هدى حجاجي أحمد - (البنطلون)... حين يترك الطفولة جرحًا لا يمحوه الزمن.. قراءة نقدية في قصة «البنطلون» للدكتور عايدي علي جمعة

ليست كل الحوادث التي تمر في طفولتنا مجرد ذكريات عابرة تطويها الأيام، فبعضها يظل محفورًا في الجسد والذاكرة، يستيقظ كلما مررنا بتفصيل صغير يعيدنا إلى لحظة قديمة، كأن الزمن لم يتحرك من مكانه. وفي قصته «البنطلون»، من مجموعته السردية «جنية الحقول»، المنشورة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، يستدعي الدكتور عايدي علي جمعة حادثة من طفولته، ليمنحنا نصًّا يتجاوز ظاهر الحكاية إلى دلالات أعمق تتصل بالذاكرة، وعفوية الطفولة، وقسوة المصادفة، والأثر الذي تتركه التجارب الأولى في حياة الإنسان.

منذ العنوان، يضعنا الكاتب أمام مفردة يومية شديدة البساطة، لا تحمل في ظاهرها ما يدعو إلى التوجس أو التأويل. فالبنطلون قطعة ملابس عادية، لكن السرد يمنحه تدريجيًّا قيمة رمزية، حتى يصبح محور الحادثة وسببًا في انكشاف هشاشة الطفل أمام عالم لا يدرك مخاطره. وهذه إحدى سمات السرد الواقعي الناجح؛ أن ينطلق من شيء مألوف، ثم يكشف ما يختبئ وراءه من دلالات إنسانية، دون أن يحمّله منذ البداية معاني مصطنعة أو يثقل الحكاية بتفسيرات مباشرة.



يفتتح الكاتب قصته بقدوم الخالة من الإسكندرية إلى القرية، حاملةً للطفل بنطلونًا «متينًا جدًا». تبدو العبارة في البداية تفصيلًا عابرًا من تفاصيل الحياة الأسرية، لكنها تكتسب أهميتها مع تقدم الأحداث؛ فالمتانة التي تبدو ميزة في الثوب تتحول، على نحو مفارق، إلى جزء من المشهد الذي ينتهي بتمزقه وتمزق جلد الطفل تحته. وهنا تتجلى المفارقة السردية بين ما نتوقعه من الأشياء وما قد تنتهي إليه في الواقع؛ فليس كل ما يبدو قويًّا قادرًا على حماية صاحبه، وليست كل تفاصيل الحياة الصغيرة خالية من احتمالات الخطر.

ويأخذنا الكاتب بعد ذلك إلى فضاء القرية، حيث يسير الطفل خلف أبيه إلى الحقل، يقفز مرة، ويمشي ببطء مرة أخرى، ويطارد فراشة في مرة ثالثة. إن هذه التفاصيل ليست حشوًا حكائيًّا، بل تؤدي وظيفة مهمة في بناء الشخصية ورسم عالمها النفسي. فالطفل يتحرك بعفوية كاملة، لا يحمل همًّا ولا يتوقع خطرًا، ويستقبل العالم من حوله بوصفه مساحة للعب والاكتشاف. ومن خلال تنويع حركاته، ينجح السارد في نقل إيقاع الطفولة ذاته؛ إيقاع لا يعرف الثبات، ولا يستقر طويلًا عند فعل واحد، بل ينتقل من فضول إلى آخر مدفوعًا ببهجة الاكتشاف.

وتتسع اللوحة السردية حين يصف الكاتب حافة المصرف وأشجار اللبلاب والحقول الممتدة والنبات الأخضر والماشية المنتشرة في الطرقات. نحن هنا أمام ذاكرة مكانية غنية بالتفاصيل، لا تستعيد القرية باعتبارها خلفية جامدة للأحداث، وإنما تعيد بناءها باعتبارها عالمًا حيًّا تتداخل فيه الطبيعة والعمل اليومي وحركة الإنسان. وتبدو هذه المشاهد وكأنها تنتمي إلى زمن أكثر هدوءًا، تتحدد علاقات الناس فيه بالأرض، وتتكرر تفاصيل الحياة حتى تصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية لأبناء الريف.

وتكمن أهمية هذا الاستهلال في أنه يمنح القارئ إحساسًا بالأمان والسكينة، قبل أن ينقلب المشهد فجأة. فالطبيعة التي تبدو وديعة، والطفل الذي ينشغل بلهوه، والأب الذي يؤدي عمله في الحقل، كلها عناصر تهيئنا لتلقي حادثة لا نتوقعها. وهكذا يبني الكاتب المفارقة بين هدوء البداية وعنف النهاية، ويجعل التحول المفاجئ أكثر تأثيرًا في نفس المتلقي.

