عبد الواحد المكني - أشهر قصيدة بذيئة في تاريخ تونس زمن الاستعمار الفرنسي : أدب الهامشية أم صنف من ال

راجت هذه القصيدة في تونس و أقطار المغارب منذ ثلاثة أرباع قرن مثيرة للتسلية والترويح ،إذ صنفت ضمن أدب ”النكاح و الباءة” منافسة كتاب ”الروض العاطر ” للشيخ النفزاوي ذلك المصنف المشهور في آداب النكاح و ”علومه” الذي ترجم إلى عديد اللغات اليوم.

هذه القصيدة تعرف ب”ملزومة الكافي” فهي من نظم الشاعر الشعبي التونسي عبد الرحمان الكافي المعروف بأشعاره الناقدة و الساخرة و المتمردة في عشرينات القرن العشرين مما جلب له سخط المحافظين و سجون السلطات الاستعمارية مرارا.

اشتهرت هذه القصيدة ببذاءتها لا بحسن نظمها و بديع معانيها فقد “لزم فيها مؤلفها ما لا يلزم” من بذيء القول الناقم على الوضع و المتبرم من الاستعمار و أذنابه وقد ذاع صيت ”الملزومة” في حين ظل صاحبها منسيا مغمورا ولم يقع التعرض إلي مساره الشخصي كفاعل و مناضل ضد الاستعمار إلا – لماما – في بحوث بعض الأكاديميين الذين اهتموا بتاريخ النضال الشعبي التونسي ضد الاستعمار.

لم يكن عبد الرحمان الكافي نكرة في زمانه و لم يكن منفردا بهذا الصنف من الأدب الساخط و المقاوم سواء في تونس أو في باقي البلاد العربية زمن الاحتلال الأجنبي وقد لاحظت أن ” الملزومة” تداولها البعض مصادفة في سياق المزاح و الترفيه أكثر من نسبتها إلى واقعها التاريخي فبرزت في بعض المقاطع و المواقع الالكترونية في شكل “طرفة” عابرة و استثنائية ولم يقع – إلا فيما ندر- الاهتمام بمحيطها البشري و الثقافي وإطارها التاريخي الذي صيغت فيه وهو ما نزمع القيام به في هذه الخطاطة.

وقد تخيرنا أن نبدأ في مرحلة أولى بمحاولة شرح ألفاظ القصيدة و ليلتمس لنا أهل الأدب العذر على هذا التطفّل العارض.

فملزومة الكافي ذات نظم” دارج” اختلطت فيه العامية العربية و التونسية بألفاظ فرنسية ‘‘معربة ”هجينة تواتر استعمالها في بلاد المغارب بل ترسّخ إلى اليوم جرّاء الهيمنة الاستعمارية الطويلة خصوصا في القطر الجزائري.

و سنعمد في مرحلة ثانية إلى وضع الملزومة في إطارها التاريخي و الثقافي المتسم باشتداد الهيمنة الاستعمارية في العشرينات في تونس و باقي أقطار المغارب فقد تزايد الاغتراب و تفاقم الاستلاب فنتجت عن ذلك ردود فعل متنوعة منها السياسي المهيكل و الشعبي العفوي .

وسنحاول التعرف على أسباب نظم الملزومة و المظاهر التي استهدفتها بالنقد و التشهير و ماهية سياقها الثقافي و النضالي و لماذا راهن الكافي على البذاءة في نظمها خلافا لباقي قصائده الكثيرة كما سنحاول التعريف بالشاعر و المناضل عبد الرحمان الكافي بوصفه فاعلا ثقافيا و سياسيا مغمورا فقد اشتهرت القصيدة أكثر من صاحبها .

{{” ملزومة ” الكافي و معانيها:}}

توجد عدة نسخ و نماذج لهذه القصيدة ،منها ما نحتته ذاكرة الشعراء الشعبيين و بعض الظرفاء و منها ما هو منسوخ في كناشات بعض طلبة الزيتونة القدامى و غيرهم من مثقفي العصر في تونس ما بين الحربين ،والبعض الآخر مدوّن في تقارير أمنية و استعلاماتية في أرشيف الإدارة الاستعمارية ونورد النموذج الذي نشره محمد علي بلحولة في كتابه ” الجهاد التونسي في الشعر الشعبي مائة عام من تاريخ تونس ” مطبعة الاتحاد العام التونسي للشغل 1978 صفحات 186-191 وقد تصرفنا بالتغيير في بعض الكلمات فقط التي نفترض أنّ التحريف اعتراها بفعل طول الزمن و بحكم معرفتنا بتاريخ تلك الحقبة و قاموس الاستعمالات الشعبية الرائجة آنذاك.

لا يساورنا شك في أن القصيدة تعرضت إلى تحريف نسبي بالزيادة أو النقصان فنحن نشبهها بحصاة الثلج المتدحرجة من جبل الذاكرة البعيدة التي تضرب في منتصف عشرينات القرن الماضي.

تنسب القصيدة إلى جنس ” الملزومة ” وهي أحد الفروع الأصلية الأربعة للشعر الشعبي في تونس (إضافة إلى القسيم و المسدّس و الموقف) وقد اشتهر الكافي بنظم المسدّس (نسبة إلى الرقم ستة ) و الملزومة التي وردت في حالتنا المدروسة على وزن ” البورجيلة ” (تصغير لرجل ) وهو إيقاع مميز للشعر الشعبي و العامي الرائج بتونس منذ أواسط القرن التاسع عشر وقد تضمنت القصيدة 43 بيتا نحاول تقديمها في مرحلة أولى مع تصرفنا في تغيير وحيد وهام شمل كلمة بذيئة جدا تكررت في آخر كل بيت من ثلاثة وردت بالقصيدة (تواترت 15 مرة) بل وكانت هذه اللفظة القبيحة هي خاتمة القصيدة أو ما يعرف ب ”القفلة ‘‘ و هذه الكلمة هي تسمية الجهاز التناسلي للرجل في الاستعمال العامي و قد غيرناه احتراما للقراء و للموقع و أسوة بمن سبقنا بكلمة ” الغربي” التي أوردناها بين قوسين وهي كلمة شبيهة في الوزن و التفعيلة و تؤدي نسبيا المعنى المقصود عند الشاعر فالـ”غربي” لغويا هو القادم من اتجاه الغرب و في الذهنية التونسية العامية هو كل أمر سلبي سواء كان ريحا رملية حارة قادمة من الغرب ينتج عنه الجفاف والقحط أو بشرا فهو مذموم لا يرجى منه صلاح ” من الغرب مايجيش فرح كانوا ريح ما يهز القلب وكانوا بشر راهو كلب بن كلب ”.
وهو ما يعني تقريبا ان ” من الغرب لا يأتي ما يفرح :فإن جاءت ريح فهي لا تهز القلب و إن جاء بشر فهو كلب بن كلب” لن نتوقف عند معنى” الغرب ” السلبي و المتطير و مدى تمثله في الذهنية الشعبية فهو أمر يتطلب شرحا مستفيضا قد نعود إليه في خاطرة أخرى، فما يعنينا هو تشريع استعمال هذا اللفظ لتغير الكلمة البذيئة التي استعملها الشاعر عبد الرحمان الكافي .

