د. حسين عبدالبصير - الرواية الاجتماعية أم الرواية التاريخية؟ حين يلتقي الإنسان بالماضي

لماذا نكتب رواية عن مجتمعنا، بينما نستطيع أن نعود إلى آلاف السنين لنكتب عن ملوك سكنوا القصور، وكهنة حفظوا أسرار المعابد، ومحاربين عبروا الصحارى، وعشاق فرّق الزمن بينهم؟ وهل الرواية التي تتناول حاضرنا أقرب إلى الإنسان من الرواية التي تعود إلى الماضي؟ أم أن الإنسان، مهما ابتعدنا في الزمن، يظل هو الحكاية نفسها، وإن تغيرت ملابسه ولغته وأسماء الآلهة التي يعبدها؟

أظن أن السؤال الحقيقي ليس: هل نكتب الرواية الاجتماعية أم الرواية التاريخية؟ بل: ماذا نريد أن نقول عن الإنسان، وأي زمن يمنحنا القدرة الأكبر على اكتشاف حقيقته؟

الرواية الاجتماعية تضعنا في قلب الحياة التي نعرفها. نرى فيها الأب الذي يخشى على أبنائه، والأم التي تخفي أحزانها خلف أعمال البيت، والشاب الذي يحلم بحياة مختلفة، والموظف الذي يذهب كل صباح إلى عمل يكرهه، والإنسان الذي يصطدم بالفقر والسلطة والتقاليد والأحكام المسبقة. إنها رواية الشارع والبيت والمقهى ومكتب الموظف ووسائل المواصلات، رواية التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياتنا من دون أن ننتبه إليها.

قوتها أنها تقترب من جروح المجتمع وهي لا تزال مفتوحة. يستطيع الروائي أن يرصد التحولات في العلاقات الأسرية، وصعود الطموح الفردي، وتراجع بعض القيم، وصراع الأجيال، وتناقضات الطبقات الاجتماعية. ومن خلال حكاية أسرة واحدة، يمكنه أن يكشف صورة مجتمع بأكمله.

لكن الرواية الاجتماعية لا تصبح عظيمة لمجرد أنها تصف الواقع بدقة. فالتقرير الصحفي قد ينقل إلينا وقائع أكثر مما تنقله الرواية، غير أن الرواية الحقيقية تتجاوز الوقائع إلى ما وراءها. إنها لا تكتفي بأن تخبرنا كيف يعيش الناس، بل تحاول أن تفهم لماذا يعيشون بهذه الطريقة، وما الذي يجري داخل نفوسهم، وما الذي يجعل الإنسان أحيانًا أسيرًا لواقع يرفضه، ثم يعود فيعيد إنتاجه.

أما الرواية التاريخية، فتمنح الروائي مسافة زمنية يرى من خلالها الحاضر بصورة مختلفة. حين أعود، بصفتي عالمًا للمصريات، إلى مصر القديمة، لا أرى الملوك والمعابد والتماثيل والنقوش وحدها، بل أبحث عن الإنسان الذي اختبأ خلفها. أفكر في العامل الذي حمل الأحجار، والكاتب الذي سجّل المحاصيل، والفلاح الذي انتظر الفيضان، والأم التي دعت لعودة ابنها، والعاشق الذي خشي الفراق، والرجل الذي وقف أمام الموت محاولًا أن يفهم معنى وجوده.

هذه هي المنطقة التي تلتقي فيها الآثار بالرواية. الأثر يمنحنا شواهد مادية على حياة مضت، والبحث التاريخي يساعدنا على فهم سياقها، أما الرواية فتمنحنا فرصة تخيّل التجربة الإنسانية داخل ذلك العالم، بشرط ألا تتحول المخيلة إلى بديل من المعرفة، وألا تتنكر الحكاية في هيئة حقيقة تاريخية لم تثبتها الأدلة.

الرواية التاريخية ليست درسًا في التاريخ، ولا ينبغي أن تتحول صفحاتها إلى محاضرة أكاديمية تتوقف فيها الحكاية كل قليل كي يستعرض الكاتب معلوماته. التاريخ هو المسرح، لكن الإنسان هو البطل. وإذا غابت الشخصية الحية خلف أسماء الملوك وتواريخ المعارك وقوائم الآلهة، فقدت الرواية نبضها، مهما بلغت دقة معلوماتها.

والأمر نفسه ينطبق على الرواية الاجتماعية. فإذا تحولت الشخصيات إلى أبواق لأفكار الكاتب، أو أصبحت الرواية مجرد محاكمة للمجتمع، فقدت قدرتها على الإقناع. الشخصية الروائية ليست مثالًا أخلاقيًا كاملًا، ولا شريرًا خالصًا، بل إنسان متناقض، يحمل أسباب ضعفه وقوته، ويخطئ أحيانًا وهو يظن أنه يفعل الصواب.

ولعل الفارق الأهم بين الروايتين أن الرواية الاجتماعية تختبر الإنسان في زمنه المباشر، بينما تختبر الرواية التاريخية قدرة الإنسان على أن يتجاوز زمنه. الأولى تضعنا أمام أسئلة الحاضر، والثانية تتيح لنا أن نرى كيف تبدلت أشكال الأسئلة الإنسانية عبر العصور، وما الذي ظل منها عصيًا على التغيير.

