إضافة صفحة
إلغاء المتابعة
وضع إشارة مرجعية
-1- من عبد القادر الإدريسي إلى عبدالجبار العلمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الرباط في : 24/2/2016م
أخي العزيز وصديقي الأديب الشاعر الشريف
سيدي عبد الجبار العلمي، المحمدية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فيسعدني أن أشكرك شكراً جزيلاً، على هديتك الجميلة التي أنعشتني وسررت بها، وأعادتني إلى ذلك الزمن الجميل الذي جمعنا فلم نفترق بعده قط، روحياً وثقافياً حتى اليوم، على الرغم من شط المزار وبعد الديار.
إن ديوانك الأول هذا (عصافير محلقة في زمن الصخب والعنف) قارورة من العطر، وباقة من الورد، ونفحة من روحك، ونفثة من صدرك، وإشراقة من فكرك، وعصارة تأملاتك وخلاصة معايشتك لصروف الزمن، منذ أن انبجسَ من داخلك ينبوع الشعر، فتدفقت مياهه وجرت جداوله، فكنت شاعراً منذ يفاعتك، وأديباً من بدايتك، قبل أن تصير باحثاً وناقداً وكاتباً، إن قـلَّ إنتاجك ـ على الأقل المنشور منه ـ، فإنه القليل الذي يغني عن الكثير، لقيمته الأدبية، ولأهميته الفنية، ولنكهته النافذة، ولمذاقه العذب، ولطعمه الخاص.
ديوانك هذا، يا عزيزي، تحفة أدبية لا أجمل ولا أبهى، فقد جاء على نسق نزارنا الدمشقي، وعلى نفس أبي ريشة الحَلبي، فيه من نفحات الأول ما يطرب، ومن إشراقات الثاني ما يبهج، وهما النجمان الساطعان في سمائنا يوم كنا صغاراً نشدو الأدب ونُـنْشِدُ الشِّعر.
في ديوانك قصائدُ، لعلها لا تعدو ثلاثاً، ذكّرتني بالزمن الأول، فهي دون أدنى شك، من بواكير الكرم الذي أينعت عناقيده في بستانك. أما قصيدتك في رثـاء فارس الصحافة المغربية وزين الصحافيين، الأستاذ مصطفى الصباغ، رحمه الله، فهي وحدها قيمة شعرية مضافة، وجوهرة الديوان، أو بيت القصيد كما تقول العرب، تعود إلى سنة 1966 التي توفي فيها ابن مدينتنا الذي كان يشدنا إليه، وكنت أراه شخصياً مثلاً أعلى أتطلع إليه وأحلم به، وأُجهِدُ نفسي في اقتفاء أثره، حتى ساقتني المغامرة الجميلة إلى شاطئ الخليج في صيف سنة 1969، قبل سبعة وأربعين ربيعاً بالتمام والكمال، حيث وجدت نفسي أنزل ضيفاً في الكويت على مَن نزل هو ضيفاً عليه في سنة 1957، يوم لم تكن في الكويت، ولا في الإمارات العشر المحمية (من الإنجليز) إلا ثانوية واحدة التحق بها أخونا مصطفى. هذه قصيدة تستحق أن تنشر اليوم ولو بدون مناسبة، عند تقديم ديوانك للقارئ. وأرجو أن أكون بادئاً بذلك قريباً، إن شاء الله.
لو حذفت كلمة (العنف) من العنوان، لكان أجمل، إذ يكفي (الصخب)، حتى لا يطول العنوان. أليس كذلك؟. وهذا العنوان يقطر عسلاً، كما تعبقُ قصائدُك بروائح الياسمين والقرنفل، وكأنك لا تزال تقيم في شفشاون مسقط رأسك وموطن أهلك، وتعيش في تطوان مرتع طفولتك ومَـغْـنَى يفاعتك ومدرج شبابك الغض، قبل أن تطوح بك الهجرة من أجل طلب العلم، إلى جامعة فاس، ثم إلى الدار البيضاء للعمل الذي ترقيت فيه حتى نلت مبتغاك، وجمعت الحسنيين فحصلت على الدكتوراه من جامعتك، وانتهت بك إلى المحمدية التي يُحمد لك فيها المقام ويطيبْ، حتى صار أحلى من الزبيبْ.
أهنئك بصدور ديوانك الجميل المبهج للنفس المُغْري بالقراءة والتأمل في بدائعه والانتشاء بروائعه، الذي سعدت به واغتبطت وفرحت، وإن كنت أريده يضم قصائد أكثر حتى يكون أثمر، أي أوفر ثماراً، ولك منها رصيد لست أشك في أنك حافظت عليه عبر السنين، وأضفتَ إليه، فلست أنت بضنين.
وأسأل الله أن يحفظك لي أخاً عزيزاً أحبه، وصديقاً حميماً أجلّـه، ورفيق درب ندعو الله أن يظل مضيئاً، مشرقاً، إلى أن نلقى وجهه الكريم سبحانه وتعالى بقلب سليم. إنه كريم سميع مجيب للدعوات منعم على عباده ومغدق عليهم الكرامات.
ولك مني، أخي العزيز، الاحترام الفائق، والتقدير الرائق، والوفاء الواثق، والمحبة الدائمة.
عبد القادر الإدريسي
..........................
-2- من عبد الجبار العلمي إلى عبدالقادر الإدريسي
المحمدية بتاريخ : 26 أكتوبر 2016
إلى صديقي العزيز الشريف الأديب الإعلامي العِصامي الأستاذ سيدي عبدالقادر الإدريسي حفظه الله.
