د. حسين عبدالبصير - إيزابيل ألليندي وأنا.. حين تقودني الآثار إلى حكايات الإنسان

لم أكن يومًا أرى التاريخ مجرد ماضٍ انتهى، ولا الآثار مجرد حجارة صمدت في وجه الزمن. ربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي خرجت به من رحلتي مع علم المصريات، من دراستي في جامعة القاهرة، إلى سنوات الدراسة والبحث في جامعة جونز هوبكنز، ثم عملي بين المتاحف والمواقع الأثرية المصرية. ففي كل محطة من هذه الرحلة، كنت أقترب من الماضي، لكنني كنت أكتشف، في الوقت نفسه، أن السؤال الحقيقي يتعلق بالإنسان الذي صنع هذا الماضي، وبما بقي منه في حياتنا اليوم.

لهذا أجدني، وأنا أقرأ أعمال الروائية التشيلية إيزابيل ألليندي، لا أتعامل معها باعتبارها كاتبة بعيدة عن عالمي، بل أجد في تجربتها صدى لأسئلة رافقتني طويلًا في عملي وكتابتي: كيف نحفظ الذاكرة؟ وكيف نستعيد أصوات الذين غابوا؟ وهل يكفي أن نعرف ما حدث، أم أننا نحتاج أيضًا إلى أن نفهم كيف عاش الناس أحداث التاريخ، وكيف تركت فيهم أثرها؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن عالم ألليندي، بما يحمله من تاريخ تشيلي وصراعاتها السياسية والاجتماعية، بعيد عن عالم الآثار المصرية التي تشغل جانبًا كبيرًا من حياتي. لكنني أعتقد أن المسافة بين العالمين ليست كبيرة كما تبدو. فالتاريخ، في جوهره، ليس ملكًا لحضارة بعينها؛ إنه تجربة الإنسان في مواجهة الزمن والسلطة والفقد والأمل. تختلف الوقائع من مكان إلى آخر، لكن الأسئلة الكبرى تظل قادرة على عبور الحدود.

في عملي بالآثار، تعلمت أن الحجر قد يعيش آلاف السنين، بينما تضيع حكاية الإنسان الذي وضعه في مكانه. نستطيع أن ندرس معبدًا، ونحلل نقوشه، ونفهم سياقه الديني والسياسي، لكننا نحتاج إلى مزيد من التأمل كي نقترب من حياة الذين شاركوا في بنائه، ومن مخاوفهم وأحلامهم وعلاقاتهم بأسرهم ومجتمعهم. وهنا أجد للأدب قيمة خاصة؛ فهو لا ينافس علم الآثار في منهجه، ولا يحل محل الدليل التاريخي، لكنه يفتح أمامنا بابًا آخر لفهم الإنسان.

وهذه واحدة من القناعات التي ترسخت لديّ عبر سنوات البحث والعمل المتحفي: أن المتحف لا ينبغي أن يكون مكانًا لعرض القطع الأثرية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل مساحة لاستعادة التجربة الإنسانية التي تقف وراءها. فالقطعة الأثرية ليست شيئًا منفصلًا عن الحياة، وإنما أثر لحياة كانت هنا ذات يوم. وكلما نجحنا في إعادة وصل القطعة بسياقها الإنساني، أصبحنا أكثر قدرة على جعل الماضي مفهومًا وقريبًا من الناس.

ربما لهذا السبب توقفت طويلًا أمام «بيت الأرواح»، الرواية التي صنعت جانبًا مهمًا من حضور ألليندي الأدبي. فالبيت في هذا العمل ليس مجرد مكان تسكنه الشخصيات، بل ذاكرة عائلية تتراكم فيها التجارب، وتنتقل عبر الأجيال، وتتشابك فيها الحكايات الخاصة مع التحولات الكبرى التي يشهدها الوطن.

هذا المعنى قريب مني؛ فقد جعلني عملي مع آثار مصر ومدنها التاريخية أكثر انتباهًا إلى ذاكرة المكان. حين أتأمل آثار الإسكندرية، أو أقف أمام أهرامات الجيزة، أو أعمل على تقديم التراث المصري للزوار والباحثين، لا أرى الماضي بوصفه مشهدًا منفصلًا عن الحاضر. أراه جزءًا من علاقة مستمرة بين الإنسان والمكان، علاقة تتغير أشكالها، لكنها لا تنقطع بسهولة.

