نتنياهو والمفاوضات مع الفلسطينيين: هل يتغير النهج أم تستمر إدارة الصراع؟

نتنياهو والمفاوضات مع الفلسطينيين: هل يتغير النهج أم تستمر إدارة الصراع؟



بقلم: المحامي علي أبوحبلة



تثير الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 تساؤلات تتجاوز نتائجها المباشرة، لتطال مستقبل السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وحدود التأثير الأميركي في توجهات الحكومة المقبلة، وإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى مسار سياسي جاد يفضي إلى تسوية عادلة وشاملة. وفي هذا السياق، يبرز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوصفه تطوراً سياسياً يستحق القراءة في ضوء العلاقات الأميركية الإسرائيلية وموازين القوى الداخلية في إسرائيل.



غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يستطيع نتنياهو تغيير نهجه تجاه الفلسطينيين، والانتقال إلى مفاوضات حقيقية، أم أن الاعتبارات الانتخابية والائتلافية ستبقي السياسة الإسرائيلية ضمن إطار إدارة الصراع بدلاً من العمل على إنهائه؟



من الناحية السياسية، لا يمكن استبعاد حدوث مراجعات في المواقف أو تغييرات في أساليب التعامل مع الملفات الإقليمية، خصوصاً عندما تتبدل حسابات المصالح أو تتزايد الضغوط الدولية. لكن التمييز ضروري بين الانفتاح على مفاوضات محدودة أو تفاهمات مرحلية، وبين تبني مسار سياسي واضح يعالج القضايا الجوهرية للصراع، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، والحدود، والقدس، والمستوطنات، وحقوق اللاجئين، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.



وتكشف التجربة التاريخية أن التحولات السياسية الكبرى لا ترتبط بالخطاب وحده، بل بمدى استعداد القيادات لاتخاذ قرارات تتجاوز الحسابات الآنية. فقد أقدم مناحيم بيغن على توقيع معاهدة السلام مع مصر، بما ترتب عليها من انسحاب إسرائيلي من سيناء، فيما دخل إسحق رابين في مسار اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية. ومع اختلاف السياقات والأهداف والنتائج، تؤكد هاتان التجربتان أن الانتقال إلى مسار تفاوضي يرتبط بتوافر إرادة سياسية وشروط إقليمية ودولية تساعد على اتخاذ قرارات استراتيجية.



أما في حالة نتنياهو، فإن تقييم احتمالات التغيير يستدعي النظر إلى مواقفه المعلنة تجاه قيام دولة فلسطينية، وإلى طبيعة الائتلافات التي يستند إليها، فضلاً عن التوازنات داخل المجتمع الإسرائيلي. فوجود قوى سياسية تدعو إلى مواصلة التشدد في الملفات الأمنية والاستيطانية يفرض قيوداً على أي توجه نحو تسوية تتطلب تنازلات متبادلة وقرارات بعيدة المدى. وفي المقابل، لا يعني ذلك استحالة التفاوض، لكنه يجعل الحكم على أي تحول مرهوناً بمضمونه ونتائجه العملية.



ويكتسب الدعم الأميركي أهمية خاصة في هذا السياق. فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب تتجاوز الروابط الشخصية بين القيادات، وترتبط بمصالح استراتيجية وأمنية وإقليمية. ومن ثم، فإن تأثير هذا الدعم في المسار السياسي يتوقف على طبيعة الموقف الأميركي من قضايا الاستيطان، وضم الأراضي، ومستقبل قطاع غزة، وضرورة التوصل إلى تسوية سياسية تضمن الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.



وإذا أرادت الإدارة الأميركية تحويل نفوذها السياسي إلى فرصة حقيقية للسلام، فإن المطلوب يتجاوز التصريحات الداعمة لهذا الطرف أو ذاك، ليشمل تحركاً دبلوماسياً واضحاً، وتشجيعاً على وقف الإجراءات الأحادية، والالتزام بمرجعيات القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. فالاستقرار لا يتحقق بمعالجة النتائج الأمنية وحدها، ما دامت الأسباب السياسية للصراع قائمة دون حل.



وعربياً وفلسطينياً، تبرز الحاجة إلى مقاربة متماسكة تقوم على توحيد الموقف الفلسطيني، وتعزيز الشرعية المؤسسية، وتفعيل التحرك الدبلوماسي العربي، وربط أي ترتيبات مرحلية بأفق سياسي واضح. فالمفاوضات التي لا تستند إلى مرجعية محددة وضمانات عملية قد تتحول إلى عملية مفتوحة لا تحقق تقدماً ملموساً في القضايا الأساسية، فيما تتواصل الوقائع الميدانية التي تزيد فرص التسوية تعقيداً.



ويظل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، أحد المرتكزات الأساسية للتسوية التي تنسجم مع قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. كما أن تحقيق السلام المستدام يتطلب معالجة القضايا النهائية بصورة عادلة، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتوفير ترتيبات أمنية وسياسية لا تنتقص من حقه في تقرير مصيره.



إن الاختبار الحقيقي لمرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية لن يكون في أسماء الوزراء أو طبيعة الائتلاف الحكومي وحدها، بل في القرارات التي ستتخذها الحكومة تجاه الفلسطينيين، ومدى استعدادها للانتقال من إدارة الصراع إلى تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.



فالتغيير لا يُقاس بالتصريحات ولا بالتحالفات الانتخابية، بل بوقف الإجراءات التي تقوض فرص السلام، واحترام القانون الدولي، والاستعداد للتفاوض على أساس الحقوق والالتزامات المتبادلة. أما الرهان على تبدل الأشخاص دون تغيير السياسات، فلن يكون كافياً لفتح أفق سياسي جديد.



المطلوب اليوم ليس مجرد استئناف المفاوضات، بل توفير شروط نجاحها، وضمان ألا تبقى غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإنهاء الاحتلال وتحقيق سلام عادل وشامل يضمن الأمن والاستقرار والحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.



المحامي علي أبوحبلة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...