كان الباب مفتوحًا.
وقف رجل أمامه، يتأمل الضوء المتسلل من الخارج. خلفه وقف رجل آخر، يحمل مفتاحًا قديمًا في يده، وقال بصوت هادئ:
أنت الآن حر. تستطيع أن تخرج.
لم يتحرك الرجل.
نظر إلى الباب، ثم إلى المفتاح، وسأل:
وهل أستطيع أن أختار طريقًا آخر؟
لم يجبه حامل المفتاح.
كان الباب مفتوحًا حقًا، لكن المفتاح ظل في يد الرجل الذي فتحه.
وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال عمن فتح الباب، بل عمن يملك حق إغلاقه.
بعيدًا عن ذلك الباب المتخيل، كان حوار فكري يجري بين صديقين فلسطينيين، الدكتور عبد الرحمن بسيسو والدكتورة غانية ملحيس، على صفحات موقع «الأنطولوجيا». حوار بدأ بالعقل والنهضة العربية، ثم أخذ يتسع، تعقيبًا بعد تعقيب، حتى وصل إلى الإنسان نفسه: كرامته، وحريته، ومن يملك حق تحديد الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.
لم يكن حوارًا بين من يؤمن بالحرية ومن يعارضها، ولا بين من يدين الاستعمار ومن يبرره. كان اختلافًا بين رؤيتين تلتقيان عند الغاية الإنسانية، لكنهما تتساءلان عن الطريق إليها، وعن الأخطار التي قد تنشأ من داخل المشروع التحرري نفسه.
بدأ عبد الرحمن بمقال «خطاب العقل المنير»، الذي يعود أصله إلى أكثر من عقد. دعا فيه إلى حداثة عربية خاصة، لا تنقطع عن تراثها دون أن تنقده، ولا تستسلم للحداثة الغربية دون أن تفحصها، بل تستعيد قدرة الإنسان العربي على التفكير الحر وصناعة مستقبله.
العقل الذي يتطلع إليه عبد الرحمن ليس آلة للحساب ولا أداة لإنتاج المعرفة المجردة من الأخلاق. إنه عقل نقدي تحرري، تتصل قدرته على التفكير بقدرته على التمييز بين الخير والشر، وبين التقدم الذي يخدم الإنسان والتقدم الذي يحوله إلى ضحية.
قرأت غانية المقال، ووجدت في مشروعه ما يستحق الحوار. لكنها وضعت أمام العقل المنير سؤالًا لم يكن حاضرًا بالتفصيل في النص التأسيسي:
هل يستطيع العقل الذي ينقد التراث والواقع والآخر أن ينقد نفسه أيضًا؟
كان السؤال كمن يضع مرآة أمام مصباح.
فالمصباح يضيء ما أمامه، لكنه قد يترك خلفه ظلالًا لا يراها.
رد عبد الرحمن بأن العقل لا يستحق صفة الإنارة ما لم يكن قادرًا على نقد نفسه ومراجعة أفكاره ووسائله ونتائجه. بدا الاتفاق واضحًا، وكأن الحوار وجد أرضه المشتركة.
لكن الأسئلة، حين تكون حقيقية، لا تتوقف عند أول جواب.
فقد ميز عبد الرحمن بين العقل الإنساني المنير والعقل البشري المتوحش، ثم وسع رؤيته إلى ثلاثة أنماط: عقل بشري بيولوجي محض، وعقل إنساني منير، وعقل بشري متوحش. ورأى أن الإنسانية، بمعناها الأخلاقي، ليست مجرد صفة تتحقق بالولادة، بل منزلة يرقى إليها الإنسان بسلوكه وقيمه، وقد ينحدر عنها حين يسخر قدراته للهيمنة والتدمير.
وكانت غزة حاضرة في قلب هذا التمييز.
فهناك، حيث تتحول المعرفة العلمية والتقنيات المتقدمة إلى أدوات للقتل والدمار، يصبح السؤال عن أخلاق العقل أكثر إلحاحًا من السؤال عن مقدار ذكائه.
