محمد سيد كيلاني - حول البردة -2-

لم سميت بالبردة؟

سبق أن رأينا البوصيري يطلق على قصائده أسماء معينة مثل (ذخر المعاد) و (تقديس الحرم من تدنيس الضرم) و (أم القرى في مدح خير الورى). ومن المؤكد أن هذه الأسماء لا تخفي وراءها أسراراً وأنه لم يقصد بها غير ظاهرها. وقد أطلق على قصيدته التي مطلعها.

أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

أسم (البردة) وذلك على سبيل المجاز. فهي في نظره قد استوعبت مناقب الرسول وفضائله. وقد شبه البوصيري شعره في أكثر من موضع بالبردة وبالحلة. فقال يخاطب النبي في قصيدته (ذخر المعاد).

ها حلة بخلال منك قد رقمت ... ما في محاسنها للعيب تخليل

جاءت بحبي وتصديقي إليك وما ... حبي مشوب ولا التصديق مدخول

ألبستها منك حسنا فازدهت شرفاً ... بها الخواطر منا والمناويل

لم أنتحلها ولم أغصب معانيها ... وغير مدحك مغصوب ومنحول

وقال في الهمزية:

هاك من صنعة القريض بروداً ... لك لم تحك وشيها صنعاء

فهذا البيت صريح في أن الرجل كان يرى أن مديحه للرسول يشبه البردة التي حوت جميع الصفات الحميدة التي أتصف بها النبي عليه السلام.

وقد ذكر البوصيري كلمة (بردة) في غير المناسبات السابقة ومثال ذلك قوله:

رسول الله دعوة مستقيل ... من التقصير خاطره هيوب

تعذر في المشيب وكان عياً ... وبرد شبابه ضاف قشيب

وفي قصيدته (ذخر المعاد) نظر إلى كعب بن زهير وقصته مع الرسول قال: وما على قوم كعب أن نوازنه ... فربما وازن الدر المثاقيل

فما تقدم نرى أن البوصيري أطلق على قصيدته اسم (البردة) ولم يرد منه سوى المعنى المجازي.

وللبردة اسم آخر وهو (البرءة) وذلك لأن البوصيري في زعمهم برئ بها من علته ولو ألقينا نظرة على هذه القصيدة لما وجدنا الشاعر قد ذكر علته ولا أشار إلى إصابته بمرض معين إشارة قريبة أو بعيدة ولم يتوسل إلى الله أن يشفيه من مرض أصابه ولا من داء ألم به.

فهذه التسمية مبنية على قصة مرض البوصيري بالفالج ورؤيته للنبي وشفائه عقب هذه الرؤية، وقد سبق أن ناقشنا هذه الروايات وفندناها. وكل ما يمكننا أن نقوله هو أن البوصيري ربما نظم هذه القصيدة عقب شفائه من الكسر الذي أصابه. وفي هذه الحالة يعوزنا الدليل على ما نقول.

وعلى ذلك فالأقرب إلى العقل والمنطق أن البوصيري رأى قوماً متجهين إلى الحجاز فتذكر رحلته فأنشأ هذه القصيدة وبدأها بقوله: أمن تذك جيران بذي سلم. . . الخ فإذا اقتنعنا بذلك أمكننا أن نقول أن إطلاق أسم (البرءة) على هذه القصيدة هو من وضع الرواة واختراع القصاص.

وقد سميت كذلك بقصيدة (الشدائد) وذلك لأنها في زعمهم تقرأ لتفريج الشدائد وتسير كل أمر عسير وهذا وهو باطل واعتقاد فاسد. وما البردة إلا قصيدة كغيرها من آلاف القصائد التي مدح بها الرسول. وليت شعري أي شيء في هذه القصيدة يشفي من الأمراض ويجلب الرزق ويذهب بالشدائد أهو البكاء على جيران بذي سلم وكاظمة وأضم والبان والعلم؟ أم ذكر إرتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان وسجو الأشجار، وهذا كله من الأساطير والخرافات؟ وفضلا عن ذلك فإن البوصيري ذكر هذه الخوارق في قصائد أخرى كما ذكرها غيره ممن مدحوا الرسول. فلم انفردت أبيات البوصيري في هذا المقام بشفاء المرض وتفريج الشدائد دون غيرها؟

أما التكلم عن جهاد الصحابة فهذا مذكور في كثير من كتب التاريخ، ولا يعقل أن الشعر الذي يشير إلى هذا الجهاد يشفي مرضاً أو يجلب رزقاً.