فالسلطة، مثلًا، ليست اختراعًا حديثًا. تغيرت مؤسساتها وأدواتها، لكن سؤال علاقتها بالإنسان ظل قائمًا. وكذلك الخوف من المستقبل، والرغبة في الحب، والبحث عن العدالة، والصراع بين الحرية والجبرية، وبين ما يريده الإنسان وما يفرضه عليه المجتمع. قد يتغير اسم الحاكم، لكن سؤال الخضوع لا يختفي. وقد تتغير صورة المدينة، لكن الوحدة الإنسانية تستطيع أن تعبر القرون من دون أن تفقد معناها.

ومن هنا يمكن للرواية التاريخية أن تصبح رواية معاصرة بامتياز، كما يمكن للرواية الاجتماعية أن تتجاوز حدود زمانها ومكانها لتصبح رواية عن الإنسان في كل عصر.

لقد علّمتني دراسة الحضارة المصرية القديمة أن الماضي ليس عالمًا مغلقًا خلف أبواب المتاحف. حين أتأمل تمثالًا ملكيًا أو نصًا جنائزيًا أو بردية تسجل تفاصيل الحياة اليومية، لا أبحث فقط عن معلومة تخص زمنًا بعيدًا، بل أحاول أن أفهم كيف واجه الإنسان أسئلة الحياة والموت، وكيف صنع لنفسه معنى وسط عالم لم يكن يملك السيطرة الكاملة عليه.

وهذا ما أبحث عنه أيضًا في الأدب. لا أريد أن أكتب عن الماضي لمجرد أن الماضي مدهش، ولا عن الحاضر لمجرد أن الحاضر قريب. أريد أن أصل إلى تلك المنطقة التي يلتقي فيها التاريخ بالوجدان، والمعرفة بالخيال، والواقع بالحلم.

وربما يستطيع الروائي أن يجمع بين الرواية الاجتماعية والتاريخية في عمل واحد، لا بأن يحشر عصرين في حكاية واحدة، بل بأن يجعل الماضي مرآة للحاضر، ويجعل الحاضر مفتاحًا لفهم الماضي. فالحكاية التاريخية قد تكشف جذور سلوك اجتماعي معاصر، والحكاية الاجتماعية قد تحمل في داخلها أسئلة قديمة لم يجد الإنسان إجابات نهائية عنها.

إنني لا أؤمن بوجود نوع روائي أرقى من نوع آخر لمجرد موضوعه. ليست الرواية التاريخية أفضل لأنها تتناول حضارة عظيمة، وليست الرواية الاجتماعية أكثر قيمة لأنها تقترب من هموم الناس اليومية. المعيار الحقيقي هو قدرة الرواية على خلق عالم حي، وبناء شخصيات لا تُنسى، وطرح أسئلة تتجاوز الحكاية من دون أن تفسد متعتها.

قد يكتب روائي رواية عن عامل بسيط في القاهرة، فتفتح أمامنا أبوابًا لفهم السلطة والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية. وقد يكتب آخر عن كاتب في مصر القديمة، فيكشف لنا عن الخوف والطموح والوحدة والصراع على المعنى. وقد ينجح الاثنان في الوصول إلى الحقيقة الإنسانية نفسها، رغم اختلاف الزمان والمكان.

فالروائي العظيم لا يكتب عن زمن فحسب، بل يكتب عن الإنسان داخل الزمن. لا يكتفي بتسجيل ما حدث، بل يسأل عما كان يمكن أن يحدث، وما الذي جعل الشخصيات تختار طريقًا دون آخر، وما الذي بقي في داخلها بعد أن انتهت الحكاية.

في النهاية، ليست المفاضلة بين الرواية الاجتماعية والرواية التاريخية سوى مفاضلة بين طريقين يمكن أن يقودا إلى غاية واحدة. أحدهما يبدأ من الشارع الذي نسير فيه كل يوم، والآخر يبدأ من أطلال مدينة غادرها أهلها منذ آلاف السنين. لكن الطريقين يلتقيان عندما ينجح الروائي في أن يجعلنا نرى أنفسنا في حياة الآخرين.

وربما تكون الرواية الأجمل هي التي تجعل قارئها يغلق الكتاب، ثم ينظر إلى عالمه بعين مختلفة؛ فيرى في جاره حكاية لم يفهمها من قبل، وفي حجر قديم حياة كاملة، وفي حدث عابر سؤالًا عن المصير، وفي الإنسان العادي سرًا يستحق أن يُروى.

فالتاريخ، في نهاية الأمر، هو حياة بشر عاشوا قبلنا، والمجتمع هو حياة بشر يعيشون معنا. وبين هؤلاء وأولئك تقف الرواية، محاولةً أن تمنح الحياة صوتًا، وأن تنقذ الإنسان من أن يتحول إلى رقم في سجل التاريخ أو وجه عابر في زحام الحاضر.

ومن يكتب الإنسان بصدق، يستطيع أن يكتب رواية تستحق البقاء، سواء اختار أن يفتح نافذته على القاهرة اليوم، أم أن يعبر آلاف السنين ليقف في شوارع طيبة القديمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...