في ركن التاريخ والسير، التقت أربع روايات، لكل واحدة منها حكاية، ولكل حكاية رجل ترك بصمته في ذاكرة المغرب ؛ و لم تكن الرفوف هذه المرة مجرد مكان تتجاور فيه الكتب، لكنها تحولت إلى مجلس أدبي استعاد فيه التاريخ أنفاسه، وشرعت الشخصيات في التعريف بنفسها.
ابتدأت رواية "المولى إسماعيل السلطان" حديثها قائلة:
أنا أحمل بين دفتي حكاية سلطان علوي بصم تاريخ المغرب في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ، أصحب القارئ إلى عالم المولى إسماعيل، حيث تتشابك السلطة مع الطموح، وتتصارع إرادة بناء الدولة مع تقلبات السياسة والإنسان، وقد منحني الروائي بنسالم حميش قلمه ليعيد مساءلة التاريخ من نافذة الرواية.
قاطعتها رواية " العلاّمة "، وكأنها تستمد هيبتها من صاحبها، وقالت: أما أنا، فقد اخترت أن أفتح أبوابي على عقل موسوعي، لم يكن التاريخ عنده مجرد أخبار تروى، وإنما حركة بشرية تخضع لقوانين العمران والتحول ؛ أنا أحكي عن عبد الرحمن بن خلدون، الرجل الذي تجاوز عصره بأسئلته وأفكاره، وحاول أن يفهم قيام الدول وسقوطها، وطبيعة الإنسان وتقلبات المجتمعات ، وأنا أيضا من إبداع بنسالم حميش، الذي جعل من الرواية جسرا بين الفكر والحياة.
ابتسمت " الباشادور"، ثم قالت بنبرة الرحالة الذي لا يستقر في مكان: لا تنسوا أن التاريخ لا يصنعه السلاطين والمفكرون وحدهم، وإنما يبنيه أيضا من يرحلون، ويشاهدون، ويسجلون ما تلتقطه أعينهم من أحوال الناس والبلدان ؛ أنا أحمل بعض من سيرة القاسم الزياني، المؤرخ والرحالة المغربي، الذي تنقل بين عوالم السياسة والمعرفة والأسفار، وترك لنا شهادة عن زمنه وتحولاته ، وقد اختار حسن أوريد أن يستعيد هذه الشخصية في عمل روائي يجعل من الرحلة بابا لفهم التاريخ، ومن الذاكرة طريقا إلى اكتشاف الإنسان.
عندئذ تقدمت رواية " الفقيه " ، وكان في صوتها شيء من الاعتزاز، وقالت: أما أنا، فأحمل حكاية أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي، المعروف بأفوقاي، الذي عاش تجربة استثنائية بين الأندلس وشمال إفريقيا وأوروبا ؛ أنا لا أروي سيرة رجل فحسب، وإنما أفتح نافذة على أسئلة الهوية والدين والمعرفة، وعلى قدرة الإنسان على الدفاع عن قناعاته في زمن الاختلاف والصراع ، وقد أعاد حسن أوريد رسم ملامح هذه الشخصية في رواية تمزج بين التاريخ والتأمل في مصائر البشر.
ساد الصمت لحظة، قبل أن تقول إحداهن للأخريات: كم هو غريب أمرنا! نحن أربع روايات، لكننا لا نتنافس على قارئ واحد، وإنما نمنحه أربع نوافذ يطل منها على تاريخ بلاده، وأربع تجارب يكتشف من خلالها أن وراء الأسماء التي حفظتها الكتب وجوها من لحم ودم، وقلوبا عاشت القلق والطموح والخوف والأمل.
فأجابتها الأخرى: وربما كانت أجمل هدية نقدمها له أن نجعله يغادر صفحاتنا وهو يظن أنه جاء ليقرأ التاريخ، ثم يكتشف في النهاية أنه كان يقرأ الإنسان.
وهكذا، عدت إلى ترتيب الكتب فوق الرف، لكنني شعرت أن شيئا ما ظل عالقا في المكان؛ كأن المولى إسماعيل وابن خلدون والقاسم الزياني وأحمد بن قاسم الحجري لم يغادروا المجلس بعد، وكأن لكل واحد منهم بقية حكاية ينتظر من يفتح الكتاب ليصغي إليها.