أ- الملزومة كما وردت في أغلب المصادر المكتوبة و الشفوية:

الصبر لله و الرجــــــوع لربّي……..أمّا الدنيا و أهلها في (الغربي)
الرجــــــــــــاء في المولى…………أما الدنيا و أهلها مجمولة
جميع الدول الكل دولـة دولــــــــــة….اللي ظهر و اللي ڨعد متخبي
برياسها بملـــوكها بالصـــولة…….بتيجانهم بعروشهم في (الغربي)
باللي فيــــــــــــــــــــــها………… برياسها بسلطانها بواليها
أبيها بمقيمها بقاضيها…………..أبباصها بإمامــــها بالربّي
بشيخ الإسلام بعدولها بمفتيها…………المدير و المراقبة في(الغربي)
على والـــــــــــــــــــــــى…………حكامها و ﭬياد كل عمالة
الشيخ و الهيدوك و اللــي بماله…….و اللي صندوقه بالفلوس معبي
التاجر و الفلاح و الومالة…………الناس الغنيا كسبهم في (الغربي)
زيد اللوســــــــــــــــــــــي………… و اللي يصدر في الأحكام حتى بروسي
و كل ما يسمي الحاكم دوسي…………حتى التريبونال وجوج دو بي
وكيل الدولة تونسي أو سوسي…………الرئيس و الأعضاء حكمهم في (الغربي)
ما ننســــــــــــــــــــــاوش…………الكاهية و وظيفته و باش شاوش
كذلك اللي قراو واللي ما قراوش…………و اللي عمل طربوش ولا كيبي
البوليس و الجادارمي و الشاوش…………أعوان الحكومة بكلهم في (الغربي)
العالم و الكــــــــــــــــــاتب…………و اللي توظف في أعلى المراتب
و اللي تسمى و صار ياخذ راتب…………و اللي يهذب في العقول يربي
و معلم الصبيان في المكاتب…………و المؤدبين عقولهم في (الغربي)
وزير العدليــــــــــــــــــــة…………و مديرها و نائب الداخلية
و شيخ المدينة و رئيس الجمعية…………لو كان يكون جنسه عربي
و وزير القلم و قايد الحربية…………بسلاحهم و بأسطولهم في(الغربي)
المتكــــــــــــــــــــبروالمستبد…………في الخلــــــــــــــــــق و المتجبر
واللي ركب على الخيول العبر…………واللي يسكن في قصر ولا ﭬربي
واللي خطب بالكذب فوق المنبر…………أهل السياسة أفكارهم في (الغربي)
المدمــــّــــــــــــر…………و اللي بعثاته فرانسا معمر
العواد و القصاب و اللي يزمر…………كذلك الدرويش و المتنبي
شيخ الطريقة إذا بدا متخــمّر…………ببركته و بنادره في (الغربي)
الشيخ و التلمـــــــودة …………و اللي لبس أنتيكة ولا مودة
و اللي سماوها الشابة الخندودة…………و اللي عشق أم الغثيث مجبي
و كل يد للبوس هي ممدودة…………عوض نقبلها نحطها في (الغربي)
هاكة هــــــــــــــــــــــــــوة …………و اللي ما عجبوش ياخذه في الصوة
ربي خلقني ليـــه عبده هو…………لا نخـــــــــــــــاف لا نذل و لا نخبي
أصغو كلامي يا ذراري حوة…………وإذا ما فهمتوش يدكم في (الغربي)
إفهم تـــــــــــــــــــوة…………خيار الحديث ﭬصاص موشي دوة
إذا تجيني من جانب الأخوة…………أنا خديم عبد مطيع لـــــيك مربي
إذا انت جايني بالقـــــــــوة …………نقلك حتى نشـــــــــــــــــــــــــــــاور(الغربي)
حالف يميــــــــــــــــــــني…………لا نخضع لمخــــلوق لو يغنيني
لاني لحد ولا أحد ملك يميني…………القسم ” مسوقر ” في كفالــــــــــة ربي
الموت مرة برك يا صاغيني…………واللي يعارضني يجي يكلم (الغربي)
اللي مات تهنّى…………والموت أحسن من حياة المنة
العز في النار ولا الذل في الجنة…………موت الشـــــــرف ولا حياة الكبي
هذا فكري بيه صغت الغنة…………صححتها و طبعت فيها ب (الغربي )

هذا ما جادت به قريحة الشاعر المستنفرة و المتشنجة ونحاول ملاءمة أبيات ”الملزومة” وفق صيغة أقرب للفصحى تيسيرا للقارئ الذي لا يعرف العامية التونسية .

ب- محاولة لشرح و ”تهذيب ”الملزومة باللغة الفصحى

1-الصبر لله و الرجــــــوع لربي…………أما الدنيا و أهلها في (الغربي)
( الصبر لله و الرجوع إليه…………أما الدنيا و أهلها فإلى ”العدم”)



2-الرجــــــــــــاء في المولى…………أما الدنيا و أهلها مجمولة
( الرجاء في المولى الخالق…………أما الدنيا و أهلها مجمولة)



3 – جميع الدول الكل دولـة دولــــــــــة…………اللي ظهر و اللي قعد متخبي
( جميع الدول كلها دولة دولة…………من ظهر و من بقي متخفّي)



4 – برياسها بملـــوكها بالصـــولة…………بتيجانهم بعروشهم في (الغربي)
(برؤسائها و بملوكها و بأصحاب الصولة…………بتيجانهم و عروشهم الى ”العدم’)



5- باللي فيــــــــــــــــــــــها…………برياسها بسلطانها بواليها
( بمن فيها………… برؤسائها و بسلطانها وواليها)



وقد تحول صاحب الملزومة الى تعداد أصحاب النفوذ و السلطة بمختلف مراتبهم



6-أبيها بمقيمها بقاضيها…………أبباصها بإمامها بالربي
(ببايها و بمقيمهاوقاضيها…………و براهبها و بإمامها و بكاهنها)

والمقصود بالباي هو حاكم تونس خلال العهد الحسيني (1705 -1957) ومنصب الباي هو أعلى سلطة في البلاد يحكم إيالة تونس العثمانية بعد الحصول على مصادقة شرفية من الباب العالي أما المقيم فالمقصود به المقيم العام وهو يمثل أعلى سلطة فرنسية لنظام الحماية بتونس وقد أحدث هذا المنصب سنة 1882 وتداول على ”حكم” البلاد التونسية 21 مقيما عاما وقد كان المقيم العام الذي نظمت في آخر عهده هذه القصيدة هو لوسيان سان الذي تولّى الاقامة العامة بتونس بين ديسمبر 1920 وجانفي 1929 ، وقد عرفت تونس خلال فترة ولايته وخاصة بعد سنة 1925 عصر ‘الأ وامر الزجرية ” التي ضيقت الخناق على الحريات السياسية و النقابية و الصحافية. و المقصود بالبباص هو راهب الكنيسة أو الدير المسيحي و الكلمة هي لاتينية الأصل و المقصود بها البابا و تستعمل في الدارجة التونسية لنعت رجل الدين المسيحي صاحب الثوب السود و اللحية الكثيفة و المعلوم ان للجاليات الأوروبية بتونس آنذاك كنائس وأديرة عديدة أما المقصود ب”الربّي” فهو الكاهن اليهودي Le Rabbin والمعلوم ان الطائفة اليهودية بتونس هي ذات جذور قديمة و تنقسم الى مجموعة ” التوانسة ” و ”الغرانة” و كانت مدينة تونس تعد جالية هامة تفوق 30 ألف نسمة ويستقر أغلبها بالمكان المعروف ب”حارة ” اليهود.



7- بشيخ الاسلام بعدولها بمفتيها…………المدير و المراقبة في(الغربي)
( ب”شيخ إسلامها و بعدولها و بمفتيه…………او المدير و المراقبة الى ”العدم”)

وقد تعرض في صدر هذا البيت الى رموز السلطة الدينية بتونس آنذاك وهم شيخ الاسلام و عدول الاشهاد والمفتي ثم تعرض فيعجز البيت الى المدير وهو منصب اختص به الفرنسيون على رأس إدارات حساسة مثل البريد و التعليم و الفلاحة و المقصود بالمراقبة هو منصب المراقب المدني وهو حاكم فرنسي لمقاطعة

إدارية تسمى المراقبة وقد قسم التراب التونسي منذ سنة 1884 الى مراقبات مدنية بلغ عددها زمن نظم القصيدة 14 مراقبة.

8 -على والـــــــــــــــــــــــى…………حكامها و ﭬياد كل عمالة
(جميعهم دون استثناء…………حكامها و قادة كل عمالة)

المقصود بلفظ ”القياد ” و يقال ” القواد” في الجزائر و المغرب هو حكام الولايات وهي تقسيمات مخزنية جبائية بالأساس و القايد هو عامل على رأس مقاطعة إدارية تكون في الغالب قبيلة كبرى أو جهة جغرافية مثل الجريد أو الأعراض وقد عرفت تونس ازدواجية في السلطة فالبلاد كانت مقسمة الى مراقبات مدنية يحكمها فرنسيون و إلى عمالات يحكمها ” القايد” وقد بلغ عدده في زمن نظم القصيدة حوالي 40 عمالة.