لم تحور البردة عير هذه الموضوعات: الغزل والتشبيب بالأماكن الحجازية، ثم وصف لمناقب الرسول وذكر لكثير من العجائب والمعجزات، ثم الإشادة بكفاح الصحابة في سبيل الإسلام. ولا يستطيع عاقل أو نصف عاقل أن يدعي أن شعراً يقال في موضوع من هذه الموضوعات يجلب الغنى ويطرد الفقر ويذهب الضيق.

وأسم آخر أطلق على هذه القصيدة وهو (الكواكب الدرية في مدح خير البرية).

شروط قراءتها:

ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول هذه القصيدة بل شرعوا يضعون لقراءتها شروطاً لم توضع مثلها لقراءة القرآن. فمن هذه الشروط:

(1) التوضؤ (2) استقبال القبلة (3) الدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها (4) أن يكون القارئ عالماً بمعانيها (5) قراءتها بالنظم لأنها وردت منظومة لا منثورة (6) حفظها (7) كون القارئ مأذونا بقراءتها من أهلها (8) قراءتها مع الصلاة على النبي عليه السلام. ويلزم أن تكون الصلاة بتلك التي صلى بها البوصيري وهي:

مولاي صلي وسلم دائما أبداً ... على حبيبك خير الرسل كلهم

لا بغيرها وإلا فلا تكون مؤثرة.

وقال قوم آخرون أن من شروط قراءتها أن يصلي من أراد ذلك ركعتين بنية قضاء الحاجة لوجه الله تعالى. وأن يقرأ بعد الصلاة ثلاث مرات بأسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وثلاث مرات خير لنا وشر لأعدائنا. رب يسر ولا تعسر. رب تمم بالخير آمين رب العالمين. وثلاث مرات يا فتاح. وما النصر إلا من عند الله ثلاث مرات. الله أكبر، ألله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر ولله الحمد. وأن يقرأ الآية الكريمة مرة واحدة مع البسملة الشريفة وهي قوله تعالى: فلقد جاءكم إلى آخر الآية وأن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة أعني بها اللهم صل أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم عدد معلوماتك، ومداد كلماتك كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكر الغافلون.

ولا شك في أن هذا يدل على انحطاط في مستوى التفكير وضعف لا مثيل له في العقول. ووجه العجب في هذا أن المسلمين على اختلاف مذاهبهم وفرقهم قد آمنوا بهذه الخرافات واتفقت كلمتهم في مشارق الأرض ومغاربها على التصديق والإيمان بما يقال عن هذه القصيدة لا فرق في ذلك بين سني وشيعي. والذي ساعد على هذا هو تفشي الجهالة بين الشعوب الإسلامية بعد أن ابتعدت عن العلم الصحيح وتركت تعاليم المعتزلة جملت واحدة واستسلمت للدجالين والمشعوذين الذي سيطروا على العقول زمناً طويلاً.

ويرجع الفضل في نشر هذه الخرافات بين المسلمين إلى رجال الطرق الصوفية الذين اتخذوا البردة نشيداً يتغنون بها في حفلات الذكر.

مناقبها:

ووضعوا للبردة من المناقب والفضائل مالا يقع تحت حصر. فهي تشفي من الرمد والفالج والحمى وغيرها من الأمراض. وما قرأها أحد عند نزول الشدائد إلا فرج الله عنه. وما قرأها على سفينة هال عليها الريح إلا سلمت من الغرق. وما قرأها مسجون إلا خرج سالماً. ومن قرأها في ليلة الجمعة يعد العشاء الأخيرة بطهارة كاملة رأى النبي في منامه. ومن مناقبها أنها تقرأ لإطالة العمر ودفع البلاء وجلب المنفعة.

