى الأصوات الموجودة في رأسها. اتّخذت يانسما من هذه الأصوات الفلسفية الثلاثة هرمًا أساسيًا لتفكيك ذات الطفلة وأسئلتها العفوية أمام غرابة العالم، وحولت القصيدة إلى مسرح حي تتحرّك على خشبته أفكار الطفلة التي تتقاطع وتتعارض مع بعضها البعض أمام عين القارئ.
ملاحظة أخيرة تخصّ الترجمة لا بدّ من ذكرها، احترامًا للنص ولكاتبته قبل أي شيء، وهي أن إستر يانسما منحت الطفلة في كامل العمل اسم "الرأس" Hoofd، في إشارة منها إلى أن كل ما يحدث داخل النص ما هو إلّا أصوات تدور وتتحاور داخل "رأس" البطلة الطفلة، وأيضًا لأن الرأس مكان العقل المسؤول عن التفكير. ولكن لأن مفردة "رأس" مذكّرة في اللغة العربية، ولن يصبح مستساغًا أن أقول "قالت الرأس"، وجدت من الأفضل والأكثر سهولة استبدال كلمة الرأس بكلمة "البنت"، تمييزًا لها عن الصوتين الأساسيين اللذين يتحاوران داخل عقلها: "الرّومانسي" و"العجوز".
نترجم فيما يلي فصلًا من "نُزهة على الدَّرج الحلزوني" للشاعرة الهولندية الراحلة إستر يانسما، وهو مجتزأ أوّل من مختارات شعرية تصدر لها قريبًا بالعربية:
1- المستقبل
تبلغُ "العجوز" من العمر أحد عشر عامًا، وتكتشف في العمق أوّل شعرةٍ من شعر العانة. إذًا ما قيل لها صحيح: ستصبح امرأة. ستنسج بشرتها في وقت ما بين الحاضر والسّنوات المقبلة فستانًا مُزينًا بالزّهور حولها، سيتحوّل شعرها إلى تموّجات قوية، وتصبح ساقاها عريضتين وقصيرتين، كاحلاها سيصبحان أكثر نحافة، وصدرها حاجزًا مهيبًا.
يقول "الرّومانسي" شاكيًا: "الأمر يختلف معنا بالطّبع، سترين، نحن لا نكبر. ولن تأتينا الدّورة الشّهرية، ولن نمارس الجنس مع أحد أبدا".
تنظرُ "العجوز" حالمة عبر نافذة الحمّام إلى الخارج. تقول: "مفيد، أضعُ عليها كتابًا، حتى أتمكّن من القراءة وأنا أمشي. أو صحنًا إن أردتُ أن آكل".
يقول "الرّومانسي": "الأمر يقتصر على تلك الشَّعْرة الوحيدة، مسألة النمو شيء من اختراع الكبار. لا تنطبق على الجميع، لكنّهم وجدوا الأمر معقدًا جدًّا، فبسّطوا القصّة قليلًا".
تمسك البنت بحبل المرحاض وتسحب بقوّة. فتتدحرج البنت فوق كتب مفتوحة فوق مرج من اللحم.
2- الشَّعْر
سبعة ذيول حصان مُتراصّة في صفّ، الأطول في المقدّمة. وفوق الذّيول سبع قبّعات صغيرات من اللباد الأزرق الفاتح، كما لو يجب الاحتفاظ بالسّماء الرّمادية على مبعدة كافية. يسكن الله في السماء. تطفو القبّعات السّبع باتّجاه مدرسة الأحد، حيث سيحرّك الله لسانه بين شفتيّ مُعلّمة الإنجيل الرّطبتين.
تنادي البنت الشقيقات: "سنذهب أيضًا"!
تقول الشقيقة الأصغر: "في هذه السترة بالتأكيد"؟
يقول "الرّومانسي": "سنقصّ شعورنا"!
يُقصّ الشَّعْر على طول خطّ الفكّ. تحصل كلّ الرؤوس على دبوس مائلٍ نحو اليسار، فوق الأذن مباشرةً، ليبعد الغرّة عن الجبهة. يمدحون جمال بعضهم البعض بقلق.
يصرخ "الرّومانسي": "نحن حقيقيّون"!
يضعون أخاهم غير الشّقيق في عربة الأطفال ويسيرون، في صفٍّ واحد، إلى مدرسة الأحد، الأكبر في المقدّمة. تلامس لحية الله الرّمادية العريضة رؤوسهم، ويبدأ المطر الخفيف في الهطول.
"علينا المشي منحنين أكثر"، يقول "الرّومانسي": "يسير المؤمنون بالله بهيئة أكثر خشوعًا".
تنظر "العجوز" حولها: أسفلت رماديّ، أغصان سوداء، مزارع مخبّأة في أعماق الغابة، مليئة بالمئات من "يسوع"، معلّقون على صلبانهم ينزفون، وفي مكان ما خلف باب من هواء... الله، يفحص العقول كلها كطبيب يحمل مصباحًا ويعدّ الكتل المخاطيّة والأفكار السيئة.
تقول"العجوز": "دعونا نؤمن بالفرسان".
3- الزلّاجة
يستلقون في السّرير، يمسك "الرّومانسي" بالبنت في قبضة محكمة ويقول: "هذه الزّلاجة تستغرق وقتًا طويلًا. إذا كنت جائعة، توجّهي بقدميكِ إلى اليسار أو اليمين وانزلقي إلى داخل متجر، مرورًا بالرفوف. عليكِ أن تكوني سريعة، تخطفين ما تحتاجينه بسرعة، و... هوب؛ تخرجين من المتجر".
تقول "العجوز": "هكذا تُبلى سراويلِك"!
يقول "الرّومانسي": "متاجر الملابس"!
تقول البنت: "إذا كان الجميع يجلسون على زلّاجة إلى الأبد، ألم يكن من المفترض أن نلاحظ ذلك من قبل؟ من الصّعب ألّا تلاحظ زلّاجة كهذه".
يجيب "الرّومانسي": "ألا نؤمن أيضًا بأن الأشجار خضراء؟ هل رأيتِها اليوم؟ إنها سوداء تمامًا! ستنمو أوراق عليها مرّة أخرى بلا شك، لكن مَنْ قال إن ذلك لا بدّ أن يحدث في الصيف، ومن قال إنّها خضراء؟ لا معنى لهذا! وقريبًا ستعود إلى الوجود وسنرجع أغبياء مرّة أخرى ونصفها بالخضراء. هذا سخف، لأنها مؤكّد رمادية أو أرجوانية. وطبعًا لا نرى تلك الزلّاجة!"
تسأل "العجوز": "كيف تلتقي بالناس هناك إذًا"؟
- " تتلاقى الزلّاجات من حين إلى آخر فتجدين نفسَكِ فجأةً مع شخصين أو ثلاثة. وحين تميل الزلّاجات لتنفصل بعضها عن بعض، تعودين لتكوني وحيدة".
- "وماذا عن شقيقاتنا؟ وماذا عن أمِّنا"؟
"هذا ما أعنيه بالضبط"! يقول "الرّومانسي": نعتقد أنهنّ سيبقين معنا دائمًا، أو حتى نكبر، لكن هذا ليس مؤكدًا على الإطلاق! ما على هذه الزلّاجة إلّا أن تنقسم إلى مسارين، وفجأة، تصبحين وحدك تمامًا! لا أحد يستطيع تحمّل ذلك، لذا يسمّونها الناس "عائلة". كطمأنينة. لكن قد ينتهي الأمر في غضون ثانية، وعندها لا تعرفين ما الذي يحدث لك، لا تفهمين أي شيء على الإطلاق"!
