فاتن فاروق عبدالمنعم - الصليبيون الجدد (17) صفعة مدوية:

(17)
صفعة مدوية:

إذا ضربت فأوجع، هكذا فعل بهم صلاح الدين كي يفقدوا توازنهم فيضرب على الحديد الملتهب بجسارة العليم بثغراتهم المحيط إحاطة تامة بما هو منوط به وهو من أسرها في نفسه وأبداها لهم، فلم يصرح بالقول أكون أو لا أكون بل قال بأعلى صوته أنني أنا الذي سوف يكون.
يحرز النصر تلو النصر، النصر بناء محكم يتم على مراحل ولا يتأتى مرة واحدة أو بغتة بمعنى أنه فعل تراكمي ولكن عوام الناس لا يرون إلا السطر الأخير الذي يحسم الأمربصورة علنية، والأعمال العظيمة التي تؤسس لواقع جديد تكون أنت فيه صاحب الكلمة العليا لابد أن تقترن بتضحيات عظيمة ولكي تقدم غير هياب يذكرك ربك بأنهم يألمون كما تألم كي لا تهن في ابتغائهم فتتقدم ولا تتراجع، إنها يد الله الحانية
وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
104النساء
وفي ذلك تقول كارين:
“ وبالقضاء قضاء مبرما على الجيش المسيحي في حطين لم تعد هناك أية عقبة رئيسية في طريق استيلاء صلاح الدين على ما تبقى من مملكة أورشاليم وأخذ الفرسان الهاربون من أرض المعركة، والمدنيون الفارون أمام الجيش الإسلامي الزاحف، يتجمعون في مدينة صور تحت قيادة شخص يدعى كونراد دو مونفرا (معروف عند العرب بإسم الماركيز) وجد نفسه في معمعان الحرب المقدسة بمحض الصدفة، كان كونراد يقيم في القسطنطينية وقد تورط في جريمة قتل، فما كان منه إلا أن فر على عجل بصفة حاج إلى القدس، ولدى اقتراب السفينة من عكا لاحظ أن المدينة تكاد تكون مهجورة وكان من الطبيعي أن يرتاب في الأمر وحين سمع بخبر الانكسار المسيحي انتقل من فوره إلى صور لتنظيم المقاومة المسيحية هناك ولولا تصرفه العاجل هذا لما تمكن الفرنجة من الاحتفاظ بآخر موطيء قدم لهم في الأراضي المقدسة، لم يحاول الفرسان الملتزمون الآخرون البحث عن ملاذ آمن لهم في صوربل توجهوا رأسا إلى القدس، كي يحاول إنقاذ المدينة المقدسة من الكفار (المسلمون) ويخبرنا ابن الأثير أن العديد من الناجين من حطين تجمعوا فيها سوية مع السكان المدينيين وأهالي عسقلان، اجتمع به (يقصد به بيت المقدس) كثير من الخلق كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون بيت المقدس فأورشاليم حيوية جدا بالنسبة للحرب المقدسة المسيحية، ولا مناص من الذود عن حياضها إلى النهاية”
القدس المقدسة:
أسهبت كارين بخلفيتها المسيحية (ولها عذرها لذا وجب توضيح الأمر) في القول بأن المسلمين طبقا لعقيدتهم لا يقدسون الأماكن ولا حتى مكة والمدينة وإنما يؤدون الشعائر لأنها تعاليم إلهية ويصرحون بذلك وأن فلسطين ظلت محتلة من الصليبيين ثمانين عاما لم يطرف لهم جفن ولم يهتموا إلا بالمجازر التي أحدثها الصليبيون فيهم لكنهم لم يشرعوا في الإقبال على تحريرها إلا عندما خطب فيهم صلاح الدين ليشحذ الهمم ويستحثهم على تحريرها بعقيدة الجهاد، هذه الأخيرة فقط هي من مكنتهم من تحريرها، فقال لهم هذا المسجد هو ثالث الحرمين وأولى القبلتين، وهذه الصخرة التي وضع عليها الصليبيون صليبهم لهي الموضع الذي عرج منها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج.