ما قيمة عقل يستطيع أن يرى الإنسان من السماء، وأن يحسب حركته بدقة، ثم يعجز عن الاعتراف بحقه في الحياة؟
لكن غانية لم تكتف بإدانة التوحش، وهي تشارك عبد الرحمن هذه الإدانة. لقد سألت عن المفهوم نفسه:
إذا كانت الإنسانية مرتبة يكتسبها الإنسان أو يفقدها، فمن يملك حق تقرير من بلغها ومن سقط منها؟
وهل نحتاج إلى نزع صفة الإنسان عن مرتكب الجريمة لكي ندين جريمته؟
كانت تدافع عن فرق دقيق بين إنسانية الإنسان، وكرامته الأصيلة، وسلوكه الأخلاقي. فالبشر لا يتساوون في أفعالهم، ولا في مسؤولياتهم عن الخير والشر، لكنهم لا يفقدون كرامتهم الأساسية لمجرد أن أفعالهم تستحق الإدانة والعقاب.
أما عبد الرحمن فكان يخشى أن تتحول المراجعة المتواصلة للمعايير إلى نسبية تذيب الحدود الأخلاقية بين المعتدي والمعتدى عليه، وتضعف قدرة الإنسان المقاوم على مواجهة الظلم.
واستمر الحوار.
دخلت إليه أسئلة القانون الدولي وحقوق الإنسان، والعلاقة بين المبادئ العالمية ومؤسسات القوة التي تتحدث باسمها، وشروط بناء العقل الحر في المدرسة والجامعة والمجتمع، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي وإمكان استخدام التقنية في الهيمنة أو في التفكير النقدي.
وفي الثامن عشر من أكتوبر 2026، عادت غانية بمقال جديد حمل عنوانًا يلخص موقفها: «في أفق التحرر الإنساني: الكرامة معيارًا ثابتًا والعقل ممارسة نقدية لا تتوقف».
كان عبد الرحمن يريد للعقل أن يمتلك بوصلة أخلاقية لا تضيع في ظلمات التوحش.
وكانت غانية تريد لهذه البوصلة ألا تتحول، هي نفسها، إلى سلطة تحدد للآخرين إنسانيتهم وحدود حريتهم.
وهنا، بين البوصلة والمرآة، خرج سؤال ثالث من الحوار.
لم يعد السؤال وحده كيف نصنع عقلًا منيرًا، بل كيف نضمن ألا يصبح هذا العقل، حين يمتلك السلطة، وصيًا على الإنسان الذي جاء لتحريره؟
في ساحة بعيدة، كان الناس يحتفلون بسقوط طاغية.
وجوه أرهقها الخوف، وأيدٍ ترفع الأعلام، وأمهات يفتحن النوافذ لأول مرة دون أن يلتفتن وراءهن. رجل عجوز يبكي، وطفل يصعد على كتفي أبيه ليرى المستقبل الذي وعدوه به.
كان الجميع يرددون كلمة واحدة: الحرية.
تمر السنوات.
الساحة نفسها، والأعلام نفسها، وربما الصور والشعارات نفسها. لكن الوجوه تغيرت.
أصبح الرجل الذي هتف يومًا ضد الخوف يتردد قبل أن يتحدث. وأصبح الكاتب يراجع كلماته خشية أن يُتهم بالإساءة إلى الثورة. وأصبح الاختلاف مع السلطة اختلافًا مع الوطن، والاعتراض على القائد اعتراضًا على التاريخ الذي أوصله إلى موقعه.
لم تختف كلمة الحرية من اللافتات.
الذي اختفى هو حق الإنسان في استخدامها ضد من رفعوها.
كيف يحدث ذلك؟
كيف يستطيع مشروع ولد من مقاومة الاستبداد أن يعيد إنتاج بعض أدواته؟
ربما لا تبدأ المأساة دائمًا بالخيانة المتعمدة، بل باليقين المطلق.
حين يعتقد أصحاب المشروع أنهم يعرفون وحدهم الطريق إلى خلاص المجتمع، يصبح المختلف عقبة في الطريق، ويصبح النقد خطرًا على الوحدة، ويصبح تأجيل الحرية ضرورة لحماية الحرية نفسها.
ثم يطول التأجيل.
ويكبر الطفل الذي ركب كتفي أبيه يوم الاحتفال، ليجد أن عليه أن يستأذن قبل أن يسأل.