ومع ذلك، لا أريد أن أكتفي بالمقارنة بين الرواية والأثر. ما يشغلني أكثر هو السؤال الذي تطرحه هذه المقارنة على تجربتي الشخصية: كيف يمكنني، بوصفي عالم آثار وكاتبًا مهتمًا بالتاريخ والحضارة، أن أقترب من الإنسان الذي تقف خلفه الشواهد؟ وكيف أستطيع أن أجعل المعرفة بالتاريخ بداية للتأمل، لا نهاية له؟

لقد قادتني دراستي للحضارة المصرية القديمة إلى عوالم الملوك والآلهة والطقوس والموت والخلود والعدالة. لكن هذه الموضوعات لم تبق بالنسبة إليّ مسائل تخص الماضي وحده. فكلما تعمقت في فهم المصري القديم، وجدت نفسي أطرح أسئلة معاصرة: ماذا يعني أن يعيش الإنسان حياة عادلة؟ ولماذا يبحث عن الخلود؟ وكيف يحاول أن يمنح وجوده معنى يتجاوز حدود عمره؟ إنها أسئلة تبدأ من التاريخ، لكنها لا تنتهي عنده.

ومن هنا يأتي اهتمامي بالانتقال من دراسة الآثار إلى التأمل في فلسفة الإنسان. لا أقصد أن أتخلى عن المنهج العلمي أو أن أستبدل المعرفة بالانطباع، بل أن أستفيد من المعرفة التاريخية في طرح أسئلة أوسع عن الحياة والهوية والذاكرة والمصير. وأجد أن الأدب، في تجارب مثل تجربة ألليندي، يساعدني على الاقتراب من هذه المساحة التي يلتقي فيها التاريخ بالفكر، وتتحول فيها الحكاية إلى وسيلة لفهم الإنسان.

وتزداد هذه الصلة وضوحًا حين أتابع معالجة ألليندي لآثار العنف السياسي، وعودتها إلى عالم «بيت الأرواح» وشخصية ألبا تروبيا في روايتها «الساعة التي تسبق الفجر»، حيث تستعيد ذاكرة تشيلي في ظل دكتاتورية أوغستو بينوشيه. فهنا لا يعود الماضي مجرد زمن انقضى، بل يصبح تجربة تستمر آثارها داخل الأفراد والعائلات، حتى بعد أن تتغير الظروف التي صنعتها.

وهذا ما يجعلني أفكر في مسؤولية المؤرخ والروائي معًا. فالمؤرخ مطالب بأن يقترب من الوقائع بأمانة، وأن يميز بين الدليل والتفسير، بينما يحاول الروائي أن يمنح التجربة الإنسانية شكلًا فنيًا يجعلنا نقترب من مشاعر الشخصيات وأسئلتها. وحين يلتقي المساران، من دون أن يذوب أحدهما في الآخر، تصبح لدينا فرصة لفهم الماضي من زوايا متعددة.

وفي مصر، أرى أن أمامنا مجالًا واسعًا لهذا النوع من التفكير. فنحن نملك تراثًا أثريًا استثنائيًا، لكن ذاكرتنا لا تختصرها المعابد والمقابر الملكية. هناك تاريخ البيوت القديمة، وحكايات المدن، وتجارب الناس الذين عاشوا التحولات السياسية والاجتماعية، وذاكرة النساء التي لم تأخذ دائمًا حقها في السرد التاريخي. وهذه كلها مساحات تستحق أن يقترب منها الباحث والكاتب والفنان، كلٌّ بأدواته.

وأنا لا أقول ذلك من موقع الإعجاب بأدب ألليندي وحده، بل من واقع انشغالي المستمر بكيفية تقديم الحضارة المصرية للناس. فقد أصبحت مقتنعًا بأن حماية التراث لا تكتمل بمجرد ترميم الأثر أو حفظه داخل المتحف. علينا أيضًا أن نجعل الناس يشعرون بأن هذا التراث يخصهم، وأن يفهموا الصلة بينه وبين حياتهم وأسئلتهم وهويتهم. ولهذا أجدني مهتمًا بتطوير طرق تقديم التراث، والاستفادة من التكنولوجيا والوسائط الرقمية في إعادة بناء التجارب التاريخية، من دون أن نفقد العنصر الإنساني الذي يمنحها معناها.

لكن التكنولوجيا، مهما تطورت، لا تستطيع وحدها أن تصنع علاقة حقيقية بالماضي. إنها تمنحنا وسائل جديدة للرؤية والتفاعل، أما المعنى فيحتاج إلى معرفة وحساسية وقدرة على بناء الحكاية. وهنا أعود مرة أخرى إلى الأدب؛ فالرواية الجيدة تستطيع أن تجعل القارئ يشعر بقرب زمن لم يعشه، وأن يرى في تجربة شخص آخر شيئًا من تجربته الخاصة.

