لم يشهد العربي تفتّح الزهر، فهل يرى الغربي زخّات المطر؟
لم يرَ العربي في ربيعه، بعد ثوراته، زهرا يليق بحجم أحلامه ، فهل يرى الأوروبي في خريفه آثار المطر، أم أن الفصول، حين تخون الشعوب، لا تترك في الذاكرة سوى أسماء جميلة لمواسم لم تأت؟
في السابع عشر من أكتوبر، بدت فرنسا كأنّها تستيقظ على غضب تراكم طويلا ، مظاهرات ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأزمات التعليم، سرعان ما تخلّلتها مواجهات وأعمال تخريب ونهب في عدد من المدن. وفي اليوم التالي، خرج إيمانويل ماكرون ليؤكد أن المطالب المشروعة لا ينبغي أن تختلط بمن دمّروا ونهبوا، متوعّدا بمحاسبة المسؤولين عن العنف، وداعيا إلى استعادة الهدوء ومراجعة ما حدث.
وفي إيطاليا، لم تكن ميلانو بمنأى عن المشهد ، إذ تحوّلت احتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات إلى مواجهات مع الشرطة، وعمليات تخريب ونهب وإضرام للنيران. وأكدت جورجيا ميلوني أن التظاهر حقّ، لكن إحراق المدن ليس مبرّرا لأعمال التخريب .
أما إسبانيا، فقد ظلّ جرح السكن شاهدا على وجه آخر من وجوه الأزمة الأوروبية ، إذ خرج المحتجون مطالبين بخفض الإيجارات وحماية المستأجرين، بعدما فجّرت أزمة إخلاء مسنّة من منزلها موجة غضب واسعة. هنا لم يكن السؤال عن واجهات المحال المحطمة، بل عن أبواب البيوت التي بات امتلاكها أو الاحتفاظ بها حلما بعيدا صعب المنال .
ليست هذه الأحداث ثورة أوروبية موحّدة، ولا دليلا كافيا على أن القارة تسير حتما نحو مصير الربيع العربي ، فلكل بلد سياقه ومؤسساته وأسبابه. لكنّها تكشف، في اختلافاتها، عن أسئلة مشتركة حول العدالة الاجتماعية، وكلفة الحياة، والثقة في السلطة، والفجوة بين وعود السياسة وتجارب الناس اليومية.
وهنا تعود الذاكرة العربية لتسأل: كم من ثورة رفعت سقف الأمل، ثم تركت شعوبها أمام خرائب الأسئلة؟ وكم من ربيعٍ أزهرت فيه الشعارات قبل أن تذبل الأحلام؟ إن إسقاط القديم لا يضمن ولادة الجديد، والغضب، مهما كان مفهوما، لا يتحوّل وحده إلى مشروع للمستقبل.
فهل يكون الخريف الغربي فصلا تتعرّى فيه الأشجار لتستعيد قدرتها على الإزهار، أم أن القارة العجوز ستكتشف أن سقوط الأوراق لا يعني بالضرورة اقتراب الربيع؟ وهل يتعلّم الأوروبي من خيبات العربي، أم أن التاريخ سيعيد امتحان الشعوب بأسئلة متشابهة، وإن اختلفت اللغات والأعلام؟
لم يرَ العربي في ربيعه زهرا يليق بأحلامه ، فهل يرى الأوروبي بعد قحط صيف قائظ آثار المطر؟
ربما لا تكمن المأساة في أن يأتي الربيع خاليا من الزهر، أو أن يتأخّر المطر عن الخريف، بل في أن تظلّ التربة عاجزة عن إنبات البذور، مهما تعاقبت الفصول. فالتغيير ليس اسما لموسم، ولا وعدا تمنحه الشوارع لمن يؤجّجها ، لكنّ مفتاح التغيير حقّا يكمن في قدرة المجتمع على تحويل الغضب إلى عدالة، والاحتجاج إلى إصلاح، والأمل إلى واقع.
كما أنّ الخريف ليس قدرا أبديا، لكن الربيع أيضا لا يأتي لمجرد أنّنا نزعنا معاطفنا واشتقنا لقطف الازهار ...