هنا لا تكفي النوايا الطيبة، ولا الشعارات العظيمة، ولا التضحيات التي قدمها أصحاب المشروع في الماضي.
فالذين ضحوا من أجل الحرية لا يحصلون بتضحياتهم على ملكيتها.
والذين فتحوا أبواب السجون لا يكتسبون بذلك حق الاحتفاظ بمفاتيحها إلى الأبد.
لكن الحرية ليست طريقًا بلا حدود أخلاقية.
فحق الإنسان في الاختلاف لا يمنحه حق الاعتداء على الآخرين، ولا يجعل الجلاد والضحية في منزلة واحدة من المسؤولية. والمساواة في الكرامة لا تعني المساواة في الأفعال، كما أن رفض نزع الإنسانية عن الجاني لا يعني تبرئته.
يمكن أن ندين الجريمة بأشد العبارات، وأن نطالب بمحاسبة مرتكبها، دون أن نضع أنفسنا في موقع من يمنح صفة الإنسان أو يسحبها.
ويمكن أن نتمسك بقيم الحرية والعدالة والكرامة دون أن نزعم أن فهمنا لها اكتمل، أو أن تطبيقنا لها أصبح فوق النقد.
لعل هذه هي المسافة الدقيقة التي كشفها الحوار بين عبد الرحمن وغانية: المسافة بين الثبات الأخلاقي والجمود الفكري، وبين نقد القيم وتفريغها من معناها.
فنحن بحاجة إلى عقل يرفض تبرير الظلم، لكننا بحاجة أيضًا إلى عقل لا يستخدم رفض الظلم ذريعة لمنع مساءلته.
وما أصعب أن يدافع الإنسان عن فكرة بكل ما يملك، ثم يقبل أن يناقشه فيها من يختلف معه.
وما أصعب أن يمتلك السلطة، ثم يعترف بأن من يعارضه لا يقل عنه حقًا في الحرية.
في فلسطين، يبدو هذا السؤال أكثر من تمرين فلسفي.
هناك طفل يكبر وهو يعرف الحواجز قبل أن يعرف خرائط العالم، وأم تحتفظ بمفتاح بيت غابت عنه أجيال، وشاب يحلم بالسفر دون تصريح، وأسرة في غزة تبحث بين الركام عن صورة لم تنجُ من الحرب.
هنا لا تكون الحرية كلمة مجردة.
إنها الأرض والبيت والخبز والأمان، وحق الإنسان في ألا يقرر المحتل مصيره.
لكن الفلسطيني الذي يحلم بالتحرر من الاحتلال لا ينبغي أن يؤجل سؤاله عن المجتمع الذي يريد بناءه بعد التحرر.
أي وطن نريد؟
وطنًا يستطيع فيه المواطن أن ينتقد رئيسه دون خوف؟ وأن يسأل عن المال العام دون أن يصبح متهمًا؟ وأن يختلف مع الحزب الذي ينتمي إليه دون أن يُطرد من الوطنية؟
هل نريد جامعة تُعلّم طلابها كيف يفكرون، أم كيف يرددون الإجابات المقبولة؟
هل نريد إعلامًا يحاسب السلطة، أم إعلامًا يشرح للناس لماذا ينبغي أن يصمتوا احترامًا لها؟
وهل تكون المرأة حرة حين يقرر الآخرون، باسم المجتمع أو التقاليد أو حتى باسم مصلحتها، ما الذي يجوز لها أن تختاره من حياتها؟
هذه الأسئلة ليست بديلًا عن التحرر الوطني، ولا مساومة عليه، ولا شرطًا مسبقًا يفرضه أحد على شعب يرزح تحت الاحتلال.
إنها أسئلة عن معنى ذلك التحرر نفسه.
فلا يكفي أن نعرف ممن نريد أن نتحرر؛ ينبغي أن نعرف أيضًا أي حياة نريد أن نعيشها عندما نتحرر.
والخطر أن نخرج من وصاية مفروضة علينا من الخارج، لنجد أنفسنا أمام وصاية جديدة نشأت من داخل بيتنا.
أن يتغير صاحب المفتاح، ويبقى الباب خاضعًا لإرادته.