ومن أجمل مشاهد القصة ذلك المشهد الذي يجلس فيه الطفل على الحوض الأسمنتي، يرسل قدميه الصغيرتين في الماء، ويحركهما فيتطاير الماء يمينًا ويسارًا، ثم يرفع عينيه إلى السحاب الأبيض المتشكل في السماء. إنها لحظة مكتملة من لحظات البراءة؛ طفل يكتشف العالم بحواسه، ويصنع من الماء لعبة، ومن السماء نافذة للخيال، ومن الطبيعة رفيقًا لا يحتاج معه إلى كلمات.

ويمنح الكاتب هذه اللحظة بعدًا جماليًّا إضافيًّا حين يستحضر شجرة الجميزة العجوز، التي تستقبل أشعة الشمس وتلقي بظلالها على جسد الطفل. وتتجاوز الصورة هنا حدود الوصف الخارجي إلى بناء إحساس بالحميمية بين الطفل ومحيطه. فالشجرة تبدو كأنها كائن يشاركه لحظته، وتمنحه ظلالها في صباح تتفتح فيه الحياة على اتساعها.

غير أن هذه الصورة الهادئة تكتسب، بعد وقوع الحادثة، دلالة مغايرة؛ إذ تصبح جزءًا من ذاكرة لحظة انقطعت فيها براءة المشهد فجأة. وهنا تظهر قدرة التفاصيل الحسية على أداء وظيفة استباقية في الوعي القرائي، حتى إن لم يقصد الكاتب أن يجعلها رموزًا مباشرة. فالماء الذي كان مصدرًا للمتعة يتحول إلى عنصر داخل مشهد الخطر، والمكان الذي بدا آمنًا يصبح شاهدًا على الألم.

ثم تأتي نقطة التحول الحاسمة حين يعلق رأس مسمار من مسامير حلة الطمبوشة بالبنطلون، لتبدأ مواجهة غير متكافئة بين جسد الطفل الصغير والحركة الميكانيكية التي لا تدرك خوفه ولا تستجيب لصراخه. هنا يختفي إيقاع اللعب، ويحل محله إيقاع الرعب والعجز. فالطفل لا يملك المعرفة التي تمكنه من تقدير الخطر قبل وقوعه، ولا القوة التي تساعده على الإفلات منه، ولا حتى القدرة على استدعاء النجدة في الوقت المناسب.

وتكمن قسوة المشهد في بساطته الواقعية؛ فلا توجد مؤامرة، ولا خصم يتعمد إيذاء الطفل، ولا حدث خارق يقلب حياته. هناك مسمار، وقطعة ملابس، وآلة تدور، وطفل كان يلهو قبل لحظات. ومن هذا التداخل بين عناصر عادية ينشأ خطر بالغ، فيكشف الكاتب عن حقيقة مؤلمة من حقائق الحياة: أن المأساة قد تتسلل إلى أكثر اللحظات ألفة، وأن الإنسان ليس دائمًا قادرًا على توقع ما يهدد سلامته.

أما صراخ الطفل الذي لا يسمعه أحد، فيضيف إلى المشهد بعدًا نفسيًّا مؤثرًا. فالألم الجسدي هنا يتضاعف بفعل العزلة؛ الطفل يتألم ويصرخ، لكن العالم من حوله لا يستجيب في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الاستجابة. وهذه الصورة تستدعي معنى العجز الإنساني في مواجهة الخطر، حين تصبح المسافة بين الاستغاثة والنجدة هي المسافة الفاصلة بين القدرة على النجاة والانغماس في الألم.

ولا يحتاج الكاتب إلى إطالة المشهد بوصف تفصيلي مبالغ فيه حتى ينقل فداحته؛ إذ تكفي حركة الآلة، وتعلق البنطلون، وصراخ الطفل، ثم الدماء التي تسيل من ساقيه. وهذه المباشرة تمنح الحدث قوته، لأن القارئ يواجه الواقعة دون حواجز بلاغية كثيفة تخفف وقعها أو تصرف الانتباه عنها.

وتتعمق دلالة القصة في اللحظة التي يعود فيها الطفل إلى أبيه في الحقل، وقد فقد البنطلون الذي كان يعتز بمتانته، وظهرت آثار الدماء على ساقيه. إن هذه العودة ليست مجرد انتقال مكاني من الطمبوشة إلى الحقل، بل هي عودة من عالم اللعب إلى عالم الألم، ومن حالة الاستغراق في اكتشاف الطبيعة إلى مواجهة حقيقة الجسد القابل للإصابة.