فبعض الكتب لا تكتفي بأن تحكي لنا عن الماضي، وإنما تجعل الماضي يجلس قبالتنا، وينظر في أعيننا، ثم يسألنا: ماذا بقي من حكايتنا اليوم؟
ابتدأت رواية "المولى إسماعيل السلطان" حديثها قائلة:
أنا أحمل بين دفتي حكاية سلطان علوي بصم تاريخ المغرب في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ، أصحب القارئ إلى عالم المولى إسماعيل، حيث تتشابك السلطة مع الطموح، وتتصارع إرادة بناء الدولة مع تقلبات السياسة والإنسان، وقد منحني الروائي بنسالم حميش قلمه ليعيد مساءلة التاريخ من نافذة الرواية.
قاطعتها رواية " العلاّمة "، وكأنها تستمد هيبتها من صاحبها، وقالت: أما أنا، فقد اخترت أن أفتح أبوابي على عقل موسوعي، لم يكن التاريخ عنده مجرد أخبار تروى، وإنما حركة بشرية تخضع لقوانين العمران والتحول ؛ أنا أحكي عن عبد الرحمن بن خلدون، الرجل الذي تجاوز عصره بأسئلته وأفكاره، وحاول أن يفهم قيام الدول وسقوطها، وطبيعة الإنسان وتقلبات المجتمعات ، وأنا أيضا من إبداع بنسالم حميش، الذي جعل من الرواية جسرا بين الفكر والحياة.
ابتسمت " الباشادور"، ثم قالت بنبرة الرحالة الذي لا يستقر في مكان: لا تنسوا أن التاريخ لا يصنعه السلاطين والمفكرون وحدهم، وإنما يبنيه أيضا من يرحلون، ويشاهدون، ويسجلون ما تلتقطه أعينهم من أحوال الناس والبلدان ؛ أنا أحمل بعض من سيرة القاسم الزياني، المؤرخ والرحالة المغربي، الذي تنقل بين عوالم السياسة والمعرفة والأسفار، وترك لنا شهادة عن زمنه وتحولاته ، وقد اختار حسن أوريد أن يستعيد هذه الشخصية في عمل روائي يجعل من الرحلة بابا لفهم التاريخ، ومن الذاكرة طريقا إلى اكتشاف الإنسان.
عندئذ تقدمت رواية " الفقيه " ، وكان في صوتها شيء من الاعتزاز، وقالت: أما أنا، فأحمل حكاية أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي، المعروف بأفوقاي، الذي عاش تجربة استثنائية بين الأندلس وشمال إفريقيا وأوروبا ؛ أنا لا أروي سيرة رجل فحسب، وإنما أفتح نافذة على أسئلة الهوية والدين والمعرفة، وعلى قدرة الإنسان على الدفاع عن قناعاته في زمن الاختلاف والصراع ، وقد أعاد حسن أوريد رسم ملامح هذه الشخصية في رواية تمزج بين التاريخ والتأمل في مصائر البشر.
ساد الصمت لحظة، قبل أن تقول إحداهن للأخريات: كم هو غريب أمرنا! نحن أربع روايات، لكننا لا نتنافس على قارئ واحد، وإنما نمنحه أربع نوافذ يطل منها على تاريخ بلاده، وأربع تجارب يكتشف من خلالها أن وراء الأسماء التي حفظتها الكتب وجوها من لحم ودم، وقلوبا عاشت القلق والطموح والخوف والأمل.
فأجابتها الأخرى: وربما كانت أجمل هدية نقدمها له أن نجعله يغادر صفحاتنا وهو يظن أنه جاء ليقرأ التاريخ، ثم يكتشف في النهاية أنه كان يقرأ الإنسان.
وهكذا، عدت إلى ترتيب الكتب فوق الرف، لكنني شعرت أن شيئا ما ظل عالقا في المكان؛ كأن المولى إسماعيل وابن خلدون والقاسم الزياني وأحمد بن قاسم الحجري لم يغادروا المجلس بعد، وكأن لكل واحد منهم بقية حكاية ينتظر من يفتح الكتاب ليصغي إليها.
فبعض الكتب لا تكتفي بأن تحكي لنا عن الماضي، وإنما تجعل الماضي يجلس قبالتنا، وينظر في أعيننا، ثم يسألنا: ماذا بقي من حكايتنا اليوم؟