---
وهنا يعود سؤال ظل يرافقني وأنا أقرأ تعقيبات الصديقين:
هل يستطيع الإنسان أن يحرر إنسانًا آخر؟
قد يفتح له بابًا، ويزيل قيدًا، ويدافع عن حقه، ويبني معه مدرسة ومؤسسة ومجتمعًا يتيح له أن يفكر ويختار.
قد يضحي من أجله، ويقف إلى جانبه حين يشتد الظلم.
لكنه لا يستطيع أن يعيش حريته نيابة عنه.
ولا أن يفكر بدلًا منه إلى الأبد.
ولا أن يحدد له، مهما بلغت حكمته، الشكل الوحيد للحياة الجديرة بأن تُعاش.
فالإنسان ليس تمثالًا ينتظر نحاتًا عبقريًا يحرره من الحجر.
إنه كائن حي، يتعلم ويخطئ ويكتشف ويغير رأيه، وقد يختار طريقًا لا يعجب من ساعدوه على الوصول إلى مفترق الطرق.
وهنا يُختبر معنى التحرر.
ليس حين يتفق معنا الإنسان الذي ندافع عن حريته، بل حين يختلف معنا.
ليس حين يصفق لأفكارنا، بل حين يعترض عليها.
وليس حين يسلك الطريق الذي فتحناه له، بل حين يختار طريقًا آخر، ما دام لا يسلب الآخرين حقهم في الاختيار.
ولعل أقسى امتحان لأي مشروع تحرري يأتي بعد انتصاره، حين يصبح قادرًا على منع الاختلاف، لكنه يختار ألا يمنعه.
عندها فقط نعرف أن الحرية لم تكن مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل قيمة تستحق الحماية حتى من أصحاب السلطة أنفسهم.
لا أكتب هذه الكلمات لأحكم بين عبد الرحمن بسيسو وغانية ملحيس.
فقد وجدت في حوارهما ما يستحق أن نحافظ عليه قبل أن نحاول الإجابة عن أسئلته: أن يختلف صديقان حول معنى الإنسانية، وأن يواصلا التفكير، وأن يفتح كل منهما للآخر بابًا جديدًا، حتى حين تشتد عباراتهما وتتباعد استنتاجاتهما.
لكن الحوار يصبح أكثر قيمة عندما لا يبقى ملكًا للمتحاورين.
حين يغادر صفحاتهما، ويدخل حياة القارئ، ويجعله يسائل أفكاره هو أيضًا.
فنحن الذين نطالب بالحرية، هل نحتمل فعلًا من يختلف معنا؟
ونحن الذين نرفض الاستبداد، هل نرفضه حين يمارسه من نحبهم أو ننتمي إلى مشروعهم؟
ونحن الذين نرفع راية العقل النقدي، هل نقبل أن يوجه نقده إلينا، لا إلى خصومنا وحدهم؟
ليس لدي جواب نهائي.
وربما تبدأ الحكمة من الاعتراف بأننا لا نملك الحق في احتكار الجواب.
ما زال الرجل واقفًا أمام الباب.
الضوء في الخارج يزداد وضوحًا، والطريق الذي اختاره له حامل المفتاح يمتد مستقيمًا إلى الأفق.
لكن الرجل يرى دربًا آخر، ينعطف خلف الأشجار، ولا يعرف إلى أين ينتهي.
يلتفت إلى حامل المفتاح.
أريد أن أسلك ذلك الدرب.
ينظر الرجل إلى المفتاح في يده.
وللمرة الأولى، يدرك أن الباب الذي فتحه لا يمنحه ملكية الطرق التي تقع وراءه.
يفتح كفه.
يسقط المفتاح على الأرض.
ويمضي الرجل في طريقه.
لا نعرف إن كان الطريق الذي اختاره أفضل، ولا إن كان سيصل إلى المكان الذي يحلم به.
لكن أحدًا لم يعد يقرر ذلك نيابة عنه.
ويبقى الباب مفتوحًا.
فالحرية لا تكتمل حين نفتح للإنسان الباب الذي اخترناه له، بل حين نعترف بحقه في أن يسلك الطريق الذي لم نختره نحن.