هذه مناقب القصيدة عامة. ثم وضعوا لكل بضعة أبيات منها مناقب خاصة وفوائد معينة. فمن قوله:

أمن تذكر جيران بذي سلم

إلى قوله:

وما لقلبك أن قلت استفق يهم

يقول عبد السلام بن إدريس المراكشي أحد شراح البردة (خاصية هذه الأبيات الثلاثة إذا كانت عندك بهيمة لم تقبل التعلم فاكتبها في زجاجة وامحها بماء المطر واسقها للبهيمة فإنها تذل وتتعلم ما أنت تعلمها بسرعة. وإن كانت لك مملوكة أو مملوك من العجم، ولم يتعلم كلام العرب بسرعة فاكتب هذه الأبيات في رق غزال ثم علقه على عضده اليمن فإنه يتفصح بسرعة بإذن الله تعالى.)

ومن قوله:

أيحسب الصب أن الحب منكتم إلى قوله:

والحب يعترض اللذات بالألم قال الشيخ عبد السلام المتقدم ذكره: (خاصية هذه الأبيات عجيبة. وذلك أنك إذا كنت تتهم أحداً من النساء فأكتب هذه الأبيات في ورقة انزج وخلها حتى الوقت الذي تكون فيه نائمة، فضع الورقة على ثديها الأيسر واجعل أذنك عند فمها فإنها تنطق بجميع ما تفعله في غيبتك من مليح أو قبيح. هذا مجرب صحيح. وكذلك إذا شككت في أحد أنه أخذ لك شيئا وأنكره فاكتب هذه الأبيات في جلد ضفدع مدبوغا وخذ لسان ضفدع وصبيره في الجلد وعلقها في عنقه فإن المتهم الذي سرق لك شيئا يقر به من ساعته ويدهش ولا يستطيع أن ينكر ولا يخاصم أصلاً، فاعرف مقدار هذا السر العظيم).

وهكذا استغل المشعوذون والدجالون قصيدة البردة لابتزاز الأموال والاحتيال على بسطاء الأحلام وضعفاء العقول. واتخذوا منها تمائم وأحجبة وشرعوا يوهمون السلاح بفوائد هذه التمائم ومنافعها ويتقاضون على ذلك ما يملأ جيوبهم ومن الذي يستطيع أن يأتي بجلد ضفدع مدبوغ ولسان ضفدع ورق غزال وماء زعفران غير أولئك الذين خصصوا أنفسهم في مزاولة الاحتيال والنصب؟

شهرتها

وقد ترتب على ما تقدم أن سار ذكر البردة في الآفاق شرقاً وغرباً، وحفظها الخاص والعام، وتعنى بها الناس في الموالد والأذكار، وأكثروا من تلاوتها في شتى المناسبات. وقد ترجمت إلى بعض اللغات الشرقية كالتركية والفارسية والأردية. كما ترجمت إلى بعض اللغات الأوربية. فترجمها إلى اللغة الفرنسية المسيو رينه باسيه وطبعها في باريس سنة 1894. كما ترجمها إلى اللغة الإيطالية السنيور جابر يلي طبعها في فلورنسه عام 1901. وكذلك ترجمت إلى اللغتين الإنجليزية والألمانية.

وأقبل الشعراء عليها فمنهم من يصدرها ومنهم من يعجرها ومنهم من يخمسها ومنهم من يسبعها، ومنهم من يتسعها ومنهم من يعشرها ومنهم من ينهج نهجها ويسنج على منوالها.

وأوسعها الكتاب شرحاً وتعليقاً ووضعوا لها المناقب والفضائل والكرامات على نحو ما ذكرنا. وفي دار الكتب المصرية مجموعتان كبيرتان، الأولى تحت عنوان تحاميس البردة المسماة (بالكواكب الدرية في مدح خير البرية) وهي تسع وستون تخميساً لم يعلم جامعها.

والثانية عنوانها: (الشهب المضية في تخميس الكواكب الدرية) وهي ثلاثون تخميساً لم يعلم جامعها.

ولا تخلو مكتبة في أوربا من شروح للبردة وتخاميس لها.

كيف اشتهرت البردة؟

أنت تعلم أن البوصيري من أصل مغربي، وأنه قضى بقية عمره في الإسكندرية مندمجاً في سلك أبي العباس المرسي، مجتهداً في نشر الدعوة للطريقة الشاذلية.

وقد كانت الإسكندرية في ذلك الوقت محط رجال كثير من المغاربة الذين كانوا يفدون عليها ويجدون من سذاجة الناس ما يشجعهم على الاشتغال بالنصب والاحتيال وادعائهم رؤية الطوال وعلم الغيب والقدرة على جلب الثروة وكشف المخبأ من الكنوز وغير ذلك من ضروب الغش التي استحلوا بها أموال الناس.