9-الشيخ و الهيدوك و اللــي بماله…………و اللي صندوقه بالفلوس معبي
( الشيخ و تابعه وصاحب المال…………و من كان صندوقه بالأموال معبّى)

والشيخ في تونس آنذاك هو همزة الوصل بين السلطة المخزنية و الأهالي فقد كان لكل عرش و بلد و حارة أحيانا شيخها الذي ينظر في شؤونها العرفية و المخزنية و يسميه الباي ويكون عادة من أعيان الجماعة و سُراتها وقد أصبح الشيخ يعين بعد مصادقة نظام الحماية الفرنسي على ترشيحه وأصبح منصب الشيخ بعد استقلال تونس يعرف بالعمدة وقد كان لكل شيخ مجموعة من المساعدين هم عبارة عن أتباع مشتهرين بشدة تزلفهم ويسمون ” هواديق” جمع هيدوك و الكلمة مجرية الأصل Hadjuk وتعني تابع السيد أو زليم القائد وقد انتشرت في الفضاء العربي و المغاربي نتيجة الوجود الوجود العثماني باوروبا الوسطى في بداية العصر الحديث.



10التاجر و الفلاح و الومالة…………الناس الغنيا كسبهم في (الغربي)
( التاجر و الفلاح و ا لأثيل…………الناس الأغنياء كسبهم في ”العدم”)
11- زيد اللوســــــــــــــــــــــي ………… و اللي يصدر في الأحكام حتى بروسي

(زد عدل التنفيذ و الذي يصدر الأحكام و حتى الخطايا) والمقصود ب”اللوسي ” هو عدل التنفيذ وهو رديف لمهن القضاء يتولى تنفيذ الأحكام و اللفظ هو تعريب مباشر للكلمة الفرنسية Le Huissier وهي مهنة منبوذة عند الفئات الشعبية لأن عدل التنفيذ ارتبط بالدفوعات والمصائب أما المقصود ب”بروسي ” فهي الخطية المالية عادة و الكلمة هي تعريب مباشر للفظ الفرنسي Procès والمقصود به هو المحضر أو محضر الحكم لكن الكلمة استعملت في العامة التونسية بمعنى الغرامة المالية.


12- و كل ما يسمي الحاكم دوسي…………حتى التريبونال وجوج دو بي
( وكل ما يسمي الحاكم ملفا…………حتى المحكمة و جوج دوبي)

المقصود بالتريبونال هو المحكمة الفرنسية و اللفظ هو تعريب مباشر للفظ Tribunal وقد خضع القضاء التونسي بدوره لمنظومة الازدواجية فإلى جانب المحاكم الشرعية الأهلية كانت هناك محاكم عصرية تنظر في الشؤون المختلطة بين التونسييين و الجانب و في شان العقارات و الجنح و الجنايات


13- وكيل الدولة تونسي أو سوسي…………الرئيس و الأعضاء حكمهم في (الغربي)
(وكيل الدولة تونسي أو سوسي الرئيس …………و الأعضاء حكمهم في ”العدم”)

المقصود بوكيل الدولة هو المدعي العام للمحكمة سواء كان من محكمة تونس أو سوسة و الى جانب مقتضيات الوزن فالكافي كان محقا فقد كانت في البلاد محكمتان مختلطتان واحدة بتونس العاصمة تنظر في شؤون كامل الشمال و الثانية في مدينة سوسة و تنظر في شؤون مقاطعات الوسط و الجنوب و المقصود بالرئيس والأعضاء هو طبعا هيئة محكمة” التريبينال”.



14 – ما ننســــــــــــــــــــــاوش …………الكاهية و وظيفته و باش شاوش
(و لا ننسى الكاهية…………ووظيفته و باش شاويش)

المقصود بالكاهية عادة هو مساعد العامل أو القايد وهي مستعملة في الإدارة المخزنية مثلها مثل ”باش شاوش” أي كبير ”الحجاب” او ” الشاويش” و هي رتبة عسكرية إدارية ذات أصل تركي .



15 -كذلك اللي قراو واللي ما قراوش…………و اللي عمل طربوش ولا كيبي
(كذلك من قرؤوا والذين لم يقرؤوا…………و من وضع طربوشا او قبعة )

ويقصد هنا أصحاب الطربوش من الموظفين الأهالي العصريين و المدرسيين و الذين كانوا في تضاد مع أصحاب العمائم ذوي التعليم التقليدي أما ” الكبي” فالمقصود بها القبعة الإفرنجية و هي تعريب مباشر لكلمة Képi.



16- البوليس و الجادارمي و الشاوش…………أعوان الحكومة بكلهم في (الغربي)
( البوليس و الدركي و الشاويش…………و أعوان الحكومة كله في العدم

لفظ البوليس متدوال منذ بداية القرن العشرين في الاستعمال العامي و كذلك الجدارمي أي عون الجندرمة و هي تعريب للكلمة الفرنسية Gendarme



17 -العالم و الكــــــــــــــــــاتب………..و اللي توظف في أعلى المراتب
(العالم و الكاتب………..و الذي توظف في أعلى المراتب)



18-و اللي تسمى و صار ياخذ راتب………..و اللي يهذب في العقول يربي
( و من سمّي و صار يأخذ راتبا………..و الذي يهذب العقول دينيا)



19- و معلم الصبيان في المكاتب………..و المؤدبين عقولهم في (الغربي)
( ومعلم الصبيان في المكاتب………..و المؤدبين عقولهم في ” العدم”)
20- وزير العدليــــــــــــــــــــة………..و مديرها و نائب الداخلية

( وزير العدلية………..و مديرها و نائب الداخلية) كانت الحكومة التونسية خلال الحماية الفرنسية تتكون من وزير أكبر و من وزير القلم وقد احدث منصب وزير العدل بداية من سنة 1921 ضمن إصلاحات المقيم العام لوسيان سان وقد تولى هذا المنصب آنذاك الطاهر خيرالدين وتقلده حتى سنة 1934 وهو ابن المصلح خير الدين التونسي أما باقي الإدارات فيشرف عليها مديرون فرنسيون وهم أعضاء في ”الحكومة التونسية”.



21 – و شيخ المدينة و رئيس الجمعية…………لو كان يكون جنسه عربي
(وشيخ المدينة و رئيس الجمعية…………لوكان جنسه عربيا)

فشيخ المدينة هو منذ سنة 1885 صاحب منصب يجمع بين مشيخة بلدية تونس و رئاسة مجلسها البلدي وهو منصب رفيع منظر آنذاك بمنصب وزير تقريب أما رئيس الجمعية فالمقصود به هو رئيس جمعية الأوقاف التي تأسست سنة 1874 وقد كان منصبا على غاية من الأهمية.



22- و وزير القلم و قايد الحربية…………بسلاحهم و بأسطولهم في(الغربي)
( وزير القلم و قائد الحربية …………بسلاحهم و أسطولهم في ”العدم”)

وزير القلم هو بمثابة وزير الداخلية و هو منصب هام يتولاه التونسيون في عهد الحماية أما قائد
الحربية فهو فرنسي لأن نظام الحماية ألغى سنة1881 وزارة الحرب و أصبحت إدارة ملحقة بالجيش
الفرنسيّ.



23-المتكــــــــــــــــــــبروالمستبد…………في الخلق و المتجبر
(المتكبّر و المستبد…………في الخلق و المتجبر)

وتبرز في هذا البيت قدرة الشاعر على نظم الشعر الفصيح وهو على قدر من التعليم الذي يؤهله لذلك كما سنرى لاحقا.



24- و اللي ركب على الخيول العبر…………و اللي يسكن في قصر ولا ﭬربي
(و اللذي ركب الخيول العابرة…………و الذي يسكن قصرا أو كوخا)

الخيول العبر هي تلك الفرسان القادرة على القفز و تخطي الحواجز أما الـ”قوربي” ففي الأصل هو لفظ فرنسي Gourbi يعني الكوخ .


