كاظم حسن سعيد - المادة (56) والمجاز المرسل: عندما يُصنّف الشارعُ القانونَ بلاغياً

تتحدد الدلالة اللغوية لـ «المجاز المرسل» من معناه المصدري؛ فالإرسالُ هو الإطلاق والتحلّل من القيد. وسُمّي هذا المجازُ مرسلاً لأنه لم يُقَيَّد بعلاقةٍ واحدةٍ محددةٍ وثابتة—كعلاقة المشابهة التي تقوم عليها الاستعارة—بل جاء مُرْسَلاً ومُطلقاً في علاقاتٍ شتى، ‏( كالجزئية، والكلية، والحاليّة، والمجاورة، والسببية، والمُلابَسَة‏).
وقد أصّلّ هذا الاصطلاحَ البلاغيَّ الفذَّ الإمامُ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ)، ثم تتابعت عليه أقلامُ العلماء كعبد القاهر الجرجاني والزمخشري، وصولاً إلى تدقيقات السيوطي والخطيب القزويني في مطولاتهم البلاغية.

يمتلك الخيالُ الجمعي للشارع العراقي حساً بلاغياً فطرياً وقدرةً لافتة على توليد "المجازات الساخرة"؛ حيث يُعيد صياغة النصوص المدوّنة ليُسقطها على الممارسة اليومية. ومن أسطع الأمثلة على هذا الانزياح الدلالي من جفاف المحاكم إلى حيوية الشارع، شيوعُ تعبير: «فلان 56».

لقد تحول هذا الرقم التشريعي المخصص لجرائم النصب والاحتيال إلى شيفرة لسانية موجزة ومفهومة؛ بمجرد أن يهمس أحدهم محذراً رفيقه: «انتبه من فلان.. ترى هذا 56»، يدرك المخاطَب فوراً أن الشخص موصوفٌ بالمراوغة ودهاء الخداع، دون حاجة إلى أي استطالة في الشرح.

من الناحية البلاغية الدقيقة، لا يرتكز هذا التعبير على الاستعارة لانتفاء المشابهة بين الشخص والرقم التشريعي، وإنما ينضوي تحت «المجاز المرسل» بعلاقة (المُلابَسَة) أو (التلازم)؛ حيث يُطلق رقمُ المادة القانونية المُحدِّدة للعقوبة، ويُراد به الشَّخصُ الموصوفُ بها والمتلبِّسُ بجرائمها، في انزياحٍ يختزل الصفة والموصوف بختم رسمي ساخر.

ولم تكن المادة (56) بدعاً في هذا التوظيف؛ فالذاكرة العراقية تزخر بمواد قانونية وعسكرية تحولت مفرداتها إلى مجازات مرسلة ارتبطت بشرائط تاريخية واجتماعية محددة:
ففي عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وانتشار الضغوط النفسية للحروب والحصار، شاع استخدام المادة (111 عقوبات)—الخاصة بامتناع المسؤولية الجزائية عن العاهات العقلية—مجازاً بعلاقة المجاورة وصفاً للتصرفات الطائشة أو الشاردة: (هذا تُطبّق عليه 111).

وفي السبعينيات والثمانينيات، تردد اسم المادة (406 عقوبات) المتصلة بالقتل العمد مجازاً مرسلاً على ألسنة المتخاصمين في الأسواق للتعبير عن التهديد الشديد: (ترى أوديك بـ 406).
ومع التحولات السياسية بعد عام 2003، فرضت المادة (136/ب أصول محاكمات) حضورها (بين 2003–2011) للتعبير عن الحصانة والغطاء الفاسد للمسؤولين، مثلما غدت المادة (4 إرهاب) (بين 2006–2017) مجازاً يرمز للتورط الكبير أو التهويل بين الممازحين.
غير أننا نلحظ أن تلك المجازات المرسلة الأُخرى قد خَفّ استعمالها أو انزوت بزوال دواعيها وظروفها الزمنية، في حين بقيت المادة (56) متصدرةً ألسنة الشارع العراقي بكل حيوية؛ ويُعزى هذا الشيوعُ والخلودُ اللساني الاستثنائي إلى سهولة حفظ هذا الرقم وجرس إيقاعه الموسيقي الخفيف على الألسن، فضلاً عن كونه يعكس بامتياز أشدَّ الظواهر انتشاراً وتماساً مع الواقع اليومي في المرحلة الراهنة—وهي ظاهرة (الاحتيال) والمراوغة—لتظلَّ المادةُ شاهدةً حيةً على قدرة اللسان الشعبي على اقتطاع النص القانوني وتخليده في باب المجاز.

الصياد
ايلول ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...