تنزلق البنت على منحدر أسود بارد. يسطع من خلفها الضوء وتصدح أصوات الناس المرحين، لكنها تتدحرج في الاتجاه الخطأ. فتسأل: "وماذا لو ضللتَ الطريق هناك"؟
يقول "الرّومانسي": "ربما ضللنا الطريق الآن بالفعل، إن لم نتمكّن من رؤية الزلّاجة، فلن نستطيع أن نعرف أننا لم نضلّ الطريق".
يصل صوت أمهم من غرفة المعيشة تتحدّث عبر الهاتف. تشعر البنت برغبة في البكاء، لأنها ربما ضلّت الطريق عن أمها بدون قصد، ولم يكن من المفترض أبدًا أن يكونا معًا.
تقول باكية: "لكنّني لا أتذكر ذلك".
4- الإجابات
عليكِ النَّوم وشفتاكِ مُغلقتان، وإلّا سيدخل الشيطان إلى فمِك. سيزحف عبر القصبة الهوائية إلى صدرِك، وبمجرّد أن يستقرّ هناك فلن يغادره أبدًا. الصّلاة لا تنفع. فقط إبقاء شفتيكِ مغلقتين.
عليكِ قَلي البيض وفمكِ مفتوح. إن كنت مصابةً بدودةٍ شريطيّة، فسوف تزحف جائعة عبر فمكِ إلى الخارج، منجذبة إلى رائحة المارجرين المذاب. عليكِ إمساكها من خلف رأسها. إذا انفصل رأسها، ينمو من ذيلها رأس جديد، تمامًا كما يحدث مع ديدان المطر. تعتقد الدودة الشريطيّة في بطنكِ أنّكِ العالم بأسره. تمامًا مثل الطّفل الرّضيع، لديها كل ما تحتاجه. الرّضع أيضًا يخرجون ورؤوسهم إلى الأمام.
عليكِ أن تسيري بالضّبط على خُطى والدك، لأنّه يعرف أين الأمان. لكن كلّ خطوة قرار. ومع كلّ قرار ينفصل عنّا كوْن آخر: كوْن الخطوة التي لم نخطها. لا يجوز لكِ أن تقفي ساكنة خوفًا من كل هذه المسؤولية. فالوقوف ساكنة هو أيضًا قرار، وبالتالي بداية كون جديد.
عليكِ الرّكض بأسرع وأغرب طريقة ممكنة، فهناك الكثيرون من البشر ينتظرون ولادتهم، مع كلّ خطوة يُخلق الملايين منهم، ليطيروا من تحت قدميك كالشّرارات إلى عوالم جديدة.
5- الضَّياع
يقول الأب: "لو انعطفتِ في الشّارع يمينًا كلّ مرّة، بدون أن تبتعدي عن الرّصيف، فسوف تعودين تلقائيًا إلى البيت".
تصرخ البنت: "لكن كيف يمكنكَ أن تعرف ذلك؟ إن صحّ الأمر ثلاث مرّات، فليس بالضّرورة أن يصحّ في الرّابعة، أليس كذلك؟ يمكن للأمور أن تتغيّر، كما تعلم"!
يقول الأب: "هذا صحيح، انعطفي أربع مرّات وستعودين إلى هذا الشّارع. انظري"!
يأخذ قطعة من الورق، يرسم مُربّعًا، ويبدأ في رسم أسهم حوله.
تبكي البنت: "كان الأمر كذلك البارحة، فهل اختبرتَه اليوم؟ ألم يتغيّر شيء حقًّا"؟
يقول الأب: "لا داعي لأن أختبر ذلك، هذه الأمور هي هكذا... ببساطة"؟
تُطرد البنت مع شقيقتها إلى الشّارع فوق دراجتيهما الثلاثيّتين. يصرخ الأب: "انعطفي أربع مرّات إلى اليمين"!
تنطلق الأخت مطيعة على درّاجتها نافخة أنفها، وتسير البنت على القدمين خوفًا من إحداث فوضى. قد ينجح الانعطاف أربع مرّات إلى اليمين إن كنت سائرًا، لكنها لم ترَ أبيها على دراجة ثلاثيّة العجلات أبدًا.
6- المخاط
هناك الجميلة الغبيّة والقبيحة الذّكية. هناك الشّابة اللطيفة والعجوز التي تمثّل أختًا غير شقيقة. بالطبع يمكن للبنت أن تختار مَن تكون، لكنّها الأكبر سنًا وليست جميلة أيضًا، لذا فإنّ خياراتها محدودة.
تنتهي الأمور دائمًا بشكل سيء مع الأخت الذّكية. الجميلة الغبيّة تصبح جميلة وذكية بفضل قبلة من أمير، لكن القبيحة تظلّ قبيحة وذكية بما يكفي لتدرك ذلك تمامًا.
يقول "الرّومانسي": "نحن قبيحون وأذكياء، نحن رائعون من الدّاخل، لكن لا أحد يكتشف ذلك أبدًا. نحن قبيحون لدرجة أنّ لا أحد يريد التّحدث إلينا. لكن الحيوانات تفعل. نتعلّم لغة الحيوانات وتأتي الطّيور لتجلس على أكتافنا. نعيش في غابةٍ ونُخرج الشّوكة من بين مخالب الأسد".
تلتفت البنت إلى "العجوز"، التي تتفهّم خوفها من الأسود.
يقول "الرّومانسي": "لا بأس. إذًا سنكون ببساطة تلك الجميلة. وعندما نبكي، نمسح أنوفنا بالملاءات، لأنّ هذا ما تفعله الأميرات الحقيقيّات، كما ورد في قصة ’روبرت مع تان تان’".
تقوم البنت بحكّ أنفها حتى ينزف، ثم تمسحه بالملاءات. وكعادتها، تُطلق ريحًا عدّة مرّات.
تقول "العجوز": أنتم مقرفون!
يقول "الرّومانسي": "نحن أميرة صغيرة تعيسة جدًا، وأنتِ، أنتِ الأخت غير الشقيقة"!
7 ــ الصّغر
تسأل "العجوز": "صغيرة لدرجة أنّكِ تستطيعين العيش في صندوق برتقال"؟
يقول "الرّومانسي": "أصغر من ذلك! صغيرة لدرجة أنّ غطاء المقلاة هذا يسعك. أنت تعيشين هنا وتركبين على ظهر خنفساء".
تضع البنت بعض الحصى والطّحالب في الغطاء المقلوب، وتقول متباهية وهي تشير إلى براعم الفاصوليا التي عثرت عليها تحت بلاطات الممرّ: "هنا يوجد ممرّ صغير. وهذه هنا، هذه غابة بيضاء مخيفة".
تقول "العجوز": "لا يجب أن يكون هنالك أي خطر! هنالك حافّة حول الغطاء. وخارجها يقع العالم الواسع. أمّا داخل الغطاء فهنالك حديقة. في حديقتنا لن يصيبك أي مكروه".
يسأل "الرّومانسي": "ولا حتى القتال مع العناكب"؟
ــ "ولا ديدان الأذن. ولا أشخاص كبار يصرخون في وجهك".
تقول البنت: "حين تكون صغيرًا هكذا، فلديك دائمًا ما يكفي من الطّعام".
يقول "الرّومانسي": "سآخذ كعكة بودينغ".