25واللي خطب بالكذب فوق المنبر…………أهل السياسة أفكارهم في (الغربي)
( و الذي خطب بالكذب فوق المنبر…………أهل السياسة في ”العدم”)



26 -المدمــــّــــــــــــر …………واللي بعثاته فرانسا معمر
(المُدَمَّر………… ْ و الذي بعثته فرنسا معمّر)



27-العواد و القصاب و اللي يزمر…………كذلك الدرويش و المتنبي
(عازف العود و الناي و المزمار …………و كذلك الدرويش و المتنبي)

والقصّاب هنا هو عازف آلة القصبة و هي الناي المصنوعة من عود القصب .



28- شيخ الطريقة إذا بدا متخمّر…………ببركته و بنادره في (الغربي)
(شيخ الطريقة إذا بدأ متخمّرا…………ببركته و دفوفه في ”العدم”)



29- الشيخ و التلمـــــــودة…………و اللي لبس أنتيكة ولا مودة
( الشيخ و التلمودي…………و الذي لبس القديم أو الموضة)

والمقصود بالتلمودي هو الكاهن اليهودي أما أنتيكة فتعني العتيق و هي مرادف للفظ Antique و الموضة هي تعريب مباشر للفظ La Mode



30- و اللي سماوها الشابة الخندودة …………و اللي عشق أم الغثيث مجبي
(والتي سمّوها الشابة الجميلة…………و الذي عشق أم الشعر المجدول)
31- و كل يد للبوس هي ممدودة…………عوض نقبلها نحطها في (الغربي)
(وكل يد هي للتقبيل ممدودة…………عوض أن أقبلها أضعها في ”العدم”)



32-هاكة هــــــــــــــــــــــــــوة …………و اللي ما عجبوش ياخذه في الصوة
(ذلك هو…………و الذي لم يعجبه فليشرب من البحر)



33-ربي خلقني ليه عبده هو…………لا نخاف لا نذل و لا نخبي
(ربي خلقني له عبده…………لا أخاف و لا أذل و لا أخفي)



34-أصغو كلامي يا ذراري حوة…………و إذا ما فهمتوش يدكم في (الغربي)
( أصغوا الى كلامي يا ذرية حواء…………و اذا لم تفهموا فأيديكم في ”العدم”)



35-إفهم تـــــــــــــــــــوة…………خيار الحديث ﭬصاص موشي دوة
(افهم الآن…………خير الحديث قليلا بلا دوي)



36-إذا تجيني من جانب الأخوة…………أنا خديم عبد مطيع ليك مربي
(إذا أتيتني من جانب الخوة…………أنا خادم و عبد مطيع لك و مهذّب)



37-إذا انت جايني بالقوة…………نقلك حتى نشاور(الغربي)
(إذا أنت أتيتني بالقوة…………أقول لك حتى أستشير ” الغربي”)



38-حالف يميــــــــــــــــــــني…………لا نخضع لمخلوق لو يغنيني
(حلفت يميني…………لا أخضع الى مخلوق لو يغنيني)



39-لاني لاحد ولا أحد ملك يميني …………القسم ” مسوقر ” في كفالة ربي
( لا أنا لآحد و لا أحد ملك يميني…………الرزق مضمون في كفالة ربي )



40- الموت مرة برك يا صاغين…………و اللي يعارضني يجي يكلم (الغربي)
( الموت مرة واحدة أيها الصاغي…………و الذي يعارضني يأتي و يكلم (الغربي)



41- اللي مات تهنّى…………و الموت أحسن من حياة المنة
( من مات ارتاح…………و الموت أحسن من حياة الذل)



42- العز في النار و لا الذل في الجنة …………موت الشرف و لا حياة الكبي
(العز في النار و لا الذل في الجنة…………موت الشرف و لاحياة الكدر)



43-هذا فكري بيه صغت الغنة…………صححتها و طبعت فيها ب (الغربي)
(هذا فكري به صغت الغنية…………وقعتها و طبعت فيها ب”الغربي”)




* عبد الواحد المكني - مؤرخ من تونس
- أشهر قصيدة بذيئة في تاريخ تونس زمن الاستعمار الفرنسي : أدب الهامشية أم صنف من النضال الشعبي ضد الاستعمار والاغتراب



عبد الواحد المكني
 
2/3

لا بد من التشديد على أن هذه القصيدة اكتسبت شهرتها من بذاءة قافيتها لا من بديع نظمها و اشتهرت ”الملزومة ” أكثر من صاحبها الذي ظل نسيا منسيا وقد عمدنا في الجزء الأول من المقال إلى التعريف بالقصيدة ” الملزومة” و بمعانيها و ذلك في محاولة لتحقيقها و إخراجها مع شيء من ”التهذيب ”الضروري الذي فرضه الحياء الأخلاقي لا العلمي.

لماذا راهن الكافي على البذاءة في نظمها خلافا لباقي قصائده الكثيرة؟

ذلك هو السؤال الذي حملنا للتعريف بالشاعر و المناضل عبد الرحمان الكافي بوصفه فاعلا ثقافيا و سياسيا مغمورا فقد كان ضحية شهرة قصيدته التي زجت به في مطاوي النسيان و التهميش و صنفه المتسرعون ضمن السوقة و الدهماء و الأغفال.

يخرج المتمعن في القصيدة باستنتاج أساسي يتمثل في تبحّر الشاعر في” أدب البذاءة” وهو لون أدبي قديم عرفته كل الحضارات تقريبا و لم يخضع كثيرا لقواعد النقد الأدبي و معاييره .

و يذهب الى الظن في البداية ان الشاعر عبد الرحمان الكافي هو من ”البذّائين ”المدمنين غير ان مجريات الواقع التاريخي الذي عاشه الشاعر بوصفه فاعلا اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا تجبرنا على تعديل الحكم السطحي و المتسرع فالبذاءة لم تكن خيارا أوليا بقدر ما كانت مرحلة عارضة و اضطرارية لجأ إليها عبد الرحمان الكافي في فترة يأس و قلق و توتر انتاب جل المثقفين و النابهين الذين قاوموا الاستعمار الكولونيالي الفرنسي في النصف الثاني من عشرينات القرن التاسع عشر.

ليس من عادة المؤرخ إطلاق الأحكام الثابتة لكننا نجازف بذلك في حالة الكافي بحكم توفرنا على مادة أرشيفية هامة عرّفتنا بمسيرته الطويلة في النضال الثقافي و الاجتماعي و السياسي و رغم ان هذه الأرشيفات منحازة للإيديولوجيا المستعمر إذ حبّرها أعوان الأمن الفرنسي فالتاريخ كما نعلم يكتبه دوما المنتصرون.

لقد فرضت شخصية الكافي نفسها على القلم الأمني الذي لم ينجح في مداراة ” نضالية” هذا المثقف الشعبي الذي صنفته دوائر الاستعلامات من بين ” المشبوهين” السياسيين الخطيرين الذين يجب مراقبتهم عن كثب .

تصلح حياة عبد الرحمان الكافي أن تكون مادة لرواية مشوقة أو دراما تلفزية ناجحة فالرجل لم يكن انضباطيا تقليديا بل كان مجددا و ثوريا و ”مشاكسا” تحدّى سلطات الاستعمار وتوابعه من رموز سلطة القهر التقليدي . لكن أغلب منتجي المسلسلات التونسية لا تعنيهم ” الفنطازيا التاريخية” في بلد يزخر بالرموز و الأبطال و المشاهير الذين يتذكرونهم في ومضات إشهار البسكويت و التفاهات السكرية فقط .