ليلى تبّاني ــــ الجزائر
لم يرَ العربي في ربيعه، بعد ثوراته، زهرا يليق بحجم أحلامه ، فهل يرى الأوروبي في خريفه آثار المطر، أم أن الفصول، حين تخون الشعوب، لا تترك في الذاكرة سوى أسماء جميلة لمواسم لم تأت؟
في السابع عشر من أكتوبر، بدت فرنسا كأنّها تستيقظ على غضب تراكم طويلا ، مظاهرات ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأزمات التعليم، سرعان ما تخلّلتها مواجهات وأعمال تخريب ونهب في عدد من المدن. وفي اليوم التالي، خرج إيمانويل ماكرون ليؤكد أن المطالب المشروعة لا ينبغي أن تختلط بمن دمّروا ونهبوا، متوعّدا بمحاسبة المسؤولين عن العنف، وداعيا إلى استعادة الهدوء ومراجعة ما حدث.
وفي إيطاليا، لم تكن ميلانو بمنأى عن المشهد ، إذ تحوّلت احتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات إلى مواجهات مع الشرطة، وعمليات تخريب ونهب وإضرام للنيران. وأكدت جورجيا ميلوني أن التظاهر حقّ، لكن إحراق المدن ليس مبرّرا لأعمال التخريب .
أما إسبانيا، فقد ظلّ جرح السكن شاهدا على وجه آخر من وجوه الأزمة الأوروبية ، إذ خرج المحتجون مطالبين بخفض الإيجارات وحماية المستأجرين، بعدما فجّرت أزمة إخلاء مسنّة من منزلها موجة غضب واسعة. هنا لم يكن السؤال عن واجهات المحال المحطمة، بل عن أبواب البيوت التي بات امتلاكها أو الاحتفاظ بها حلما بعيدا صعب المنال .
ليست هذه الأحداث ثورة أوروبية موحّدة، ولا دليلا كافيا على أن القارة تسير حتما نحو مصير الربيع العربي ، فلكل بلد سياقه ومؤسساته وأسبابه. لكنّها تكشف، في اختلافاتها، عن أسئلة مشتركة حول العدالة الاجتماعية، وكلفة الحياة، والثقة في السلطة، والفجوة بين وعود السياسة وتجارب الناس اليومية.
وهنا تعود الذاكرة العربية لتسأل: كم من ثورة رفعت سقف الأمل، ثم تركت شعوبها أمام خرائب الأسئلة؟ وكم من ربيعٍ أزهرت فيه الشعارات قبل أن تذبل الأحلام؟ إن إسقاط القديم لا يضمن ولادة الجديد، والغضب، مهما كان مفهوما، لا يتحوّل وحده إلى مشروع للمستقبل.
فهل يكون الخريف الغربي فصلا تتعرّى فيه الأشجار لتستعيد قدرتها على الإزهار، أم أن القارة العجوز ستكتشف أن سقوط الأوراق لا يعني بالضرورة اقتراب الربيع؟ وهل يتعلّم الأوروبي من خيبات العربي، أم أن التاريخ سيعيد امتحان الشعوب بأسئلة متشابهة، وإن اختلفت اللغات والأعلام؟
لم يرَ العربي في ربيعه زهرا يليق بأحلامه ، فهل يرى الأوروبي بعد قحط صيف قائظ آثار المطر؟
ربما لا تكمن المأساة في أن يأتي الربيع خاليا من الزهر، أو أن يتأخّر المطر عن الخريف، بل في أن تظلّ التربة عاجزة عن إنبات البذور، مهما تعاقبت الفصول. فالتغيير ليس اسما لموسم، ولا وعدا تمنحه الشوارع لمن يؤجّجها ، لكنّ مفتاح التغيير حقّا يكمن في قدرة المجتمع على تحويل الغضب إلى عدالة، والاحتجاج إلى إصلاح، والأمل إلى واقع.
كما أنّ الخريف ليس قدرا أبديا، لكن الربيع أيضا لا يأتي لمجرد أنّنا نزعنا معاطفنا واشتقنا لقطف الازهار ...
ليلى تبّاني ــــ الجزائر