يحيى بركات
19/10/2026
ن
وقف رجل أمامه، يتأمل الضوء المتسلل من الخارج. خلفه وقف رجل آخر، يحمل مفتاحًا قديمًا في يده، وقال بصوت هادئ:
أنت الآن حر. تستطيع أن تخرج.
لم يتحرك الرجل.
نظر إلى الباب، ثم إلى المفتاح، وسأل:
وهل أستطيع أن أختار طريقًا آخر؟
لم يجبه حامل المفتاح.
كان الباب مفتوحًا حقًا، لكن المفتاح ظل في يد الرجل الذي فتحه.
وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال عمن فتح الباب، بل عمن يملك حق إغلاقه.
بعيدًا عن ذلك الباب المتخيل، كان حوار فكري يجري بين صديقين فلسطينيين، الدكتور عبد الرحمن بسيسو والدكتورة غانية ملحيس، على صفحات موقع «الأنطولوجيا». حوار بدأ بالعقل والنهضة العربية، ثم أخذ يتسع، تعقيبًا بعد تعقيب، حتى وصل إلى الإنسان نفسه: كرامته، وحريته، ومن يملك حق تحديد الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.
لم يكن حوارًا بين من يؤمن بالحرية ومن يعارضها، ولا بين من يدين الاستعمار ومن يبرره. كان اختلافًا بين رؤيتين تلتقيان عند الغاية الإنسانية، لكنهما تتساءلان عن الطريق إليها، وعن الأخطار التي قد تنشأ من داخل المشروع التحرري نفسه.
بدأ عبد الرحمن بمقال «خطاب العقل المنير»، الذي يعود أصله إلى أكثر من عقد. دعا فيه إلى حداثة عربية خاصة، لا تنقطع عن تراثها دون أن تنقده، ولا تستسلم للحداثة الغربية دون أن تفحصها، بل تستعيد قدرة الإنسان العربي على التفكير الحر وصناعة مستقبله.
العقل الذي يتطلع إليه عبد الرحمن ليس آلة للحساب ولا أداة لإنتاج المعرفة المجردة من الأخلاق. إنه عقل نقدي تحرري، تتصل قدرته على التفكير بقدرته على التمييز بين الخير والشر، وبين التقدم الذي يخدم الإنسان والتقدم الذي يحوله إلى ضحية.
قرأت غانية المقال، ووجدت في مشروعه ما يستحق الحوار. لكنها وضعت أمام العقل المنير سؤالًا لم يكن حاضرًا بالتفصيل في النص التأسيسي:
هل يستطيع العقل الذي ينقد التراث والواقع والآخر أن ينقد نفسه أيضًا؟
كان السؤال كمن يضع مرآة أمام مصباح.
فالمصباح يضيء ما أمامه، لكنه قد يترك خلفه ظلالًا لا يراها.
رد عبد الرحمن بأن العقل لا يستحق صفة الإنارة ما لم يكن قادرًا على نقد نفسه ومراجعة أفكاره ووسائله ونتائجه. بدا الاتفاق واضحًا، وكأن الحوار وجد أرضه المشتركة.
لكن الأسئلة، حين تكون حقيقية، لا تتوقف عند أول جواب.
فقد ميز عبد الرحمن بين العقل الإنساني المنير والعقل البشري المتوحش، ثم وسع رؤيته إلى ثلاثة أنماط: عقل بشري بيولوجي محض، وعقل إنساني منير، وعقل بشري متوحش. ورأى أن الإنسانية، بمعناها الأخلاقي، ليست مجرد صفة تتحقق بالولادة، بل منزلة يرقى إليها الإنسان بسلوكه وقيمه، وقد ينحدر عنها حين يسخر قدراته للهيمنة والتدمير.
وكانت غزة حاضرة في قلب هذا التمييز.
فهناك، حيث تتحول المعرفة العلمية والتقنيات المتقدمة إلى أدوات للقتل والدمار، يصبح السؤال عن أخلاق العقل أكثر إلحاحًا من السؤال عن مقدار ذكائه.