ويظل حضور الأب مهمًّا في بنية الحكاية، حتى مع غيابه عن لحظة الحادثة نفسها. فقد خرج الطفل إلى الحقل خلف أبيه، ثم تركه الأب يلعب حول الطمبوشة بينما انشغل بري الأرض. ولا يقدم النص ما يسمح باتهام الأب بالتقصير المتعمد؛ فهو يؤدي عملًا يوميًّا مألوفًا، والطفل يتحرك في فضاء اعتاد وجوده فيه. ومن هنا تظل الحادثة محكومة بمنطق المصادفة والخطر غير المتوقع، لا بمنطق اللوم المباشر.

وهذا الاختيار السردي يحفظ للنص واقعيته؛ إذ لا يبحث الكاتب عن مذنب بقدر ما يستعيد ما حدث، ويترك للقارئ مساحة لتأمل هشاشة الطفولة، وحدود الحماية التي يستطيع الكبار توفيرها، مهما كانت محبتهم لأبنائهم.

لكن الضربة الأكثر تأثيرًا تأتي في الخاتمة: «مر الموقف، لكن مازالت آثار تلك الحادثة بارزة فى ساقى حتى الآن».

إنها جملة قصيرة، لكنها تحمل ثقل الزمن كله. فالحادثة انتهت من الناحية الزمنية، وعاد الطفل إلى حياته، ومضت الأيام والسنوات، إلا أن الجسد احتفظ بما وقع. ومن خلال هذا التناقض بين انقضاء الحدث وبقاء أثره، ينجح الكاتب في نقل القصة من حدود الواقعة الشخصية إلى معنى إنساني أوسع: ليست كل الأحداث قابلة للنسيان بمجرد انتهائها، فبعضها يترك علامة مادية تظل شاهدة على لحظة لم يعد بالإمكان استعادتها أو تغيير نتائجها.

وتتجاوز الندبة هنا وظيفتها الجسدية لتصبح وثيقة من وثائق الذاكرة؛ إنها دليل صامت على أن الطفل الذي كان يلهو بالماء والسحاب لم يعد، بعد تلك اللحظة، مطابقًا تمامًا للطفل الذي كان قبلها. وقد لا يقدم الكاتب وصفًا نفسيًّا مطولًا لما تركته الحادثة في داخله، لكن الأثر الجسدي يمنح الذاكرة نقطة ارتكاز ملموسة، تعود إليها الحكاية كلما استدعاها الزمن.

ومن الناحية الفنية، تعتمد القصة على ضمير المتكلم، وهو اختيار ينسجم مع طبيعتها الاستعادية؛ فالكاتب لا يقدم حكاية سمعها من الآخرين، بل يستعيد تجربة عاشها بنفسه. وهذا يمنح السرد درجة من الحميمية، ويجعل القارئ أقرب إلى الوعي الذي يرى العالم من منظور الطفل، ثم يعيد تأمله من مسافة الزمن.

كما تقوم القصة على بنية واضحة تتدرج من التمهيد المكاني والشخصي، إلى لحظة اللعب، ثم الحادثة المفاجئة، وصولًا إلى الخاتمة التي تربط الماضي بالحاضر. وهذه البنية التقليدية في ظاهرها تؤدي وظيفتها بكفاءة، لأن قوة النص لا تعتمد على تعقيد الحبكة أو تعدد الشخصيات، بل على التحول الذي يحدث داخل موقف يومي بسيط، وعلى المفارقة بين قصر زمن الحادثة وطول عمر أثرها.

أما اللغة، فتتراوح بين السرد المباشر الذي ينقل الحركة والحدث، والوصف الحسي الذي يرسم ملامح الطبيعة. وتمنح التفاصيل الريفية القصة خصوصيتها، بينما تضفي صور الماء والسحاب والجميزة دفئًا على المشهد قبل انكساره. ويمكن القول إن النص يستمد جانبًا كبيرًا من تأثيره من صدق الحكاية ووضوحها، لا من الزخرفة اللغوية أو المبالغة في الانفعال.

ومع ذلك، فإن بعض الجمل الوصفية يمكن أن تستفيد من مزيد من الضبط اللغوي والتكثيف، بما يحقق انسيابًا أكبر بين الصور، ويمنح لحظة الانتقال من الهدوء إلى الخطر إيقاعًا أكثر إحكامًا. كما أن العلاقة بين وصف الطبيعة والحادثة يمكن أن تُقرأ بوصفها مفارقة فنية ناجحة، لكن زيادة الوعي بتوزيع التفاصيل داخل المشهد قد تجعل هذا التحول أكثر تماسكًا وتأثيرًا.