وطفق هؤلاء المغاربة بعد زوال الدولة الفاطمية يعملون على الاحتفاظ بمكانتهم الأدبية ومستواهم المادي الذي كانوا عليه أيام الفاطميين، وهكذا رأينا أقطابا من أصل مغربي يظهرون فجأة وتوضع لهم المناقب وتخترع لهم الكرامات ومن هؤلاء الأقطاب أبو الحسن الشاذلي فقد قال فيه أنصاره ما لم يقل مثله في أكبر الصحابة والتابعين. ورأى هؤلاء المغاربة أن يكثروا من عدداً لأقطاب طمعا في الثروة وجلبا للكسب فألفوا حول أبي العباس المرسي مثل ما ألفوا حول أستاذه الشاذلي، ثم ألفوا حول البوصيري المغربي الأصل مناقب كثيرة ولقبوه بالإمام وأقاموا له ضريحاً. وهكذا أخذت أضرحة الأقطاب المغاربة تكثر يوما بعد يوم فرأينا إبراهيم الدسوقي في دسوق، وأحمد البدوي في طنطا، وعبد الرحيم القنائي في قنا، يوسف أبا الحجاج في الأقصر. وأخذ المصريون يحملون إليها النذور ويقدمون لها القرابين ويتوسلون بها في قضاء الحاجات. وبهذا اغتنى القائمون على هذه الأضرحة وكلهم من أصل مغربي، واستحلوا أموال الناس يأكلونها بالباطل ولم يتورعوا عن استغلال الطرق المزرية وارتكاب المخازي والقبائح مع ضحاياهم ليستولوا بذلك على الأموال الطائلة. وأعانهم على ذلك جهل العام وعدم وجود حكومات تضرب على أيديهم.

وأتخذ المغاربة من (البردة) مجالا لنشاطهم، ووضعوا لها المناقب والفضائل، واحتكروا نسخها وتأجيرها وبيعها وشرحها وتفسيرها، كما كتبوا في خصائص كل بيت من أبياتها.

وحفظها أتباع الطريقة الشاذلية وصاروا ينشدونها في الأذكار.

قيمتها الأدبية:

لا جدال في أن البردة من أروع القصائد التي قيلت في مدح الرسول. فهي قوية في أسلوبها غنية بالحكم الخالدة والتشبيهات الرائعة والاستعارات اللطيفة والمعاني التي عجز الشعراء عن الإتيان بمثلها والتي ضمنت للبوصيري ذيوع الاسم وخلو الذكر. وقد اقتبس الشعراء الذين جاءوا بعده كثيرا من المعاني الواردة في البردة. ومثال ذلك قوله:

فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

فأخذ هذا المعنى شعراء كثيرون منهم أحمد شوقي حيث يقول:

يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي ... وكيف لا يتسامى بالرسول سمي

وقال:

لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم

فتداوله كثيرون ومن ذلك وقول أحدهم:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم

وقد أجاد البوصيري إجادة تامة في قوله:

كفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم

في حين أن شوقي لم يجد في قوله:

ذكرت باليتم في القرآن تكرمة ... وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم

ولم يلحق بالبوصيري حين قال:

يا أيها الأمي حسبك رتبة ... في العلم أن دانت بك العلماء

ولم ينتفع الشعراء بمعاني البوصيري في هذه القصيدة فقط، بل انتفعوا بأسلوبه وأغاروا على طريقته ونقلوا كثيرا من عباراته. ولعل هذا يرجع إلى مظهر القداسة التي أحيطت به هذه القصيدة وإلى الإجادة التامة التي وفق إليها البوصيري في البردة. وما أصدق أحمد شوقي حين يقوله:

المادحون وأرباب الهوى تبع ... لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم

مديحه فيك حب خالص وهوى ... وصادق الحب يملي صادق الكلم الله يشهد أني لا أعارضه ... من ذا يعارض صوب العارض العرم

وإنما أنا بعض الغابطين ومن ... يغبط وليسك لا يذمم ولا يلم

محمد سيد كيلاني


مجلة الرسالة - العدد 893
بتاريخ: 14 - 08 - 1950
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...