تقول "العجوز": "وأنا سآخذ واحدة من حلوى السّكر، يوجد فيها ثقب صغير سأستلقي داخله. وحين أشعر بالجوع، سألعق قليلًا فقط. لا أحتاج إلى فعل أي شيء على الإطلاق"!
يقول "الرّومانسي": "سأتسلّق الكعكة وأرقص في البودينغ. لكنّني سأكون عاريًا، لأنّني بعد الانتهاء من الرّقص سأقوم بلعق نفسي بالكامل"!
تقول البنت: "أعيش في علبة بسكويت مملوءة دائمًا. حين تمطر، تُسمع أصوات طقطقة، ولديَّ عصا أستطيع بها دفع الغطاء لفتحه. وإن حدث فيضان، أطفو هكذا داخل عُلبتي".
أمسكوا بسلطعون وأطلقوا سراحه في حديقة الغطاء.
يقول "الرّومانسي": "إنه فارس، لديه حصان اسمه البرق، له حوافر فضِّيّة".
تقول "العجوز": "حصاني اسمه الرّعد، وله حوافر ذهبيّة".
يقول "الرّومانسي": "حصاني غير مرئي، وله أجنحة".
تقول البنت: "لكنكَ كنت لا تزال صغيرًا! سأطرحك أرضًا في الحال، ثم سأغادر وأنا أدندن"!
تصرخ "العجوز": "هذا لُؤم"!
تقول البنت مسرعة: "ألأنني لم ألحظ ذلك! ألأنني لم أستطع منع نفسي؛ كنت فقط أمشي على العشب وأصفر قليلًا"!
يفكرون...
يصرخون جميعًا متعجّلين: "لقد عدتُ كبيرًا"!
8 ــ الارتفاع
حين ينام "الرّومانسي"، تتحوّل الزّلاجة إلى درج في مكان ما داخل برج، درج حجريّ يمتدّ حتّى النّجوم. تفكّر البنت: "الحياة هي المشي. تصعد وتهبط، وحين تتعب تصبح عجوزًا. وحين لا تستطيع المضي قدمًا، تموت".
تحاول "العجوز" أن تُضفي على الأمر طابعًا مُبهجًا: "المشي والتّحدث في آن واحد أمر ممتع، كنّا نسير هناك جميعًا. ونأخذ استراحة بين الحين والآخر لتناول الطعام. نُزهة على الدَّرج الحلزوني".
تقول البنت بحزن: "أنتِ لا تفهمين! لا يوجد أحد، لا شيء سوى ذلك الدَّرج. المكان مُعتم تمامًا، عليك أن تتحسَّسي طريقك. ستصابين برعب شديد إن صادفتِ أحدًا"!
تسأل "العجوز": "إذًا، هنالك أشخاص آخرون"؟
تقول البنت: "من حين إلى آخر يهبط شخص ما إلى الأسفل، لقد كان في الأعلى من قبل، ويعرف ما كان الأمر كلّه عليه، وقد رأى الإجابة في أعلى الدَّرج. لكنّنا ما زلنا نصعد ونحن أغبياء، لذا فإن مثل هذا الشخص لا يتحدث إلينا. والبقية يصعدون إلى أعلى، تحتنا وفوقنا، لكنّنا لا نراهم أبدًا، لأنهم يسيرون بسرعتنا نفسها. لذلك نعتقد أننا وحدنا تمامًا، أعني باستثناء تلك القلّة من الحكماء الذين لا يمكننا رؤيتهم. نشعر بملابسهم تحفّ جوارنا مرَّة كلّ ألف سنة، أو نحو ذلك، وربما نكون حينها مضطربين جدًّا من الصمت والصعود، لدرجة أننا نعتقد أن هنالك ساحرة تسير، أو فرس نهر، أو إله".
تسأل "العجوز": "لماذا لا ننزل ببساطة؟ نبتعد عن هنا، ونقف مرتاحين على الأرض"؟.
تقول البنت: "هذا مستحيل، نحن أحياء، لذا نصعد. على الأقلّ، إن كان أمر هذا الدَّرج صحيحًا".
ــ "وإن لم يكن صحيحًا"!
ــ "إذًا سنبقى هنا في السرير فحسب. عندها يكون ما نراه صحيحًا، وتكون هذه هي الحقيقة؛ الجدار، والكرسيّ الذي تغطّيه الملابس، والسّتائر السّوداء، والشّقيقات النائمات".
تقول "العجوز": "على أي حال، نحن نعرف الطّريق إلى هناك، علينا فقط السّير في اتّجاه واحد: إلى الأعلى. لا يمكننا أن نضلّ الطّريق هناك".
تقول البنت: "هذا هو الجميل في تلك السَّلالم".
يحدقّون متَّحدين نحو السّقف. يصمتون ويصعدون...
يصمتون ويصعدون.
9 ــ الشَّوق
يقول "الرّومانسي": "علينا التوقّف عن القلق". ينحني، ينتزع قصبة عشب من بين بلاطات الرّصيف ويضعها بين شفتيه: "علينا تعلّم القفز بخفّة، وارتداء القلائد، وأن نصبح مثل تلك الفتاة ذات الضّفائر الذّهبية وحقيبة صغيرة بها أحمر شفاه ومصروف جيب".سأل "العجوز": "كيف نفعل ذلك"؟
يقول "الرّومانسي": "أعتقد أن تشي جيفارا، على سبيل المثال، يشبه يسوع. تلك العيون الجميلة والشَّعر الجميل، لو نظرتُ إليه لفترة كافية أصبحُ متأكّدًا من أنه إله. لذا فكّرت أن علينا أن نصلّي له. والشقيقات أيضًا بالمناسبة؛ يجب أن نجثو جميعًا في ثياب النّوم الخاصة بنا في صفّ واحد، قبل أن نخلد للنّوم بالطّبع. ثياب النّوم هذه مهمّة، وإلّا فلن يرى أنّنا فتيّات".
تُخرج "العجوز" لسانها جانبًا وتسأل: "وهل يسمح لنا أن نُطيل شعورَنا"؟.
يقول "الرّومانسي": "بالتأكيد! لقد حان الوقت لنتمكّن من مصّ أطراف شعورَنا كفتيات حقيقيّات، ربما حينها يصبح الناس ألطف معنا! كلّ الفتيات الحقيقيّات يفعلن ذلك! ربما نحصل حتى على تموّجات أكثر في شعورنا! عندها سأقطع سروالًا داخليًّا قديمًا ونلوّنه بأقلام التلوين، ثم نضعه في شعورنا على شكل فيونكة"!
تقول البنت: "لكن لو كان تشي جيفارا قديسًا، فلماذا يظهر على ملصق ممزّق كهذا؟ أعني، هكذا في الممرّ؟ أليس هذا حرامًا"؟.
يقول "الرّومانسي": "لا أحد يعرف بعد! نحن فقط من نعرف، ومنذ وقت قصير جدًّا، منذ بضع ثوانٍ فقط! وهذا أمر جيّد، لأنه سيسمعنا جيدًا حين نصلِّي، وبذلك سنحصل بالتأكيد على شعورٍ طويلة"!
جلسوا على ركبهم سرًّا في الممرّ مع جميع الشقيقات في تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي كانت شعورهم أطول قليلًا بالفعل.
10 ــ البيع
حصلن على بالونات. قام "الرّومانسي" بنفخها وتولّت "العجوز" ربطها بالخيوط. قالت البنت للشقيقات وهي توزّع البالونات: "سنربح المال"!