ولنعد إلى شاعرنا الذي ولد حسب تقارير الأمن الفرنسي سنة 1885 و توفي سنة 1934 و هو في مقتبل العمر شابا على مشارف الكهولة مثله مثل الطاهر الحداد و أبي القاسم الشابي و غيرهم من مبدعي الثلاثينات وبقدر ما يبدو تاريخ الوفاة ثابتا و معروفا فان تاريخ الولادة حسب المصادر الشفوية المأثورة فيه خلاف ويصعب معرفة سنوات الولادة بالتدقيق خصوصا ان الحالة المدنية و عمليات التسجيل الرسمي في تونس لم تنطلق إلا مع سنة 1911 و يزداد الأمر تشعبا في حالة سكان البوادي و الأرياف و –الكافي منهم- إذ يؤرخ هؤلاء بسنوات ” المسغبة ” أو التطرف المناخي مثل عام ”بوبراك” (سنة مجاعة وهزال) و عام ”الحلبة ” و عام ‘الروز ” (مواد غذائية طارئة التجأ اليها السكان لتعويض نقص الحبوب) أو عام بوعنبة ( صنف من أصناف العملة وهو الريال و رسم عليه كرم العنب)…

كانت حياة عبد الرحمان الكافي العبيدي قصيرة نسبيا و قد مات قبل بلوغ سن الأربعين و ينحدر الرجل من مضارب أولاد بوسالم وهي مجموعة عروشية و قبلية هامة في الشمال الغربي التونسي و ينتسب الكافي الى عرش العبيدية و بالتحديد الى أولاد سيدي عبيد وهي ”قبيلة” مرابطية كبيرة و متوزّعة على المنطقة الغربية الحدودية مع الجزائر و تتوزع فلولها على جهات جندوبة و الكاف و القصرين و الجريد و قفصة و مجموعات أخرى بالشرق الجزائري من سوق أهراس حتى تبسة وعروش أولاد سيدي عبيد هي من العروش المرابطية مثل أولاد سيدي تليل و ينتسبون الى طريقة و زاوية جدهم وهو أحد صلحاء العصر الحديث ودأبت الذرية المنتسبة إليه على الجمع بين حياة الزراعة و حياة المرابطة و الزوايا مع ميل الى الزهد و المسالمة فلم تشتهر بحرابتها بقدر ما اشتهرت ببروز ” القوّالين” و ”الشعراء” و ”العريفين” و على كل حال فالعرش العبيدي المستقر حول حوض مجردة الأوسط و في تخوم منطقة” سوق السبت”كان من صنف العروش المستقرة و المتعاطية للزراعة و أنجب تلك الربوع عديد “الشعراء” و الأدباء الشعبيين بالأمس و حتى اليوم و لنا في جهة ”بلطة” خير مثال .

كان والده محمد الكافي زيتوني التكوين و الثقافة فعمل عدل إشهاد (موثق عدلي) بمدينة تونس ثم تولى القضاء لفترة قصيرة بنواجع أولاد عيار ومكثر وقد عزل من عمله بسرعة نتيجة مواقفه الرافضة لأوامر القياد و المعمرين وسرعان ما لفقت له تهمة الفساد و قلّة الكفاءة فاضطر مع زوجته عائشة و ابنه عبد الرحمان الى فلاحة أرضه بجهة السرس وربما من هنا جاء لقب ”الكافي” فهو كنية أكثر منه لقبا عائليا وقد كانت عملية إبعاد الأب عن سلك القضاء بحكم مواقفه ”المشاكسة” أول المنعطفات الصادمة في حياة الشاعر الذي لم يتنعّم كثيرا بعطف والده القاضي الذي توفي مبكرا وتركه يتيما.

تطوع شاب الثامنة عشر سنة1903 في الجندية الفرنسية أين خبر ضنك الحياة العسكرية الصعبة في جيش فرنسي يحمل صوريا اسم بلده تونس وقد أسعفته مرحلة الجندية على قساوتها بمعرفة نصيب محترم من اللغة الفرنسية لكنه لم يتمكن من النجاح في كسب الترقي العسكري فقد قام سنة1905 بمحاولة تغيّب و هروب أدت الى سجنه من قبل قيادة الفيلق التاسع بتونس مدة أربعة أشهر وبدأت منذ ذلك العهد مرحلة ” السجنيات” المتكررة و التي زودت الشاعر بثقافة ” ناقمة” رمزها الشعر ” الزندالي” الذي كان ينظم في الزنازين وهو شعر ضعيف الوزن فيه ميل للحزن و القتامة و البذاءة أيضا.

عمل الكافي بعد مرحلة التطوع في الجندية بائع صحف في مدينة تونس و كان يراوح بين النزوح الى المدينة و العودة الى حياة الريف لفلح أرض الأسرة و أخذته الغيرة و الحمية سنة 1911 للتطوع في حرب ” طرابلس ” لمناصرة الليبيين ضد الاحتلال الايطالي مثله مثل الزعيم محمد علي الحامي الذي أسهم في نقل معونات الهلال الأحمر العثماني من تونس الى طرابلس سنة 1911 ولا نملك معلومات كثيرة حول هذه المرحلة من حياة الكافي التي انتهت بالذهاب الى تركيا و العودة الى تونس سريعا .

و على كل حال فقد وجد الكافي نفسه خلال الحرب العالمية الأولى مثل ثلة من خيرة شباب الجزائر و المغرب جنديا ”مدعوا” مدافعا عن العلم الفرنسي و طرفا في معركة امبريالية أوروبية وهو ما زاده ا شعورا بالغبن و النقمة على السلطات الاستعمارية.

وقد عاد الكافي الى مدينة تونس خلال الحرب و استقر منذ سنة 1916في منطقة رحبة الغنم وهي عبارة عن ربض صغير مجاور للمدينة المسورة وهي منطقة شعبية ومختلطة يتجمع بها نازحون و آفاقيون من أصول ريفية و قروية الى جانب مجموعات من أهل المدينة ”البلدية” و قد عمل الكافي نسّاجا ونشير هنا الى ان العديد من أفذاذ الشعر الشعبي في تونس اشتغلوا بمهنة ” الحياكة” أي نسج الثياب الصوفية وفق تقنيات خشبية تقليدية وهي حالة الأديب الكبير محمد ملاك و قاسم شقرون وغيرهما كثير .

وقد ولع الكافي بالشعر كأغلب “الحوكية” الذين يزاوجون بين نسج الصوف ونظم الكلمات و لعل صعوبة المهنة ودقتها هي التي زجت بأصحابها في بحور الإبداع الشعري بحثا عن السلوان و الترفيه و تعويضا عن الشقاء و الكبت .

غير إن المؤهل الحرفي لا يفسر وحده شاعرية الكافي التي زادتها ”السجنيات” خبرة و مهّد لها المنحدر القبلي و العائلي فلا يمكن أن يبلغ المرء مرتبة ”الأديب ” – وهو النعت الذي تطلقه العامة على قوّالي الشعر الشعبي- دون أن يكون متوفرا على حد أدنى من القراءة و الكتابة عارفا ب”أليف الأدب” معتبرا من التجارب و المحن و هو ما توفر في ابن الزاوية و ابن القاضي ، السجين، بائع الصحف السيارة ،المتطوع، العسكري، الحوكي ،ابن رحبة الغنم.

ُصقلت شخصية الكافي و نحتت معالمها الأساسية بل النهائية في ذلك الزمان و المكان أي (رحبة الغنم سنوات 1916-1920) ففي ذلك الحي الشعبي الشهير امتهن النازح العبيدي الحياكة و اختلط الشاعر بغيره من النابهين و الأدباء و أصبح يتردد على المقاهي و المجالس الأدبية و اقترب أكثر حسب تقارير البوليس الفرنسي من مجالس الصحفيين و الظرفاء الذين كانوا يشرفون على إصدار الصحف الهزلية الساخرة التي تخيرت طريق ”النكتة” و ”الملحة” لمقاومة الاستعمار و التخلف وتفيد التقارير انه كان يتجول بين الأسواق الشعبية لإلقاء القصائد و الملزومات الناقدة و الساخرة فقد تعقبه رجال الأمن في رحلة سنة 1922 دامت عشرة أيام من 6 حتى 16 سبتمبر انتقل فيها بين أسواق ابة قصور وسوق الأربعاء ووادي مليز وغار الدماء و طبرقة وباجة في منطقة الشمال الغربي التونسي و قد كان يلقي شعره مقابل بعض الفرنكات التي يجمعها الحاضرون و المستمعون وقد دفعته الظروف الصعبة للتكسب من شعره ضمانا لقوته اليومي .وقد أكدت التقارير على أهمية جمهور الكافي و مدى رواج شعره في الأوساط الشعبية و العالمة على حد السواء.