ما قيمة عقل يستطيع أن يرى الإنسان من السماء، وأن يحسب حركته بدقة، ثم يعجز عن الاعتراف بحقه في الحياة؟
لكن غانية لم تكتف بإدانة التوحش، وهي تشارك عبد الرحمن هذه الإدانة. لقد سألت عن المفهوم نفسه:
إذا كانت الإنسانية مرتبة يكتسبها الإنسان أو يفقدها، فمن يملك حق تقرير من بلغها ومن سقط منها؟
وهل نحتاج إلى نزع صفة الإنسان عن مرتكب الجريمة لكي ندين جريمته؟
كانت تدافع عن فرق دقيق بين إنسانية الإنسان، وكرامته الأصيلة، وسلوكه الأخلاقي. فالبشر لا يتساوون في أفعالهم، ولا في مسؤولياتهم عن الخير والشر، لكنهم لا يفقدون كرامتهم الأساسية لمجرد أن أفعالهم تستحق الإدانة والعقاب.
أما عبد الرحمن فكان يخشى أن تتحول المراجعة المتواصلة للمعايير إلى نسبية تذيب الحدود الأخلاقية بين المعتدي والمعتدى عليه، وتضعف قدرة الإنسان المقاوم على مواجهة الظلم.
واستمر الحوار.
دخلت إليه أسئلة القانون الدولي وحقوق الإنسان، والعلاقة بين المبادئ العالمية ومؤسسات القوة التي تتحدث باسمها، وشروط بناء العقل الحر في المدرسة والجامعة والمجتمع، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي وإمكان استخدام التقنية في الهيمنة أو في التفكير النقدي.
وفي الثامن عشر من أكتوبر 2026، عادت غانية بمقال جديد حمل عنوانًا يلخص موقفها: «في أفق التحرر الإنساني: الكرامة معيارًا ثابتًا والعقل ممارسة نقدية لا تتوقف».
كان عبد الرحمن يريد للعقل أن يمتلك بوصلة أخلاقية لا تضيع في ظلمات التوحش.
وكانت غانية تريد لهذه البوصلة ألا تتحول، هي نفسها، إلى سلطة تحدد للآخرين إنسانيتهم وحدود حريتهم.
وهنا، بين البوصلة والمرآة، خرج سؤال ثالث من الحوار.
لم يعد السؤال وحده كيف نصنع عقلًا منيرًا، بل كيف نضمن ألا يصبح هذا العقل، حين يمتلك السلطة، وصيًا على الإنسان الذي جاء لتحريره؟
في ساحة بعيدة، كان الناس يحتفلون بسقوط طاغية.
وجوه أرهقها الخوف، وأيدٍ ترفع الأعلام، وأمهات يفتحن النوافذ لأول مرة دون أن يلتفتن وراءهن. رجل عجوز يبكي، وطفل يصعد على كتفي أبيه ليرى المستقبل الذي وعدوه به.
كان الجميع يرددون كلمة واحدة: الحرية.
تمر السنوات.
الساحة نفسها، والأعلام نفسها، وربما الصور والشعارات نفسها. لكن الوجوه تغيرت.
أصبح الرجل الذي هتف يومًا ضد الخوف يتردد قبل أن يتحدث. وأصبح الكاتب يراجع كلماته خشية أن يُتهم بالإساءة إلى الثورة. وأصبح الاختلاف مع السلطة اختلافًا مع الوطن، والاعتراض على القائد اعتراضًا على التاريخ الذي أوصله إلى موقعه.
لم تختف كلمة الحرية من اللافتات.
الذي اختفى هو حق الإنسان في استخدامها ضد من رفعوها.
كيف يحدث ذلك؟
كيف يستطيع مشروع ولد من مقاومة الاستبداد أن يعيد إنتاج بعض أدواته؟
ربما لا تبدأ المأساة دائمًا بالخيانة المتعمدة، بل باليقين المطلق.
حين يعتقد أصحاب المشروع أنهم يعرفون وحدهم الطريق إلى خلاص المجتمع، يصبح المختلف عقبة في الطريق، ويصبح النقد خطرًا على الوحدة، ويصبح تأجيل الحرية ضرورة لحماية الحرية نفسها.
ثم يطول التأجيل.
ويكبر الطفل الذي ركب كتفي أبيه يوم الاحتفال، ليجد أن عليه أن يستأذن قبل أن يسأل.