يقول "الرّومانسي" راكعًا جوار الأخت الصغرى وهو يفك أربطة حذائها: "ولأننا فقراء... اخلعي عنك هذه الأشياء، ضعيها في جيب معطفك. الأطفال الفقراء لا يملكون أحذية".
يخلعون أحذيتهم جميعًا.
يقول "الرّومانسي": "وهذه المعاطف أيضًا، لا تصلح، إنها عادية جدًّا، يجب قلبها على ظهورها".
تحمل البنت قصاصة مكتوب عليها "بالونات... 25 سنتًا". يقفون جميعًا عند ناصية الشّارع مرتجفين من البرد.
تقول إحدى الشّقيقات: "أنا جائعة"!
يقول "الرّومانسي": "هذا هو المطلوب".
تسأل "العجوز": "وماذا لو جاء غريب يريد أخذنا معه؟ نبدو وكأنّنا لا ننتمي إلى أحد"!
يقول "الرّومانسي": "ربما يكونُ ملكًا فقد جميع أطفاله، ماتوا جميعًا، والآن يبحث عن أطفال جدد. لو ذهبنا معه، فسنتناول كعك البودينغ حتى نمتلئ. ونحصل على درّاجات وأطباق من الذّهب"!
يقترب شخص غريب.
تقول البنت: "ها هو ذا"!
تقول "العجوز": "هذا ليس شخصًا غريبًا، إنه رجل مخيف".
يحدّق الرّجل المخيف فيهم ويرفع حاجبيه.
تهمس "العجوز": "أريد الذّهاب إلى الحمّام".
يقرأ الرّجل المخيف الملاحظة.
تهمس "العجوز": "لقد لعبنا في الخارج لساعات، منذ وقت طويل وأنا أريد الذّهاب إلى الحمّام"!
يدور الرّجل المخيف حولهم دورة كاملة.
تجهش "العجوز" بالبكاء: "الآن تبوّلت في سروالي".
يركضون جميعًا هاربين.
الأم ليست غاضبة. يتعيّن على "العجوز" خلع ملابسها. لتجلس بعدها ــ مرتدية سروالًا داخليًّا نظيفًا ولا شيء غيره ــ في حضن رجل سمين. لقد أحضر زهورًا للأم وهو بارون.
تفكّر "العجوز": "البارون يكاد يكون مَلِكًا، لكن كيف نميّزه عن رجل مخيف"؟.
يجلس "الرّومانسي" والبنت في زاوية، ينظران بكراهية إلى العالم.
11 ــ الغريب
تقول البنت للشقيقات: "من تستطيع إبقاء ساقيها مرفوعتين لأطول فترة".
يرفعن جميعًا أرجلهنّ.
تقول البنت للأخت الوسطى: "هنالك مشكلة صغيرة، الذئب الراقد عندكِ على طرف السرير الآن! أرى عينيه الخضراوين المزيّفتين تلمعان عند ثني ركبتيكِ، إنه على وشك أن...".
أنزلت الأخت الوسطى ساقيها في ذعر وصرخت: "لا، إنه عندك، إنه عندك"!
قالت البنت: "أنا قلتُ "الذئب" أوّلًا، إنه حيث أريده أن يكون"!
قالت "العجوز": "لا تحبّ أمّي أن نفعل هذا، لنفترض أنها دخلت، ونحن مستلقون هنا نتعرّض للبرد. في البداية ستبكي شفقة علينا، ثم ستصرخ لأنّنا من المفترض أن نكون نائمين، ثم ستضربنا لأنّنا نستحقّ العقاب. وهي تجد ذلك مؤسفًا، وهكذا نكون أفسدنا مساءها"!
تخبّئ الأخت الصّغرى ساقيها تحت الملاءات.
يقول "الرّومانسي" للأخت الوحيدة المتبقيّة: "هذه المسابقة محض خيال. لقد نزلتُ للتوّ من سفينتي الفضائية أيتها الغريبة، وقمتُ بالتّلاعب قليلًا بعقلِك. أنتِ الآن تعتقدين أنّني شقيقتكِ، وأنكِ تعرفينني منذ زمن طويل. لكن هذا ليس صحيحًا! لم تريني في حياتكِ قط؛ لقد وصلتُ للتوّ. وبينما نحن مستلقيان هنا، أدرسكِ وأعبث بعقلكِ، ترقدين وساقيكِ مرفوعتان لأنّني أريد ذلك. كل ما أريده يحدث؛ أنا جبّار"!
بدأت الأخت بالبكاء، نزلت عن السّرير وركضت إلى الممرّ.
تستلقي البنت ضاحكة وهي تعبث بأنفها، مُبقية ساقيها مرفوعتين للحظة.
12 ــ التّفكير
تتجوّلين في الغرفة وتشيرين إلى الأشياء. "طاولة، صحن، كرسي، صورة، مقصّ".
تنظرين إلى المطر يتساقط على زجاج النّافذة. تحاولين تذكّر القطرات.
"الآن، الآن، الآن"، تقولين، لكن القطرات تتساقط بسرعة كبيرة؛ ينقضى "الآن" الخاص بها بالفعل قبل نطقك به.
تفكّرين أنّ القطرات بشر، شابة حين تكون في الأعلى؛ عجوز حين تصل إلى أسفل. تنظرين إلى القطرات الموجودة على حافّة النّافذة؛ قطرات مسكينة. أتدرك أنها ستموت؟
تنظرين كيف تتساقط الأمطار على الشّارع. مع كلّ قطرة تقفز قوارب شراعية صغيرة فوق الماء. كثير من القوارب الشّراعية التي لا تدوم أكثر من غمضة عين. تفكّرين: "تعتقد أنها في طريقها إلى مكان ما". قوارب تظهر فجأة مؤمنة بأنها موجودة منذ الأزل، ثم ينتهي الأمر، لا تفكر في شيء بعد ذلك.
تنظرين إلى القوارب وتفكّرين: "أنا أفكر "أنا"! "أناي" يفكّر برأسي!
تفكّرين: أنا هذا الرّأس!
13 ــ الموت
إنهم هياكل عظمية. تمّ دفنهم مع أبيهم في جدار الحديقة. عندما انهار الجدار، تدحرجت الجمجمة إلى الخارج. التقطتها الأم. وقالت: "أنتِ جميلة"!
الجمجمة زرقاء. وعلى جدارها الدّاخلي خرائط مرسومة.
تقول الأم: "أنتِ أحلى طفلة في العالم".
تفرح الجمجمة، لأن أمّها تحبّها.
تقول الأم: "لا أستطيع العيش بدونكِ، أقرأ الطريق فيكِ".
تحزن الجمجمة، لأنّها ميّتة. لا تستطيع الرّد.
ضفّة ثالثة
9/15 سبتمبر 2026 See less
يتألّف "نُزهة على الدَّرج الحلزوني" من 107 مشاهد نثرية وحوارية قصيرة، توزّعت تحت عناوين تصنيفية ضخمة مثل "التفكير" و"القوانين" و"الارتفاع"، و"العمق". وتدور كلها من منظور عين الطفلة البطلة التي تبلغ الحادية عشر من عمرها، وتتحاور مع أصوات تدور في عقلها. وفي محاولة من يانسما لتجسيد هذه الأصوات، تمنح لكل صوت اسم يسبغ عليه بعضًا من صفاته، فهناك صوت عقل الطفلة نفسه، والذي يشار إليه بـ "الرأس"، الذي يمثّل صوت الطفلة العقلاني المحايد، وهناك الصوت "الرّومانسي"، الذي يُصوَّر على أنه صبي صغير، ويمثّل الجانب الإبداعي والخيالي الحالم من شخصية الطفلة، وصاحب الصّوت العاطفي الحالم، وهناك صوت "العجوز"، التي يتم تصويرها على أنها طفلة من عمر البطلة، وتجسّد الواقع والمألوف، وتتحدّث بلسان العقل والحكمة.