ما بعد حطين:
جاء جحافل الصليبيين إلى فلسطين أول مرة عام 1099م مدفوعون من الكنيسة بخطابها التحريضي في وقت كانت فيه الأمة الإسلامية في أضعف حالاتها، فقد كانت ترزح تحت نير الدولةالعبيدية (الفاطمية) والتي أحدثت الكثير من البدع ومظاهر الشرك من تقديس المراقد والأفراد فضلا عن سب الصحابة على المنابر، والدولة العباسية تلفظ أنفاسها في بغداد ولا تملك الدفاع حتى عن قصر الحكم الذي يقيمون فيه، بل إن الخليفة كان يغار من صلاح الدين بسبب شعبيته ويخشى على كرسيه، وعوام المسلمين لا يثقون في أي شخص متصدر للمشهد آنذاك بمعنى أنهم كانوا كافرين بنخبهم حتى جاءتهم الدولة الأيوبية التي قدمت لهم صلاح الدين وهو من قام بإصلاح المعطوب فيهم أولا وهو عقيدتهم، فالنصر لا يأتي على نفوس مهترئة العقيدة والغة في شتى أنواع المعاصي لذا فتح الله عليهم أبواب البلايا من كل صوب ونحب (وتلك سنة إلهية عامة في الفرد والمجتمع) فلم يرفعوا رؤوسهم إلا مع مقدم محمود نور الدين ومن بعده ابن أخيه صلاح الدين فاستبدلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى، هم كالغريق الذي تعلق بزورق النجاة، نجوا بإصلاح المعوج داخلهم أولا وهي العقيدة ثم القائد الربان الذي يقود السفينة بمقتضيات القوة ومسوغاتها ومقوماتها.
في عام1187م استعد المسيحيون والمسلمون إلى نزال جديد لم يكن فيه المسيحيون بنفس القوة التي كانت، فليس لديهم القيادة ولا الجيش الذي يستطيع أن يجابه جيش صلاح الدين وارتفع مؤشر الخوف لديهم من صلاح الدين الذين يخافون أن يفعل بهم ما فعلوه بالمسلمين من قبل من مجازر وبحور من الدماء بلغت أعناق الخيول حتى ظهر لهم القائد باليان دبلن ولم يكن ينوي المشاركة في أي أعمال عسكرية بعد حطين وإنما عاد إلى أورشاليم ليصطحب عائلته ويرحل وقد استأذن صلاح الدين في ذلك فأمهله ليلة واحدة فقط ولكن الجيش الصليبي المرابط هناك طلب منه أن يقودهم في المعركة فأصبح في حيرة من أمره من الوعد الذي قطعه على نفسه أمام صلاح الدين وواجبه تجاه ذووه القادمين معه من أوروبا وواجبه تجاه المدينة المقدسة الواجب انتزاعها من أيدي الكفار، مثل باليان أمام صلاح الدين مرة أخرى وشرح له المأزق الذي هو فيه، كان من الممكن أن يقتل صلاح الدين باليان المعقود عليه الآمال ليزيد من محاوفهم ولكنه قال له مادام هذا يعد بالنسبة إليك واجب ديني فأنا أحلك من القسم والعهد الذي قطعته على نفسك أمامي، ووافق صلاح الدين على استبقائه ليقود جيش الصليبيين ضد المسلمين!! وهذا يعد نبل مبالغ فيه من صلاح الدين ما كان له أن يقدم عليه.