تطلق التقارير الأمنية على عبد الرحمان الكافي خلال سنوات 1917 -1920 صفة الوطني ”و الثوري والمعادي للحكومة .Un nationaliste révolutionnaire”

لم تكن بالبلاد التونسية بعيد الحرب الأولى حركات سياسية مهيكلة وحتى حركة الشباب التونسي فقد عرف زعماؤها المنافي و السجون و الإبعاد قبيل الحرب و لم تنشأ الأحزاب الوطنية و تتهيكل إلا بداية من سنة 1920 . في هذه الفترة المعروفة باستفحال الفراغ ”التنظيمي” برزت إرهاصات وطنية تونسية اعتمدت على المبادرات الفردية و المحدودة التي تزعمها الشيخ الثعالبي و بعض ”قدماء” حركة الشباب وليس من السهل أن ينعت شخص بنعوت الثورية و الوطنية (أو القومية) وهي ”الشهادة ” التي حازها الكافي من قبل قلم الاستخبارات الفرنسي .

تعمّمت شهرة عبد الرحمان الكافي مع مرحلة الصحوة الوطنية التي بدأت في العشرينات مع تأسيس الحزب الحر الدستوري و مع تفاقم نشاط التونسيين ضمن التنظيمات الاشتراكية و الشيوعية وذاع صيت الكافي من خلال مواقفه و أشعاره الناقدة للسلطات الاستعمارية والتي أصبحت تنشر بصفة دورية في صحف ”جحا” و ” جحجوح”و ”النديم ” و ”المضحك ”و أصبح الكافي يلقي أشعاره في المقاهي الشعبية بباب سويقة و الحلفاوين و رحبة الغنم و باب الجديد و قد كان يتجول بين مجالس الأعيان والمثقفين الذين استظرفوه وأفادت التقارير أن الشيخ الطاهر بن عاشور مكنه من السكن في تربة العائلة الموجودة بنهج سيدي الزواوي وزوّجه من إحدى خادماته، وقد حاول الكافي أن يعمل بواسطة الشعر والكلمة والأدب كداعية للإصلاح والنهوض .

كانت شخصية الكافي ”الثورية ” و المتحمسة سهلة الاستقطاب من قبل الحركات السياسية ”الراديكالية” وقد انتمى لفرع الجامعة الشيوعية التونسية سنة 1922 وانجذب بحماس للأفكار العمالية والمساواتية فأصدر عددا من القصائد بنظم شعبي دارج امتدح فيها مزايا الشيوعية وتوحد العمال والفقراء وحرّض فيها على النضال ولعل أشهر هذه القصائد هي الملزومة الشيوعية التي طبعت في ثلاثة آلاف نسخة ووزعت و سجن بسببها الكافي الذي سرعان ما أصيب بخيبة أمل من جرّاء انحسار نشاط الشيوعيين خصوصا بعد حملات التشهير التي أظهرت أتباع الحركة في ثوب الزنادقة والملحدين فانطلق سنوات 1923-1924 في تجربة جديدة مع الحزب الدستوري الذي امتدحه مرارا (ملزومة دستورية) وراهن على شعبيته وتأطيره للأهالي في مقاومة الاستعمار غير أن الرهان سرعان ما خاب مرّة أخرى بعد الفراغ الذي تركه الزعيم عبد العزيز الثعالبي إثر مغادرته البلاد سنة 1923 وسقوط الحزب في يمّ النخبوية المتعالية” خاصة عندما تبرأ من محمد علي الحامي ورفاقه النقابيين في أواخر سنة 1924، ولم ييأس الكافي فترك الدعاية السياسية التي اقتنع بعقمها وانبرى يحث بقصائده على الإصلاح الاجتماعي داعيا لمحاربة الجهل والفقر والمعتقدات الزائفة ومقاومة تفشّي المخدرات (التكروي ) والملهيات (ملزومة الشاي)وقد كان يجوب الأسواق والقرى ويلقي قصائده في المقاهي وحفلات الأعراس والختان مقابل بعض الأموال و الصدقات العينية وقد أدت به جرأته ونقده اللاذع للاستعمار والقصر والحاشية إلى دخول السجن عدة مرات بتهم التطاول على الهيئات الرسمية ولم يتمكن الرجل من الصمود فانساق بداية من سنة 1926 في طور جديد من ”النضال” الفردي وراهن هذه المرة على البذاءة في نقد الواقع المزري في هذا السياق أصدع بملزومته الشهيرة ” الصبر لله و الرجوع لربي…”

ليست الملزومة لونا من ألوان الفن ”الهامشي” وان بدت كذلك للوهلة الأولى فهي قصيدة مناضلة رغم شكلها ” الصادم” و ”الاستفزازي” فالكافي لم يكن مثقفا انضباطيا تقليديا بقدر ما كان مناضلا ”ثوريا ” قطاعيا خرج عن ”لمألوف” فانجرف بقصد أو بدونه إلى صفوف الهامشية التي تولد عنها التغييب و الإقصاء من الذاكرة.

د. عبد الواحد المكني
 
3/3

الصبر لله والرجــــــوع لربي …… أما الدنيا و أهلها في (الغربي)
الرجــــــــــــاء في المولى … . …أما الدنيا و أهلها مجمـــوله

ذلك هو مطلع ”القصيدة- الملزومة” التي اشتهرت في تاريخ تونس زمن الاستعمار وردّدها طلبة السبعينات من القرن الماضي في سياق حماسي ممزوج بنوع من الدعابة الثورية أما خاتمة القصيد أو ”قفلة الملزومة” فقد استعملها مؤخّرا بعض المدافعين عن بقيا كرامة الموظف و الوظيفة وجاء فيها :

العزّ في النار و لا الذلّ في الجنّة … موت الشرف و لا حياة الكبّي

جمعتنا حول هذه الخطاطة ملزومة عبد الرحمان الكافي وهي قصيدة من الشعر الشعبي المنطوق بدارجة تونسية انتهج صاحبها في نظمها نهج البذاءة والنقمة على جميع رموز السلطة الاستعمارية الفرنسية وتوابعها من بايات متواطئين ورجال دين منافقين وساسة مناورين.

قمنا فيما سبق بتحقيق القصيدة (أشهر قصيدة بذيئة في تاريخ تونس زمن الاستعمار الفرنسي : أدب الهامشية أم صنف من النضال الشعبي ضد الاستعمار و الاغتراب 1) وإخراجها في ثوب أقرب إلى الفصحى المهذّبة وعمدنا فيما بعد ( أشهر قصيدة بذيئة في تاريخ تونس زمن الاستعمار الفرنسيّ: عبد الرحمان الكافي من النضال الوطنيّ إلى الانكسار واليأس 2) إلى التعريف بعبد الرحمان الكافي كفاعل اجتماعي فتبيّن لنا مقدار نضاليته ضد الاستعمار في تونس خلال عقدين (1915-1935).

نعود في هذا الجزء الأخير للتمعن في شعريّة عبد الرحمان الكافي وربطها بمساره النضالي العام وفي هذا السياق نُهيب بالمختصين في تحليل الشعر عامّة والشعبي بالخصوص محاولة الغوص بالنقد والتحليل في منتوج الكافي الشعري وهو أمر يتجاوز اختصاصنا الذي ينتهي عند أسوار الإحاطة التاريخية والأنثروبولوجية بالشاعر ومجتمعه التونسي المستعمر خلال فترة ما بين الحربين.

طاف الكافي بتجارب عديدة و لكن ترسّخت صورته كشاعر مشهود له بالكفاءة والبلاغة الضّامرة وسُمّي في عصره بشيخ الجماعة. والمقصود بالجماعة هم الشعراء وخُلع عليه لقب أمير شعراء الملحون ويقابله في إمارة” الشعر الموزون والفصيح ” في ذلك العصر الشاذلي خزندار.

لا توجد هوة سحيقة تفصل بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية في ذلك العصر، ولم تكن حدود النخبوي الفصيح متنافرة مع الشعبي العامي بل كانت متكاملة في أغلب الأحيان. وقد روّج لذلك الستار الحديدي سجناء الخطاب البطركي المتعالي الذين أرادوا مداراة جهلهم لثقافة شعوبهم بحصن الفصحى الفقهية والمقدسة.