تشكّل الشخصيات الثلاث، الرأس والرّومانسي والعجوز، نوعًا من تصادم الأفكار داخل رأس الطفلة، لتشكل مجتمعة ثالوثًا فلسفيًا مكونًا من العقل والخيال والواقع، أو بالأحرى ثالوثًا من المعرفة التجريبية، يصطدم بتعاليم الأب والأم، اللذين يحضران من حين إلى آخر باعتبارهما السلطة العليا المتحكمة في مصائر الجميع؛ الطفلة البطلة وشقيقاتها وأخيهم الأصغر، إضافة إلى الأصوات الموجودة في رأسها. اتّخذت يانسما من هذه الأصوات الفلسفية الثلاثة هرمًا أساسيًا لتفكيك ذات الطفلة وأسئلتها العفوية أمام غرابة العالم، وحولت القصيدة إلى مسرح حي تتحرّك على خشبته أفكار الطفلة التي تتقاطع وتتعارض مع بعضها البعض أمام عين القارئ.
ملاحظة أخيرة تخصّ الترجمة لا بدّ من ذكرها، احترامًا للنص ولكاتبته قبل أي شيء، وهي أن إستر يانسما منحت الطفلة في كامل العمل اسم "الرأس" Hoofd، في إشارة منها إلى أن كل ما يحدث داخل النص ما هو إلّا أصوات تدور وتتحاور داخل "رأس" البطلة الطفلة، وأيضًا لأن الرأس مكان العقل المسؤول عن التفكير. ولكن لأن مفردة "رأس" مذكّرة في اللغة العربية، ولن يصبح مستساغًا أن أقول "قالت الرأس"، وجدت من الأفضل والأكثر سهولة استبدال كلمة الرأس بكلمة "البنت"، تمييزًا لها عن الصوتين الأساسيين اللذين يتحاوران داخل عقلها: "الرّومانسي" و"العجوز".
نترجم فيما يلي فصلًا من "نُزهة على الدَّرج الحلزوني" للشاعرة الهولندية الراحلة إستر يانسما، وهو مجتزأ أوّل من مختارات شعرية تصدر لها قريبًا بالعربية:
1- المستقبل
تبلغُ "العجوز" من العمر أحد عشر عامًا، وتكتشف في العمق أوّل شعرةٍ من شعر العانة. إذًا ما قيل لها صحيح: ستصبح امرأة. ستنسج بشرتها في وقت ما بين الحاضر والسّنوات المقبلة فستانًا مُزينًا بالزّهور حولها، سيتحوّل شعرها إلى تموّجات قوية، وتصبح ساقاها عريضتين وقصيرتين، كاحلاها سيصبحان أكثر نحافة، وصدرها حاجزًا مهيبًا.
يقول "الرّومانسي" شاكيًا: "الأمر يختلف معنا بالطّبع، سترين، نحن لا نكبر. ولن تأتينا الدّورة الشّهرية، ولن نمارس الجنس مع أحد أبدا".
تنظرُ "العجوز" حالمة عبر نافذة الحمّام إلى الخارج. تقول: "مفيد، أضعُ عليها كتابًا، حتى أتمكّن من القراءة وأنا أمشي. أو صحنًا إن أردتُ أن آكل".
يقول "الرّومانسي": "الأمر يقتصر على تلك الشَّعْرة الوحيدة، مسألة النمو شيء من اختراع الكبار. لا تنطبق على الجميع، لكنّهم وجدوا الأمر معقدًا جدًّا، فبسّطوا القصّة قليلًا".
تمسك البنت بحبل المرحاض وتسحب بقوّة. فتتدحرج البنت فوق كتب مفتوحة فوق مرج من اللحم.
2- الشَّعْر
سبعة ذيول حصان مُتراصّة في صفّ، الأطول في المقدّمة. وفوق الذّيول سبع قبّعات صغيرات من اللباد الأزرق الفاتح، كما لو يجب الاحتفاظ بالسّماء الرّمادية على مبعدة كافية. يسكن الله في السماء. تطفو القبّعات السّبع باتّجاه مدرسة الأحد، حيث سيحرّك الله لسانه بين شفتيّ مُعلّمة الإنجيل الرّطبتين.
تنادي البنت الشقيقات: "سنذهب أيضًا"!
تقول الشقيقة الأصغر: "في هذه السترة بالتأكيد"؟
يقول "الرّومانسي": "سنقصّ شعورنا"!
يُقصّ الشَّعْر على طول خطّ الفكّ. تحصل كلّ الرؤوس على دبوس مائلٍ نحو اليسار، فوق الأذن مباشرةً، ليبعد الغرّة عن الجبهة. يمدحون جمال بعضهم البعض بقلق.
يصرخ "الرّومانسي": "نحن حقيقيّون"!
يضعون أخاهم غير الشّقيق في عربة الأطفال ويسيرون، في صفٍّ واحد، إلى مدرسة الأحد، الأكبر في المقدّمة. تلامس لحية الله الرّمادية العريضة رؤوسهم، ويبدأ المطر الخفيف في الهطول.
"علينا المشي منحنين أكثر"، يقول "الرّومانسي": "يسير المؤمنون بالله بهيئة أكثر خشوعًا".
تنظر "العجوز" حولها: أسفلت رماديّ، أغصان سوداء، مزارع مخبّأة في أعماق الغابة، مليئة بالمئات من "يسوع"، معلّقون على صلبانهم ينزفون، وفي مكان ما خلف باب من هواء... الله، يفحص العقول كلها كطبيب يحمل مصباحًا ويعدّ الكتل المخاطيّة والأفكار السيئة.
تقول"العجوز": "دعونا نؤمن بالفرسان".
3- الزلّاجة
يستلقون في السّرير، يمسك "الرّومانسي" بالبنت في قبضة محكمة ويقول: "هذه الزّلاجة تستغرق وقتًا طويلًا. إذا كنت جائعة، توجّهي بقدميكِ إلى اليسار أو اليمين وانزلقي إلى داخل متجر، مرورًا بالرفوف. عليكِ أن تكوني سريعة، تخطفين ما تحتاجينه بسرعة، و... هوب؛ تخرجين من المتجر".
تقول "العجوز": "هكذا تُبلى سراويلِك"!
يقول "الرّومانسي": "متاجر الملابس"!
تقول البنت: "إذا كان الجميع يجلسون على زلّاجة إلى الأبد، ألم يكن من المفترض أن نلاحظ ذلك من قبل؟ من الصّعب ألّا تلاحظ زلّاجة كهذه".
يجيب "الرّومانسي": "ألا نؤمن أيضًا بأن الأشجار خضراء؟ هل رأيتِها اليوم؟ إنها سوداء تمامًا! ستنمو أوراق عليها مرّة أخرى بلا شك، لكن مَنْ قال إن ذلك لا بدّ أن يحدث في الصيف، ومن قال إنّها خضراء؟ لا معنى لهذا! وقريبًا ستعود إلى الوجود وسنرجع أغبياء مرّة أخرى ونصفها بالخضراء. هذا سخف، لأنها مؤكّد رمادية أو أرجوانية. وطبعًا لا نرى تلك الزلّاجة!"