هنا لا تكفي النوايا الطيبة، ولا الشعارات العظيمة، ولا التضحيات التي قدمها أصحاب المشروع في الماضي.
فالذين ضحوا من أجل الحرية لا يحصلون بتضحياتهم على ملكيتها.
والذين فتحوا أبواب السجون لا يكتسبون بذلك حق الاحتفاظ بمفاتيحها إلى الأبد.
لكن الحرية ليست طريقًا بلا حدود أخلاقية.
فحق الإنسان في الاختلاف لا يمنحه حق الاعتداء على الآخرين، ولا يجعل الجلاد والضحية في منزلة واحدة من المسؤولية. والمساواة في الكرامة لا تعني المساواة في الأفعال، كما أن رفض نزع الإنسانية عن الجاني لا يعني تبرئته.
يمكن أن ندين الجريمة بأشد العبارات، وأن نطالب بمحاسبة مرتكبها، دون أن نضع أنفسنا في موقع من يمنح صفة الإنسان أو يسحبها.
ويمكن أن نتمسك بقيم الحرية والعدالة والكرامة دون أن نزعم أن فهمنا لها اكتمل، أو أن تطبيقنا لها أصبح فوق النقد.
لعل هذه هي المسافة الدقيقة التي كشفها الحوار بين عبد الرحمن وغانية: المسافة بين الثبات الأخلاقي والجمود الفكري، وبين نقد القيم وتفريغها من معناها.
فنحن بحاجة إلى عقل يرفض تبرير الظلم، لكننا بحاجة أيضًا إلى عقل لا يستخدم رفض الظلم ذريعة لمنع مساءلته.
وما أصعب أن يدافع الإنسان عن فكرة بكل ما يملك، ثم يقبل أن يناقشه فيها من يختلف معه.
وما أصعب أن يمتلك السلطة، ثم يعترف بأن من يعارضه لا يقل عنه حقًا في الحرية.
في فلسطين، يبدو هذا السؤال أكثر من تمرين فلسفي.
هناك طفل يكبر وهو يعرف الحواجز قبل أن يعرف خرائط العالم، وأم تحتفظ بمفتاح بيت غابت عنه أجيال، وشاب يحلم بالسفر دون تصريح، وأسرة في غزة تبحث بين الركام عن صورة لم تنجُ من الحرب.
هنا لا تكون الحرية كلمة مجردة.
إنها الأرض والبيت والخبز والأمان، وحق الإنسان في ألا يقرر المحتل مصيره.
لكن الفلسطيني الذي يحلم بالتحرر من الاحتلال لا ينبغي أن يؤجل سؤاله عن المجتمع الذي يريد بناءه بعد التحرر.
أي وطن نريد؟
وطنًا يستطيع فيه المواطن أن ينتقد رئيسه دون خوف؟ وأن يسأل عن المال العام دون أن يصبح متهمًا؟ وأن يختلف مع الحزب الذي ينتمي إليه دون أن يُطرد من الوطنية؟
هل نريد جامعة تُعلّم طلابها كيف يفكرون، أم كيف يرددون الإجابات المقبولة؟
هل نريد إعلامًا يحاسب السلطة، أم إعلامًا يشرح للناس لماذا ينبغي أن يصمتوا احترامًا لها؟
وهل تكون المرأة حرة حين يقرر الآخرون، باسم المجتمع أو التقاليد أو حتى باسم مصلحتها، ما الذي يجوز لها أن تختاره من حياتها؟
هذه الأسئلة ليست بديلًا عن التحرر الوطني، ولا مساومة عليه، ولا شرطًا مسبقًا يفرضه أحد على شعب يرزح تحت الاحتلال.
إنها أسئلة عن معنى ذلك التحرر نفسه.
فلا يكفي أن نعرف ممن نريد أن نتحرر؛ ينبغي أن نعرف أيضًا أي حياة نريد أن نعيشها عندما نتحرر.
والخطر أن نخرج من وصاية مفروضة علينا من الخارج، لنجد أنفسنا أمام وصاية جديدة نشأت من داخل بيتنا.
أن يتغير صاحب المفتاح، ويبقى الباب خاضعًا لإرادته.