عبد الرحمان الكافي كان مثالا نموذجيا للتوافق بين العالمين. ولنقل إن عالم المثقفين استظرف الكافي فقد كانت جميع الأطراف السياسية والثقافية والاجتماعية تتجاذبه وتحاول استمالته. كان بنعيسى بن أحمد وحسين الجزيري وعثمان الغربي وغيرهم من أصحاب الصحف الهزلية الناقدة يتهافتون على نشر شعر الكافي. وحاول الدستوريون والشيوعيون في مطلع العشرينات استعمال شعريّة الكافي في دعايتهم السياسية. وقد اعترف شيوخ الزيتونة وعلى الأقلّ المستنيرون منهم بذكائه وخصّه الشيخ المصلح الطاهر بن عاشور بمعاملة خاصة فقد وفّر له المسكن وساعده على الزواج.

{{ما الذي وحّد هذه الأطراف على الاهتمام بالكافي وشعره ؟}}

تحضر في أشعار الكافي ظاهرتان، الأولى هي الحماسة الدعائية الملهبة والثانية هي السخرية والاستهزاء الفاضح. لقد تجرّأ الكافي على السخرية من حكّام ذلك العصر والنيل من هيبتهم بأسلوب خفيّ حينا وواضح أحيانا و معلوم أنّ السخرية من الحاكميّة تتفاقم في عصر الاستبداد وخنق الحريات فيلجأ المتضلّعون إلى الترميز والنقد بلسان الحيوان وتراثنا العربي زاخر بهذا اللّون، وفي كل قطر عربي يلبس ” كليلة و دمنة ” ثوبا محلّيا شعبيّا.

إنّ المدونة الشعرية لعبد الرحمان الكافي غزيرة ولم يقع للأسف تجميعها ونشرها كاملة رغم أنّ بعض الدراسات التاريخية والاجتماعية تناولت مقاطع من أشعاره في سياقات مختلفة.

انطلق الكافي منذ سنة 1915 في مرحلة من التجارب راوح فيها بين شعر الغزل المعروف في تونس ب”الأخضر” وبين شعر مناسباتي يؤرخ لوقائع اجتماعية استثنائية. ولنقل إنها مرحلة الشباب أو التربص الشعري للكافي. ثمّ جاءت مرحلة النضج والكفاءة والشهرة وأخيرا مرحلة اليأس الذي ضمنه ملزومته البذيئة.

ونحاول إيراد نماذج من شعر عبد الرحمان الكافي تؤرخ لتطوّر مسيرته النضالية كفاعل سياسي واجتماعي .

أ- شعر الدعاية السياسية الوطنية والاشتراكية:

انجذب عبد الرحمان الكافي مع منعطف نهاية الحرب الأولى إلى حقل السياسة الوطنية وأظهر تعاطفه مع كل المبادرات المناهضة للاستعمار وصعُب على رجال الأمن السياسي في تقاريرهم تصنيف هذا الشاعر، فهو أحيانا ”وطني أهوج” و أحيانا أخرى ”شيوعي أحمر” و حينا آخر ”وطني ثوري” أو اشتراكي أو ”وطني دستوري”. وشخصية الكافي في الواقع تتّسع لكل تلك النعوت فقد كان من 1919 حتى 1926 مندفعا مع كل التجارب المتصدّية للغطرسة الاستعمارية وتأثرت شخصيته وشاعريته بخصائص تلك الحركة الوطنية العريضة، فبقدر ما كانت تلك التجارب متناقضة ومختلفة ، متآلفة ومتنافرة، سطحية ومعمقة كان الكافي ” كالماء يجري” بين ينابيعها ينهل منها ويروج لها ثم يدبر بسرعة قبل أن يرتوي أو ربما لأنه لم يرتو وظلّ على ظمأ متواصل.

انجذب عبد الرحمان الكافي إلى تيارين سياسيين كبيرين، الأول هو تيار الحزب الحر الدستوري الذي أسسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي في مارس 1920 مع مجموعة من الوطنيين مثل أحمد الصافي وصالح فرحات. وقد تمكن هذا الحزب إلى حدود سنة 1923 على الأقل من قيادة الحركة الوطنية والدفاع عن المطالب السياسية الأساسية وخاصة إعلان الدستور وحرية الصحافة والتنظّم وانتخاب المجالس البلدية والفصل بين السلطات وقد تعاطف الكافي مع حزب الدستور، وقام بنظم ملزومة دستورية تضمنتها دعاية حماسية للحزب وبرنامجه ونورد بعض المقاطع الشعرية التي تدل على تبني عبد الرحمان الكافي لبرنامج الثعالبي ورفاقه.

قام الحزب الدستوري بانتهاج سياسة الوفود على غرار تجربة سعد زغلول في مصر و قام بتوجيه وفود لباي تونس ولكن الوفود الأكثر شهرة هي التي وجهها للحكومة الفرنسية بباريس وأشهرها الوفد الأول الذي ترأسه المحامي أحمد الصافي في شهر جوان 1920 وقدّم الوفد جملة من المطالب السياسية والاجتماعية، وحاول إقناع أصحاب النفوذ السياسي الفرنسي والرأي العام الصحفي بعدالة المطالب التونسية، وقد رافقت سفرة الوفد آمال وانتظارات شعبية كبيرة عبّر عن اختلاجاتها شاعرنا الكافي ونقتطف نزرا منها:

يا وفد تونس سير في منوالك الحق عضيدك و النجاح قـــــــــــبالك
سير في طريقـــــــــــــــــــك العدل امامك و النجاح رفــــــــــــيقك
وكل منصف توجده صديـقك وكل اشتراكي يعاضدك في اقــــوالك
يا وفد اشكي على حقوق بلادك اشرح وترجم كــل ما في بــــــــــالك
أحكي اللّي صاير في تراب أجدادك من ظلم و استبداد ومهـــــــــــــالك
أصغي ليّه أطلب المساواة و الحريّة حياة الذل محال ما نرضالـــــــك
سعادة وطنك غايتك و أمنيتك عاضد الوفد اللّي مشى ع الجـــالك
يا تونسي قطّع سلاسل ذلــك وانهض كما السد بين اشبـــــــالك
اترك الماضي اخدم المضارع يا تونسي خمّم علـــــى مآلــــــــك
من لسن ( الكافي) في المعاني بارع شاعر الخضراء يا شريعة مالك

لغيرنا أهلية الحكم على ‘‘براعة ”الكافي الشعرية. هو الذي خلع عن نفسه لقب شاعر الخضراء في الملحون طبعا. راهن الكافي على الملحون بصفة اختيارية فمحتوى شعره يدل على تمكنه من الفصحى غير أن محدودية عدد المتعلّمين في المجتمع جعلت الكافي وأقرانه يراهنون على النظم الدارج ففي نفس السياق يذكر الشاعر قاسم شقرون :

” ملحون باش يفهم جاهل العربية ونزيد نحرق فكري باش نبلغ المراد”

وقد ردّد الكافي عدة قصائد دعائية لنشاط حزب الدستور، ولكن سرعان ما انتابه نوع من اليأس بسبب ضحالة الإصلاحات التي منحها المقيم العام لوسيان سان سنة 1922 وبسبب النخبوية المفرطة التي لجأ إليها قياديو الحزب.

يا ناري كبدي مصهودة من هـمّ الدنيا المهـــــــرودة
كبف الجاهل كيف الخوجة كل واحد طالع بانــشودة
ياناري كبدي مشويــة غايضني حال الــوطنيـــــــة
طلبنا الدستور وحققنا رجعنا طلبتنا مــــــــــردودة
آمالنا فيكم علقنــــــــا من ساسها صبحت مهدودة

لقد خاب أمل عبد الرحمان الكافي في قيادات الحزب الحر الدستوري خصوصا بعد استفحال الخلافات والانشقاقات وهجرة الزعيم الثعالبي إلى المشرق فأصدع بملزومة ساخرة في ربيع 1923 تؤشّر لطلاق سياسي بين الشاعر والحزب.