تسأل "العجوز": "كيف تلتقي بالناس هناك إذًا"؟
- " تتلاقى الزلّاجات من حين إلى آخر فتجدين نفسَكِ فجأةً مع شخصين أو ثلاثة. وحين تميل الزلّاجات لتنفصل بعضها عن بعض، تعودين لتكوني وحيدة".
- "وماذا عن شقيقاتنا؟ وماذا عن أمِّنا"؟
"هذا ما أعنيه بالضبط"! يقول "الرّومانسي": نعتقد أنهنّ سيبقين معنا دائمًا، أو حتى نكبر، لكن هذا ليس مؤكدًا على الإطلاق! ما على هذه الزلّاجة إلّا أن تنقسم إلى مسارين، وفجأة، تصبحين وحدك تمامًا! لا أحد يستطيع تحمّل ذلك، لذا يسمّونها الناس "عائلة". كطمأنينة. لكن قد ينتهي الأمر في غضون ثانية، وعندها لا تعرفين ما الذي يحدث لك، لا تفهمين أي شيء على الإطلاق"!
تنزلق البنت على منحدر أسود بارد. يسطع من خلفها الضوء وتصدح أصوات الناس المرحين، لكنها تتدحرج في الاتجاه الخطأ. فتسأل: "وماذا لو ضللتَ الطريق هناك"؟
يقول "الرّومانسي": "ربما ضللنا الطريق الآن بالفعل، إن لم نتمكّن من رؤية الزلّاجة، فلن نستطيع أن نعرف أننا لم نضلّ الطريق".
يصل صوت أمهم من غرفة المعيشة تتحدّث عبر الهاتف. تشعر البنت برغبة في البكاء، لأنها ربما ضلّت الطريق عن أمها بدون قصد، ولم يكن من المفترض أبدًا أن يكونا معًا.
تقول باكية: "لكنّني لا أتذكر ذلك".
4- الإجابات
عليكِ النَّوم وشفتاكِ مُغلقتان، وإلّا سيدخل الشيطان إلى فمِك. سيزحف عبر القصبة الهوائية إلى صدرِك، وبمجرّد أن يستقرّ هناك فلن يغادره أبدًا. الصّلاة لا تنفع. فقط إبقاء شفتيكِ مغلقتين.
عليكِ قَلي البيض وفمكِ مفتوح. إن كنت مصابةً بدودةٍ شريطيّة، فسوف تزحف جائعة عبر فمكِ إلى الخارج، منجذبة إلى رائحة المارجرين المذاب. عليكِ إمساكها من خلف رأسها. إذا انفصل رأسها، ينمو من ذيلها رأس جديد، تمامًا كما يحدث مع ديدان المطر. تعتقد الدودة الشريطيّة في بطنكِ أنّكِ العالم بأسره. تمامًا مثل الطّفل الرّضيع، لديها كل ما تحتاجه. الرّضع أيضًا يخرجون ورؤوسهم إلى الأمام.
عليكِ أن تسيري بالضّبط على خُطى والدك، لأنّه يعرف أين الأمان. لكن كلّ خطوة قرار. ومع كلّ قرار ينفصل عنّا كوْن آخر: كوْن الخطوة التي لم نخطها. لا يجوز لكِ أن تقفي ساكنة خوفًا من كل هذه المسؤولية. فالوقوف ساكنة هو أيضًا قرار، وبالتالي بداية كون جديد.
عليكِ الرّكض بأسرع وأغرب طريقة ممكنة، فهناك الكثيرون من البشر ينتظرون ولادتهم، مع كلّ خطوة يُخلق الملايين منهم، ليطيروا من تحت قدميك كالشّرارات إلى عوالم جديدة.
5- الضَّياع
يقول الأب: "لو انعطفتِ في الشّارع يمينًا كلّ مرّة، بدون أن تبتعدي عن الرّصيف، فسوف تعودين تلقائيًا إلى البيت".
تصرخ البنت: "لكن كيف يمكنكَ أن تعرف ذلك؟ إن صحّ الأمر ثلاث مرّات، فليس بالضّرورة أن يصحّ في الرّابعة، أليس كذلك؟ يمكن للأمور أن تتغيّر، كما تعلم"!
يقول الأب: "هذا صحيح، انعطفي أربع مرّات وستعودين إلى هذا الشّارع. انظري"!
يأخذ قطعة من الورق، يرسم مُربّعًا، ويبدأ في رسم أسهم حوله.
تبكي البنت: "كان الأمر كذلك البارحة، فهل اختبرتَه اليوم؟ ألم يتغيّر شيء حقًّا"؟
يقول الأب: "لا داعي لأن أختبر ذلك، هذه الأمور هي هكذا... ببساطة"؟
تُطرد البنت مع شقيقتها إلى الشّارع فوق دراجتيهما الثلاثيّتين. يصرخ الأب: "انعطفي أربع مرّات إلى اليمين"!
تنطلق الأخت مطيعة على درّاجتها نافخة أنفها، وتسير البنت على القدمين خوفًا من إحداث فوضى. قد ينجح الانعطاف أربع مرّات إلى اليمين إن كنت سائرًا، لكنها لم ترَ أبيها على دراجة ثلاثيّة العجلات أبدًا.
6- المخاط
هناك الجميلة الغبيّة والقبيحة الذّكية. هناك الشّابة اللطيفة والعجوز التي تمثّل أختًا غير شقيقة. بالطبع يمكن للبنت أن تختار مَن تكون، لكنّها الأكبر سنًا وليست جميلة أيضًا، لذا فإنّ خياراتها محدودة.
تنتهي الأمور دائمًا بشكل سيء مع الأخت الذّكية. الجميلة الغبيّة تصبح جميلة وذكية بفضل قبلة من أمير، لكن القبيحة تظلّ قبيحة وذكية بما يكفي لتدرك ذلك تمامًا.
يقول "الرّومانسي": "نحن قبيحون وأذكياء، نحن رائعون من الدّاخل، لكن لا أحد يكتشف ذلك أبدًا. نحن قبيحون لدرجة أنّ لا أحد يريد التّحدث إلينا. لكن الحيوانات تفعل. نتعلّم لغة الحيوانات وتأتي الطّيور لتجلس على أكتافنا. نعيش في غابةٍ ونُخرج الشّوكة من بين مخالب الأسد".
تلتفت البنت إلى "العجوز"، التي تتفهّم خوفها من الأسود.
يقول "الرّومانسي": "لا بأس. إذًا سنكون ببساطة تلك الجميلة. وعندما نبكي، نمسح أنوفنا بالملاءات، لأنّ هذا ما تفعله الأميرات الحقيقيّات، كما ورد في قصة ’روبرت مع تان تان’".
تقوم البنت بحكّ أنفها حتى ينزف، ثم تمسحه بالملاءات. وكعادتها، تُطلق ريحًا عدّة مرّات.
تقول "العجوز": أنتم مقرفون!
يقول "الرّومانسي": "نحن أميرة صغيرة تعيسة جدًا، وأنتِ، أنتِ الأخت غير الشقيقة"!
7 ــ الصّغر
تسأل "العجوز": "صغيرة لدرجة أنّكِ تستطيعين العيش في صندوق برتقال"؟
يقول "الرّومانسي": "أصغر من ذلك! صغيرة لدرجة أنّ غطاء المقلاة هذا يسعك. أنت تعيشين هنا وتركبين على ظهر خنفساء".
تضع البنت بعض الحصى والطّحالب في الغطاء المقلوب، وتقول متباهية وهي تشير إلى براعم الفاصوليا التي عثرت عليها تحت بلاطات الممرّ: "هنا يوجد ممرّ صغير. وهذه هنا، هذه غابة بيضاء مخيفة".