---
وهنا يعود سؤال ظل يرافقني وأنا أقرأ تعقيبات الصديقين:
هل يستطيع الإنسان أن يحرر إنسانًا آخر؟
قد يفتح له بابًا، ويزيل قيدًا، ويدافع عن حقه، ويبني معه مدرسة ومؤسسة ومجتمعًا يتيح له أن يفكر ويختار.
قد يضحي من أجله، ويقف إلى جانبه حين يشتد الظلم.
لكنه لا يستطيع أن يعيش حريته نيابة عنه.
ولا أن يفكر بدلًا منه إلى الأبد.
ولا أن يحدد له، مهما بلغت حكمته، الشكل الوحيد للحياة الجديرة بأن تُعاش.
فالإنسان ليس تمثالًا ينتظر نحاتًا عبقريًا يحرره من الحجر.
إنه كائن حي، يتعلم ويخطئ ويكتشف ويغير رأيه، وقد يختار طريقًا لا يعجب من ساعدوه على الوصول إلى مفترق الطرق.
وهنا يُختبر معنى التحرر.
ليس حين يتفق معنا الإنسان الذي ندافع عن حريته، بل حين يختلف معنا.
ليس حين يصفق لأفكارنا، بل حين يعترض عليها.
وليس حين يسلك الطريق الذي فتحناه له، بل حين يختار طريقًا آخر، ما دام لا يسلب الآخرين حقهم في الاختيار.
ولعل أقسى امتحان لأي مشروع تحرري يأتي بعد انتصاره، حين يصبح قادرًا على منع الاختلاف، لكنه يختار ألا يمنعه.
عندها فقط نعرف أن الحرية لم تكن مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل قيمة تستحق الحماية حتى من أصحاب السلطة أنفسهم.
لا أكتب هذه الكلمات لأحكم بين عبد الرحمن بسيسو وغانية ملحيس.
فقد وجدت في حوارهما ما يستحق أن نحافظ عليه قبل أن نحاول الإجابة عن أسئلته: أن يختلف صديقان حول معنى الإنسانية، وأن يواصلا التفكير، وأن يفتح كل منهما للآخر بابًا جديدًا، حتى حين تشتد عباراتهما وتتباعد استنتاجاتهما.
لكن الحوار يصبح أكثر قيمة عندما لا يبقى ملكًا للمتحاورين.
حين يغادر صفحاتهما، ويدخل حياة القارئ، ويجعله يسائل أفكاره هو أيضًا.
فنحن الذين نطالب بالحرية، هل نحتمل فعلًا من يختلف معنا؟
ونحن الذين نرفض الاستبداد، هل نرفضه حين يمارسه من نحبهم أو ننتمي إلى مشروعهم؟
ونحن الذين نرفع راية العقل النقدي، هل نقبل أن يوجه نقده إلينا، لا إلى خصومنا وحدهم؟
ليس لدي جواب نهائي.
وربما تبدأ الحكمة من الاعتراف بأننا لا نملك الحق في احتكار الجواب.
ما زال الرجل واقفًا أمام الباب.
الضوء في الخارج يزداد وضوحًا، والطريق الذي اختاره له حامل المفتاح يمتد مستقيمًا إلى الأفق.
لكن الرجل يرى دربًا آخر، ينعطف خلف الأشجار، ولا يعرف إلى أين ينتهي.
يلتفت إلى حامل المفتاح.
أريد أن أسلك ذلك الدرب.
ينظر الرجل إلى المفتاح في يده.
وللمرة الأولى، يدرك أن الباب الذي فتحه لا يمنحه ملكية الطرق التي تقع وراءه.
يفتح كفه.
يسقط المفتاح على الأرض.
ويمضي الرجل في طريقه.
لا نعرف إن كان الطريق الذي اختاره أفضل، ولا إن كان سيصل إلى المكان الذي يحلم به.
لكن أحدًا لم يعد يقرر ذلك نيابة عنه.
ويبقى الباب مفتوحًا.
فالحرية لا تكتمل حين نفتح للإنسان الباب الذي اخترناه له، بل حين نعترف بحقه في أن يسلك الطريق الذي لم نختره نحن.
يحيى بركات
19/10/2026
ن