زعمة فرحنا دستور حر ما فيه مشاركنا
زعمة زهينا بدستورنا وصل جاء ليدينا
ظهرفالصو للــــــــغير ماهو لـــــــــينا
قالوا شوري يخدم على وجهين عربي و سوري
زوايل تربــــــــــــــطو في وسع الكـــــــــوري
انهيقــــــــهم يا صـــــاحبي صطّـــــــــــــــــكنا

(نهيقهم يا صاحبي أصدعنا)

كانت أشعار الكافي في مرحلة تعاطفه مع الحزب الحر الدستوري محمّلة بمضامين الدفاع عن الفقراء والمعوزين وتلهج بدعاية فضفاضة للمساواة والاشتراكية. والحقيقة أن الكافي كان منذ سنة 1922 خاضعا لتأثيرات الفكر الاشتراكي ولنشاط الشيوعيين بتونس الذي توسّع مداه نسبيا سنة 1922 بعد تأسيس الفرع الفيدرالي الشيوعي بتونس .

يمكن القول إن الفكر المناهض للرأسمالية بتفريعه الاشتراكي والشيوعي هو التيار الثاني الذي طبع تجربة الكافي النضالية السياسية. وقد تجلّى ذلك في أشعاره وخاصة قصيدته الشهيرة التي أسماها بالملزومة الشيوعية والتي طبعت وزّعت في أكثر من ألفي نسخة في فيفري 1922 وقد قام المؤرخ الحبيب القزدغلي بتحقيقها ونشرها في كتابه حول : تطور الحركة الشيوعية بتونس 1919-1943 ( منشورات كلية الآداب بمنوبة ،1992 ،ص338-339)

ونورد بعض المقتطعات منها:

لا حول و لا قوة إلا بالماليين صحاب الفلوس و قناطرالشفون
حيثما تراهم تلقاهم عابسين الغضب ماكنهم ما فيهم الحنون
يتكلموا يقولوا احنا معمرين منين هالعمارة بل هم مخربون
لا باوشي يعفو و لاهم حاشمين شيطانهم متمرّد هو رايس الخون
اليوم فقنا بيهم ما بقاش ليهم وين الشي لله و بيه حزب الشيوعيون (كذا)
يحب الناس الكل اخوة مترادعين كي مسيو كي سيدي الكل فرد لون
نبهوا معاكم من هوما غافلين اللي ها الحزب الهايل الظنون
بالله يا رفقايه ياللي حاضرين اتحدوا و اتفقوا لها السر المكنون
اللي ظهر لي قلتو وانتم سامعين واللي ما عجبوش يحك بالكرطون
عبد الرحمان الكافي يسلم على الحاضرين وكذلك اللي غايب من الاشتراكيين (كذا)
تعيش الأخوة و يحيو الشيوعيين والمنجل و المطرقة تعيش يا لوزون

وروبار لوزن المذكور أطردته السلطات الاستعمارية من البلاد التونسية في صائفة 1922، وقد كان المنشط الأساسي للنواة الشيوعية الأولى بتونس، وكانت له مطبعة هي التي تولّت نشر قصيدة الكافي. ولم تعمر تجربة الكافي مع الشيوعيين طويلا فبقدر ما انبهر بمبادئ العدل و المساواة وإسعاد الكادحين أزعجته تهم المروق عن الدين والإلحاد التي روجها رجال الدين والمحافظون وغذتها السلطات الاستعمارية.

خاب أمل الكافي في الدستوريين والشيوعيين وانطلق في نهاية سنة 1923 في تجربة جديدة راهنت على الإصلاح الاجتماعي مقتنعا بعقم الإصلاح السياسي في مجتمع يرزح تحت فدافد الجهل والعادات البالية.

ب- شعر الإصلاح الاجتماعي:

تزامنت هذه التجربة تقريبا مع حركة النقابي محمد علي الحامي ورفيق دربه الطاهر الحداد، فقد راهن كل منهما على التغيير الاجتماعي بواسطة العمل الجمعياتي و التعاضدي والنقابي وكان الكافي كالعادة في المقدمة يدعو بملزوماته وقصائده إلى التغيير فشنّ حملة على الجهل والأمية:

تونس مريضة شاكية من داها طبيبها مازال ما جاهاشي
حزينة و تبكي من شديد عناها على ولدها جاهل و مايقراشي
جهل ذراريها هو اللــــي زايد عـــــــلى ما بيـــــــــــــــــها
وتهجّم الكافي على المتزمتين من رجال الدين :
وشيوخها قرضات بالتفصيلة وجودهم كيف بيه كيف بلاشي
وندّد بظاهرة السعاية و الوشاية و الرشوة:
مرض التقفيف اليوم فينا فاشي نتملقوا للجاي واللي ماشي
فينا وافر نتلقاو للجـــــــاي والــــــلي مســــــافر
نتقربوا بتعصيص للي نافر الفعل هذا الشهم ما يرضاشي
رانا عرب أصل الشهامة لينا علاش صرنا أذل من حواشي

حمل الكافي في سنوات 1923-1926 على أغلب مظاهر الفساد الاجتماعي، وتصدّى بقصائده لدرء المفاسد. لقد ندّد باستهلاك ” التكروري” وهو نوع من أنواع المخدرات التي راجت في ذلك العصر بتشجيع مباشر وغير مباشر من السلطات الاستعمارية. وندّد في قصائده بانتشار ظاهرة شرب الشاي التي كانت غريبة عن المجتمع التونسي فصدع سنة 1926 بملزومة الشاي :

يا سامعني كون معتبر التاي شربو مهلك مضر
مدمنو ماهو ذكي وفطين قلبو كاسح ما يزوزو لين
سم قاتل في الحشا يتربى يكثر السهر يخلي بنادم في قلق و ضجر
يقطع الجهد يرخف العصاب ويفرغ الأجياب يرد الفحل في الناس خنثى ذكر
التاي فعلو كيف فعل السل في بلادنا تنشر مثل الكوليرة في سنين الشر

كانت ” ملزومة الشاي” تقريبا هي آخر قصيدة متصلة بموجة النضال الاجتماعي، لقد تمكّن اليأس من الكافي فالتجأ إلى شكل نضالي اضطراري.

ج- منعطف البذاءة خيار اضطراري:

احتار الشاعر و ندد بالتشرذم و الانقسام :

ياناري على أولاد بلادي كيف لعبت بيـــــــهم الأيادي
لا حياة لمن تنادي الآذان عادت مســــــــــدودة
كي تقسموا فرحوا الأعادي بل نالوا الضالة المنشودة

كان الكافي يتضوّر حسرة وألما وينتظر تغييرا وفرجا لم يأت رغم المكابدة والمعاناة استعظم الأمر بعد ما قدمه من أوزان مناضلة وما عاناه من إيقاف وسجن، لقد عيل صبره:

ياناري راني فديت طاب قلبي ياسر عييت
عايرت شتمت و سبّيت بمعاني تجرح مصرودة
كأني نحرك في ميت وإلا نكلّم في جلمودة
كأني نكلم في الموتى الحق لا من سامع صوته

عندما ضاع أمل التغيير السياسي والإصلاح الاجتماعي، وفشل الفعل المشترك آب الكافي إلى ذاته وراهن على البذاءة التي كان يستعملها استثنائيا في قصائده. لقد راهن على عنف الكلمة القبيحة لمقاومة واقع أقبح، فولج هذا المنعطف بداية من أواخر سنة 1926 وهي سنة دخول الحركة الوطنية التونسية مرحلة ركود عام ، فجاءت ملزومة الكافي البذيئة والتي شتم فيها الجميع في سياق التنديد الشامل بالمستعمر وأتباعه وبالفاعلين العاجزين عن التغيير.

تنزلت البذاءة في مقام السخرية من الحاكم والاستهزاء بالسلطات القهرية فكانت ضربا من ضروب النضال الشعبي الفردي. وقد صنّفها المتسرّعون خطأ في خانة أدب الهامشية وما شابهه من ” البرنوغرافيا ” الأدبية.

في تاريخ تونس وباقي الأقطار العربية أشباه كثّر لعبد الرحمان الكافي لقد كانوا من أصناف المثقفين العضويين الشعبيين، ناضلوا بعفوية وصدق وطواهم النسيان الإرادي والمقصود فهل آن أوان إنصافهم؟


د. عبد الواحد المكني
 
أعلى