تقول "العجوز": "لا يجب أن يكون هنالك أي خطر! هنالك حافّة حول الغطاء. وخارجها يقع العالم الواسع. أمّا داخل الغطاء فهنالك حديقة. في حديقتنا لن يصيبك أي مكروه".
يسأل "الرّومانسي": "ولا حتى القتال مع العناكب"؟
ــ "ولا ديدان الأذن. ولا أشخاص كبار يصرخون في وجهك".
تقول البنت: "حين تكون صغيرًا هكذا، فلديك دائمًا ما يكفي من الطّعام".
يقول "الرّومانسي": "سآخذ كعكة بودينغ".
تقول "العجوز": "وأنا سآخذ واحدة من حلوى السّكر، يوجد فيها ثقب صغير سأستلقي داخله. وحين أشعر بالجوع، سألعق قليلًا فقط. لا أحتاج إلى فعل أي شيء على الإطلاق"!
يقول "الرّومانسي": "سأتسلّق الكعكة وأرقص في البودينغ. لكنّني سأكون عاريًا، لأنّني بعد الانتهاء من الرّقص سأقوم بلعق نفسي بالكامل"!
تقول البنت: "أعيش في علبة بسكويت مملوءة دائمًا. حين تمطر، تُسمع أصوات طقطقة، ولديَّ عصا أستطيع بها دفع الغطاء لفتحه. وإن حدث فيضان، أطفو هكذا داخل عُلبتي".
أمسكوا بسلطعون وأطلقوا سراحه في حديقة الغطاء.
يقول "الرّومانسي": "إنه فارس، لديه حصان اسمه البرق، له حوافر فضِّيّة".
تقول "العجوز": "حصاني اسمه الرّعد، وله حوافر ذهبيّة".
يقول "الرّومانسي": "حصاني غير مرئي، وله أجنحة".
تقول البنت: "لكنكَ كنت لا تزال صغيرًا! سأطرحك أرضًا في الحال، ثم سأغادر وأنا أدندن"!
تصرخ "العجوز": "هذا لُؤم"!
تقول البنت مسرعة: "ألأنني لم ألحظ ذلك! ألأنني لم أستطع منع نفسي؛ كنت فقط أمشي على العشب وأصفر قليلًا"!
يفكرون...
يصرخون جميعًا متعجّلين: "لقد عدتُ كبيرًا"!
8 ــ الارتفاع
حين ينام "الرّومانسي"، تتحوّل الزّلاجة إلى درج في مكان ما داخل برج، درج حجريّ يمتدّ حتّى النّجوم. تفكّر البنت: "الحياة هي المشي. تصعد وتهبط، وحين تتعب تصبح عجوزًا. وحين لا تستطيع المضي قدمًا، تموت".
تحاول "العجوز" أن تُضفي على الأمر طابعًا مُبهجًا: "المشي والتّحدث في آن واحد أمر ممتع، كنّا نسير هناك جميعًا. ونأخذ استراحة بين الحين والآخر لتناول الطعام. نُزهة على الدَّرج الحلزوني".
تقول البنت بحزن: "أنتِ لا تفهمين! لا يوجد أحد، لا شيء سوى ذلك الدَّرج. المكان مُعتم تمامًا، عليك أن تتحسَّسي طريقك. ستصابين برعب شديد إن صادفتِ أحدًا"!
تسأل "العجوز": "إذًا، هنالك أشخاص آخرون"؟
تقول البنت: "من حين إلى آخر يهبط شخص ما إلى الأسفل، لقد كان في الأعلى من قبل، ويعرف ما كان الأمر كلّه عليه، وقد رأى الإجابة في أعلى الدَّرج. لكنّنا ما زلنا نصعد ونحن أغبياء، لذا فإن مثل هذا الشخص لا يتحدث إلينا. والبقية يصعدون إلى أعلى، تحتنا وفوقنا، لكنّنا لا نراهم أبدًا، لأنهم يسيرون بسرعتنا نفسها. لذلك نعتقد أننا وحدنا تمامًا، أعني باستثناء تلك القلّة من الحكماء الذين لا يمكننا رؤيتهم. نشعر بملابسهم تحفّ جوارنا مرَّة كلّ ألف سنة، أو نحو ذلك، وربما نكون حينها مضطربين جدًّا من الصمت والصعود، لدرجة أننا نعتقد أن هنالك ساحرة تسير، أو فرس نهر، أو إله".
تسأل "العجوز": "لماذا لا ننزل ببساطة؟ نبتعد عن هنا، ونقف مرتاحين على الأرض"؟.
تقول البنت: "هذا مستحيل، نحن أحياء، لذا نصعد. على الأقلّ، إن كان أمر هذا الدَّرج صحيحًا".
ــ "وإن لم يكن صحيحًا"!
ــ "إذًا سنبقى هنا في السرير فحسب. عندها يكون ما نراه صحيحًا، وتكون هذه هي الحقيقة؛ الجدار، والكرسيّ الذي تغطّيه الملابس، والسّتائر السّوداء، والشّقيقات النائمات".
تقول "العجوز": "على أي حال، نحن نعرف الطّريق إلى هناك، علينا فقط السّير في اتّجاه واحد: إلى الأعلى. لا يمكننا أن نضلّ الطّريق هناك".
تقول البنت: "هذا هو الجميل في تلك السَّلالم".
يحدقّون متَّحدين نحو السّقف. يصمتون ويصعدون...
يصمتون ويصعدون.
9 ــ الشَّوق
يقول "الرّومانسي": "علينا التوقّف عن القلق". ينحني، ينتزع قصبة عشب من بين بلاطات الرّصيف ويضعها بين شفتيه: "علينا تعلّم القفز بخفّة، وارتداء القلائد، وأن نصبح مثل تلك الفتاة ذات الضّفائر الذّهبية وحقيبة صغيرة بها أحمر شفاه ومصروف جيب".سأل "العجوز": "كيف نفعل ذلك"؟
يقول "الرّومانسي": "أعتقد أن تشي جيفارا، على سبيل المثال، يشبه يسوع. تلك العيون الجميلة والشَّعر الجميل، لو نظرتُ إليه لفترة كافية أصبحُ متأكّدًا من أنه إله. لذا فكّرت أن علينا أن نصلّي له. والشقيقات أيضًا بالمناسبة؛ يجب أن نجثو جميعًا في ثياب النّوم الخاصة بنا في صفّ واحد، قبل أن نخلد للنّوم بالطّبع. ثياب النّوم هذه مهمّة، وإلّا فلن يرى أنّنا فتيّات".
تُخرج "العجوز" لسانها جانبًا وتسأل: "وهل يسمح لنا أن نُطيل شعورَنا"؟.
يقول "الرّومانسي": "بالتأكيد! لقد حان الوقت لنتمكّن من مصّ أطراف شعورَنا كفتيات حقيقيّات، ربما حينها يصبح الناس ألطف معنا! كلّ الفتيات الحقيقيّات يفعلن ذلك! ربما نحصل حتى على تموّجات أكثر في شعورنا! عندها سأقطع سروالًا داخليًّا قديمًا ونلوّنه بأقلام التلوين، ثم نضعه في شعورنا على شكل فيونكة"!
تقول البنت: "لكن لو كان تشي جيفارا قديسًا، فلماذا يظهر على ملصق ممزّق كهذا؟ أعني، هكذا في الممرّ؟ أليس هذا حرامًا"؟.