ولعل هذا هو أحد أسباب اهتمامي بالكتابة إلى جانب عملي العلمي. فالكتابة تمنحني مساحة أطرح فيها الأسئلة التي لا تتسع لها دائمًا لغة البحث الأكاديمي وحدها. لا أتخلى فيها عن معرفتي بالتاريخ، لكنني أحاول أن أفتح لها طريقًا إلى القارئ، وأن أصل بين الماضي والحاضر، وبين الحضارة والإنسان، وبين ما نعرفه وما لا يزال يستحق أن نتأمله.

إن تجربة ألليندي تذكرني بأن الكاتب لا يحتاج إلى أن يتخلى عن خصوصية وطنه كي يصل إلى العالم. لقد كتبت عن تشيلي، وعن عائلاتها وذاكرتها وصراعاتها، واستطاعت أن تجعل حكاياتها مفهومة ومؤثرة لدى قراء من ثقافات مختلفة. وهذا درس مهم بالنسبة إلينا في مصر: أن العالمية لا تبدأ من الابتعاد عن الذات، وإنما من فهمها بعمق والكتابة عنها بصدق.

ولذلك فإنني، حين أقرأ ألليندي، أعود إلى مصر بأسئلة جديدة. أفكر في الحكايات التي يمكن أن نستخرجها من ذاكرتنا، وفي الشخصيات التي لم تجد بعد مكانها في سردنا الثقافي، وفي الطرق التي يمكن أن نجعل بها تاريخنا أكثر اتصالًا بالإنسان المعاصر. وأتساءل كيف نستطيع أن نكتب عن حضارتنا من دون أن نحولها إلى مجرد أمجاد بعيدة، وكيف نجعل الاعتزاز بالماضي دافعًا لفهم الحاضر وصناعة المستقبل.

بالنسبة إليّ، ليست تجربة ألليندي نموذجًا أريد تقليده، بل مرآة تساعدني على رؤية بعض جوانب تجربتي بصورة أوضح. فهي تذكرني بأن البحث في الماضي لا ينبغي أن يعزلنا عن أسئلة الحاضر، وأن العمل على حفظ التراث لا يكتمل من دون محاولة فهم الإنسان الذي صنعه، وأن الكتابة ليست منفصلة عن المعرفة، بل تستطيع أن تمنحها أفقًا إنسانيًا أوسع.

لقد بدأت رحلتي من شغف بالحضارة المصرية القديمة، وبما تركه المصريون من آثار تشهد على عبقريتهم وقدرتهم على بناء عالم ظل حاضرًا عبر آلاف السنين. لكن هذه الرحلة دفعتني تدريجيًا إلى سؤال أكبر: ماذا تعني الحضارة إذا لم تساعدنا على فهم الإنسان؟ وماذا تفيدنا معرفة الماضي إذا لم تجعلنا أكثر وعيًا بأنفسنا وبمسؤوليتنا تجاه المستقبل؟

ربما لهذا أجد نفسي قريبًا من الأدب الذي ينصت إلى الذاكرة، ويمنح الحكايات المنسية فرصة جديدة للحياة. فبينما أبحث في الآثار عن الإنسان الذي ترك أثره في الحجر، أجد في الرواية محاولة أخرى للبحث عن الإنسان الذي ترك أثره في الذاكرة.

وفي النهاية، فإن ما يجمعني بتجربة إيزابيل ألليندي ليس تشابه المسارات، بل وحدة السؤال الإنساني. هي تقترب من الماضي عبر الرواية، وأنا أقترب منه عبر الآثار والتاريخ والكتابة. لكننا نلتقي عند نقطة واحدة: الإيمان بأن الإنسان أكبر من الوقائع التي تسجلها الكتب، وأن وراء كل أثر حكاية، ووراء كل حكاية حياة تستحق أن نفهمها.

وربما يكون هذا هو الدرس الذي أعود به من قراءتها إلى تجربتي المصرية: أنني كلما تعمقت في دراسة الماضي، ازددت اقتناعًا بأن مهمتي لا تقتصر على اكتشاف ما تركه الإنسان وراءه، بل تمتد إلى محاولة فهم ما يجعل حياته جديرة بأن تُروى، وأن تظل حاضرة في وعينا، حتى بعد أن يمضي الزمن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...