ولا تنتقص هذه الملاحظات من القيمة الإنسانية للقصة، بل تفتح مجالًا للنظر في كيفية تحويل الذاكرة الشخصية إلى بناء فني أكثر إحكامًا. فالتجربة الصادقة هي المادة الأولى للأدب، أما الصياغة الفنية فهي التي تمنحها القدرة على تجاوز حدود صاحبها والوصول إلى تجارب الآخرين.

وفي المحصلة، فإن «البنطلون» ليست حكاية عن ثوب تمزق في حادثة مؤلمة فحسب، بل حكاية عن طفل اصطدم، في لحظة خاطفة، بوجه آخر للحياة؛ وجه لا يشبه صفاء الصباح ولا اتساع الحقول ولا براءة اللعب بالماء. لقد استطاع الدكتور عايدي علي جمعة أن يستعيد حادثة من طفولته، وأن يجعل من أثرها الجسدي مدخلًا للتأمل في العلاقة بين الجسد والذاكرة، وبين ما ينتهي في الزمن وما يظل عالقًا في الإنسان.

وربما تكمن القيمة الأعمق في هذه القصة في أن العلامة التي بقيت على ساق الكاتب لم تعد تخصه وحده بعد أن تحولت إلى نص؛ فقد أصبحت جزءًا من ذاكرة القارئ أيضًا، واستحالت الندبة الشخصية حكاية إنسانية قابلة للتأمل والتعاطف. وهنا تتجلى وظيفة الأدب في أصدق صورها: أن يأخذ تفصيلًا صغيرًا من حياة فرد، ثم يمنحه لغةً تسمح للآخرين بأن يروا فيه شيئًا من حياتهم، وأن يدركوا أن بعض الجراح لا تحتاج إلى أن تكون عظيمة في حجمها حتى تظل حاضرة في الذاكرة طويلًا.

فالأشياء قد تتمزق، والحوادث قد تنقضي، والطفولة قد تصبح ماضيًا بعيدًا، لكن بعض اللحظات تظل محفورة فينا، تذكّرنا بأن الزمن يمضي، بينما لا يمضي كل ما يتركه في أرواحنا وأجسادنا.

بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر





النص

البنطلون

حين جاءت خالتى من مدينة الإسكندرية إلى قريتنا جلبت لى معها بنطلونا متينا جدا، وكنت دائما أرتدى هذا البنطلون المتين وأتبع أبى إلى حقلنا القريب من القرية، فجأة أقفز على الطريق، ومرة أسير ببطء، وفى مرة أخرى أطارد فراشة، وهكذا.
كنت أسير خلف أبى على حافة المصرف الملئ بأشجار اللبلاب، مستمتعا بجو الصباح الساحر بين الحقول، والنبات الأخضر الذى يمتد لمسافات بعيدة، وقد انتثرت على الطرقات بين الحقول الماشية ذات الصوت المبهج.
وفى إحدى المرات كانت جاموستنا تدور فى الطمبوشة لكى تخرج الماء من الترعة، فيسير فى قناة صغيرة مارا بثلاثة حقول لعم أبى وابن عمه وأحد الجيران حتى يصل إلى أرضنا.
تركنى أبى ألعب حول الطمبوشة، وذهب ليروى أرضنا. أعجبنى جدا منظر الماء وصوته وهو خارج من الطمبوشة مباشرة، فجلست على الحوض الأسمنتى ، وأرسلت قدمىّ الصغيرتين فى الماء ، وأنا أهزهما ، فيتصاعد الماء من ضربات قدمىّ يمينا ويسارا، ثم أنظر إلى الفضاء فأجد قطع السحاب البيضاء، وهى تأخذ أشكالا متنوعة فى عليائها، كانت الجميزة العجوز على حافة الترعة تستقبل أشعة الشمس الهامسة، وتهمس بالحب الناعم لقطرات الندى التى كللتها، وتلقى على جسدى الصغير ظلالها وهمساتها، وتفرج لى عن بعض حزم ضوء الشمس المتفائلة بهذا الصباح.
وفجأة أمسك رأس مسمار متين من مسامير حلة الطمبوشة فى بنطلونى الشديد المتانة، ودار صراع رهيب بينى وبين دورة حلة الطمبوشة، وأنا أصرخ بصوتى الطفولى ولا يسمعنى أحد، حتى تمزق البنطلون تماما ، وأصيبت ساقى بجراحات بالغة، وجعلت الدماء تتساقط منى وتمضى مع الماء الذى يروى حقلنا.
ذهبت إلى أبى فى الحقل بغير البنطلون المتين، وآثار الدماء على ساقى.
مر الموقف، لكن مازالت آثار تلك الحادثة بارزة فى ساقى حتى الآن.

من مجموعتي السردية "جنية الحقول" المنشورة بالهيئة العامة لقصور الثقافة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...