يقول "الرّومانسي": "لا أحد يعرف بعد! نحن فقط من نعرف، ومنذ وقت قصير جدًّا، منذ بضع ثوانٍ فقط! وهذا أمر جيّد، لأنه سيسمعنا جيدًا حين نصلِّي، وبذلك سنحصل بالتأكيد على شعورٍ طويلة"!
جلسوا على ركبهم سرًّا في الممرّ مع جميع الشقيقات في تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي كانت شعورهم أطول قليلًا بالفعل.
10 ــ البيع
حصلن على بالونات. قام "الرّومانسي" بنفخها وتولّت "العجوز" ربطها بالخيوط. قالت البنت للشقيقات وهي توزّع البالونات: "سنربح المال"!
يقول "الرّومانسي" راكعًا جوار الأخت الصغرى وهو يفك أربطة حذائها: "ولأننا فقراء... اخلعي عنك هذه الأشياء، ضعيها في جيب معطفك. الأطفال الفقراء لا يملكون أحذية".
يخلعون أحذيتهم جميعًا.
يقول "الرّومانسي": "وهذه المعاطف أيضًا، لا تصلح، إنها عادية جدًّا، يجب قلبها على ظهورها".
تحمل البنت قصاصة مكتوب عليها "بالونات... 25 سنتًا". يقفون جميعًا عند ناصية الشّارع مرتجفين من البرد.
تقول إحدى الشّقيقات: "أنا جائعة"!
يقول "الرّومانسي": "هذا هو المطلوب".
تسأل "العجوز": "وماذا لو جاء غريب يريد أخذنا معه؟ نبدو وكأنّنا لا ننتمي إلى أحد"!
يقول "الرّومانسي": "ربما يكونُ ملكًا فقد جميع أطفاله، ماتوا جميعًا، والآن يبحث عن أطفال جدد. لو ذهبنا معه، فسنتناول كعك البودينغ حتى نمتلئ. ونحصل على درّاجات وأطباق من الذّهب"!
يقترب شخص غريب.
تقول البنت: "ها هو ذا"!
تقول "العجوز": "هذا ليس شخصًا غريبًا، إنه رجل مخيف".
يحدّق الرّجل المخيف فيهم ويرفع حاجبيه.
تهمس "العجوز": "أريد الذّهاب إلى الحمّام".
يقرأ الرّجل المخيف الملاحظة.
تهمس "العجوز": "لقد لعبنا في الخارج لساعات، منذ وقت طويل وأنا أريد الذّهاب إلى الحمّام"!
يدور الرّجل المخيف حولهم دورة كاملة.
تجهش "العجوز" بالبكاء: "الآن تبوّلت في سروالي".
يركضون جميعًا هاربين.
الأم ليست غاضبة. يتعيّن على "العجوز" خلع ملابسها. لتجلس بعدها ــ مرتدية سروالًا داخليًّا نظيفًا ولا شيء غيره ــ في حضن رجل سمين. لقد أحضر زهورًا للأم وهو بارون.
تفكّر "العجوز": "البارون يكاد يكون مَلِكًا، لكن كيف نميّزه عن رجل مخيف"؟.
يجلس "الرّومانسي" والبنت في زاوية، ينظران بكراهية إلى العالم.
11 ــ الغريب
تقول البنت للشقيقات: "من تستطيع إبقاء ساقيها مرفوعتين لأطول فترة".
يرفعن جميعًا أرجلهنّ.
تقول البنت للأخت الوسطى: "هنالك مشكلة صغيرة، الذئب الراقد عندكِ على طرف السرير الآن! أرى عينيه الخضراوين المزيّفتين تلمعان عند ثني ركبتيكِ، إنه على وشك أن...".
أنزلت الأخت الوسطى ساقيها في ذعر وصرخت: "لا، إنه عندك، إنه عندك"!
قالت البنت: "أنا قلتُ "الذئب" أوّلًا، إنه حيث أريده أن يكون"!
قالت "العجوز": "لا تحبّ أمّي أن نفعل هذا، لنفترض أنها دخلت، ونحن مستلقون هنا نتعرّض للبرد. في البداية ستبكي شفقة علينا، ثم ستصرخ لأنّنا من المفترض أن نكون نائمين، ثم ستضربنا لأنّنا نستحقّ العقاب. وهي تجد ذلك مؤسفًا، وهكذا نكون أفسدنا مساءها"!
تخبّئ الأخت الصّغرى ساقيها تحت الملاءات.
يقول "الرّومانسي" للأخت الوحيدة المتبقيّة: "هذه المسابقة محض خيال. لقد نزلتُ للتوّ من سفينتي الفضائية أيتها الغريبة، وقمتُ بالتّلاعب قليلًا بعقلِك. أنتِ الآن تعتقدين أنّني شقيقتكِ، وأنكِ تعرفينني منذ زمن طويل. لكن هذا ليس صحيحًا! لم تريني في حياتكِ قط؛ لقد وصلتُ للتوّ. وبينما نحن مستلقيان هنا، أدرسكِ وأعبث بعقلكِ، ترقدين وساقيكِ مرفوعتان لأنّني أريد ذلك. كل ما أريده يحدث؛ أنا جبّار"!
بدأت الأخت بالبكاء، نزلت عن السّرير وركضت إلى الممرّ.
تستلقي البنت ضاحكة وهي تعبث بأنفها، مُبقية ساقيها مرفوعتين للحظة.
12 ــ التّفكير
تتجوّلين في الغرفة وتشيرين إلى الأشياء. "طاولة، صحن، كرسي، صورة، مقصّ".
تنظرين إلى المطر يتساقط على زجاج النّافذة. تحاولين تذكّر القطرات.
"الآن، الآن، الآن"، تقولين، لكن القطرات تتساقط بسرعة كبيرة؛ ينقضى "الآن" الخاص بها بالفعل قبل نطقك به.
تفكّرين أنّ القطرات بشر، شابة حين تكون في الأعلى؛ عجوز حين تصل إلى أسفل. تنظرين إلى القطرات الموجودة على حافّة النّافذة؛ قطرات مسكينة. أتدرك أنها ستموت؟
تنظرين كيف تتساقط الأمطار على الشّارع. مع كلّ قطرة تقفز قوارب شراعية صغيرة فوق الماء. كثير من القوارب الشّراعية التي لا تدوم أكثر من غمضة عين. تفكّرين: "تعتقد أنها في طريقها إلى مكان ما". قوارب تظهر فجأة مؤمنة بأنها موجودة منذ الأزل، ثم ينتهي الأمر، لا تفكر في شيء بعد ذلك.
تنظرين إلى القوارب وتفكّرين: "أنا أفكر "أنا"! "أناي" يفكّر برأسي!
تفكّرين: أنا هذا الرّأس!
13 ــ الموت
إنهم هياكل عظمية. تمّ دفنهم مع أبيهم في جدار الحديقة. عندما انهار الجدار، تدحرجت الجمجمة إلى الخارج. التقطتها الأم. وقالت: "أنتِ جميلة"!
الجمجمة زرقاء. وعلى جدارها الدّاخلي خرائط مرسومة.
تقول الأم: "أنتِ أحلى طفلة في العالم".
تفرح الجمجمة، لأن أمّها تحبّها.
تقول الأم: "لا أستطيع العيش بدونكِ، أقرأ الطريق فيكِ".
تحزن الجمجمة، لأنّها ميّتة. لا تستطيع الرّد.
ضفّة ثالثة
9/15 سبتمبر 2026 See less