وقبل المعركة عرض عليهم صلاح الدين عرضا بتسليم المدينة دون قيد أو شرط كي يسلموا ولكنهم رفضوا فأقسم صلاح الدين ألا يفلتهم حيث قال:
“لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهلنا عند قدومكم أول مرة من القتل والسبي وجزاء السيئة سيئة بمثلها”
وهنا رد باليان (الذي تركه صلاح الدين ليقود الحرب ضده)على التهديد بتهديد مماثل مفاده إنهم إن يئسوا من النصر فلن يتركوا شيئا للمسلمين لينعموا به لأنهم سيقتلون أبناءهم ونساءهم وسيتلفون أموالهم بما نسميه اليوم سياسة الأرض المحروقة وانتهى الأمر بينهما بالتفاوض ليتجنب الجانبان المزيد من الدماء.
ولنا هنا وقفة:
نفس فكر الحروب الصليبية هو السائد والمعمول به الآن، الحرب العالمية الثالثة المقامة الآن في العالم الإسلامي بقيادة الشيطان رأسا ومساعده ذو العين الواحدة الذي أوشك على الخروج وهذا ليس من قبيل المبالغة وإنما هذه الحقيقية ماثلة الآن، وهي ليست بعيدة عن فلسطين مهما تعددت روافدها فإن فلسطين في القلب منها وانتقال مسرح العمليات إلى هنا أو هناك لا يعني أن فلسطين في الهامش بل إنها في البؤرة.
الصليبيون الجدد أحفاد القدامى مع الصهاينة قضوا على الكتلة (الخلافة) وأحالونا إلى كانتونات على شفير النار بصفة دائمة جاهزين للإغارة على بعضنا البعض في أي وقت ولنا من الأسباب المفتعلة عن عمد ما لا يحصى ولا يعد.
لما يئس التحالف الصهيوصليبي من الانتصار على المقاومة في غزة، نعم قلة قليلة جدا منا اعتصمت بالله فانتصرت رغم الأهوال التي يعانونها وهذا ما لن تسمعه في إعلام الرايات الحمر، هذا التحالف وسع الدائرة ونقل الصراع إلى خارجها لينفردوا بهم بينما الجموع مشغولون بالجديد.
الجديد هو إشعال فتيل الشيعة والسنة، فمراكز الأبحاث مثل معهد راند ومعاهد الاستشراق بمسمياتها الجديدة لديها خبرة موسعة منذ الحروب الصليبية بكيفية إشعال الفتيل في أي وقت، فيجعلوا بأسنا بيننا شديد نتقاتل فيما بيننا ليقضي بعضنا على بعض حتى نبلغ درجة الانهاك ثم يأتوا ليحصدوا ما زرعوه دون جهد يذكر من جانبهم، فهاهو سمسار العقارات يابس الوجه بلطجي الكباريه ترامب يجلس هو وشيعته في كل مكان ليتابعوا عبر مختلف الشاشات حرب الشيعة والسنة وهم يستلقون على أقفيتهم من كثرة الضحك انتشاء وشعورا بالفخر وزهو الانتصار.
عندما دعوت لتأييد إيران إبان حرب الإثنى عشر يوما مع أمريكا كنت أدعو لنصرة إيران الممثلة للإسلام أمام أمريكا واليوم ترغمنا إيران بنفسها على الوقوف ضدها لأنها بلعت الطعم وتريد الاستمرار في تحقيق مشروعها الصفوي الذي قام به قديما إسماعيل الصفوي ليحيل إيران من دولة سنية لمدة ألف عام بالقتل والتنكيل والإرهاب إلى دولة شيعية تجابه صحيح الإسلام.
ما حدث في سوريا زمن عائلة الأسد والعراق ولبنان كلها لتحقيق مشروعكم الصفوي، والآن علا سقف طموحكم إلى الحرم تضربوه من خلال الحوثين للاستيلاء على مكة والمدينة وتشيعوننا رغما عنا بالقتل والتنكيل والإرهاب والاغتصاب ما لكم كيف تحكمون.
أليس منكم رجل رشيد ؟!أم أنكم كلكم إسماعيل الصفوي.
وللحديث بقية إن شاء الله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...