تحية طيبة ، وبعد
أعتذر عن التأخر في الرد على رسالتك المضمخة بعطر المحبة والإخاء الصادقين ، وعن موافاتك برأيي في مقالك القيم المنشور بالملحق الثقافي لجريدة العَلَم الغراء ، وذلك بسبب عدم فتحي لبريدي الإلكتروني خلال مدة سفري. وحين استقر بي المقام ببيتي بالمحمدية وفتحت صندوق البريد، ألفيتُ به الرسالة والمقالة. أشكرك الشُّكر العميق على الثقة التي توليني إيَّاها، وأنت ألأديب الأريب المتمرس بالكتابة والبحث والمتمكن من كتابة فن المقالة الأدبية الأنيقة من حيث لغتها وأسلوبها وطرائق صياغتها الفنية. وما زلت أذكر مقالتك السردية الطريفة المشوقة التي تأخذ بتلابيب قارئها ليلتهم كل سطورها وفقراتها إلى النهاية ، ويتعلق الأمر بمقالتك حول " الحسن اليوسي ". فالقارئ لا يدري هل هو أمام لقاء حقيقي بينك وبين اليوسي بمصر أو هو محض خيال إلا إذا كان على اطلاع ومعرفة بحياة الرجل والفترة التي عاش فيها. الحقيقة أنني استمتعت أيما استمتاع بتلك المقالة السردية الرائعة ، فضلاً عن إفادتي من المعارف التي تُقدمها عن هذه الشخصية الأدبية المغربية المعروفة ( خصصت مجلة المناهل ـ كما تعلم ـ عدداً لها أيام عهد هذه المجلة الزاهر )، كما قرأتُ قبل ذلك عرضَكَ القيِّم الذي مازلت أحتفظ به حول رواية " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية " للروائي المغربي عبدالرحيم لحبيبي. وأذكر أنه نال إعجاب العديد من الأصدقاء الذين قرأوه في ملحق « العلم الثقافي » .
أما ما كتبتَه عن صديقك الشَّاعر فاروق شوشة ، فهو مقالة تأبينية لهذا الشاعر المبدع الإعلامي الجميل المنافح عن لغتنا الجميلة رحمه الله رحمة واسعة لما أسداه للشعر العربي المعاصر بإغنائه المكتبة الشعرية بشعره الغزير ( ثمانية عشر ديواناً كما ذكرت في مقالتك ) ، ذاكراً إياها بعناوينها ، موثقاً تواريخ إصدارها ، وكذلك لما قدمه من خدمات جليلة للغة العربية من خلال برنامجه القيم " لغتنا الجميلة " أو برنامجه الثقافي الحواري الذي كان يستدعي إليه كبار الكتاب والأدباء. وقد استمتعتُ بالاستماع أو مشاهدة بعضها بفضل وسائل التواصل الحديثة والمواقع الإليكترونية كاليويتوب على سبيل المثال.
مقالتك ، فضلاً عن تقديمها مادة معرفية قيِّمة حول إنجاز الشاعر الباحث الإعلامي الفصيح ، الإنسان الملتزم الذي لم تستطع الإغراءات أن تجعله يميل إلى أي جانب من شأنه أن يفقده استقلاليته ومكانته الرفيعة في مجال الإعلام الثقافي الهادف البناء ، فضلاً عن ذلك ، تقدم إلينا ذكرياتِكَ الجميلةَ مع الفقيد ، وعلاقةَ الصَّداقةِ الوطيدة الحميمة معه ، ولقاءاتِك الخاصة به في أرض الكنانة في مكتبه بدار الإذاعة أو غيرها من أماكن عمله المختلفة ، حين كان يتقلد المناصب السامية التي هو جدير بها ، وآخرها انتخابه أميناً عاما لمجمع اللغة العربية. أما جائزة النيل للآداب التي أحرزَ عليها في آخر عمره ، فأرى أنها قد تأخرت عنه ، وكان حرياً بالدولة أن تمنحَها إيَّاه في مرحلةٍ سابقةٍ من عمره تقديراً لجهوده وإبداعه الغزير وتحفيزاً له على المزيد ، ولكنها المحسوبية والعلاقات الزَّبونية والشللية التي سادت زمنا طويلاً في الوسط الثقافي والإعلامي بمصر ، والرجل كان يربأ بنفسه أن يسقط في أحضانها غير الدافئة وغير المريحة للنفس وللضمير .
بعد أن قرأت مقالتك الغنية بالمعرفة عن هذا الشاعر الجميل والإنسان الراقي ، والرسائل الأدبية المتبادلة بينكما، عدت إلى حوار مطول أجراه معه الكاتب الصحفي المرموق جهاد فاضل بجريدة القبس في عددين ( 8 / 3 / 1987 ـ 18 / 5 / 1989 )، وقد نشره ضمن كتابه الموسوم بـ" أسئلة الشعر " الذي قرأته منذ مدة غير قصيرة ، فوجدت أن للرجل آراءً سديدةً في الشِّعر ووضعيتِه المتأزمة سواء في مصر أو غيرها من الأقطار العربية ، ووظيفته الحقيقية في تغيير الإنسان إلى الأفضل بتشربه القيم العليا التي يدعو إليها الفن الرفيع الهادف. كما أن له آراء صريحةً في ما يسمى بقصيدة النثر ، وفيما يدعو إليه بعض المحسوبين على الحداثة الشعرية من تفجير للغة واغتصاب لها واعتماد الموسيقى الداخلية بديلاً عن موسيقى الشعر المعروفة ، مفنداً الرأي القائل بأن قصيدة النثر هي شكل الحداثة الأوحد في هذا العصر . وقد أعجبتُ بموقفه الصارم من الفوضى الشعرية واستسهال الشباب لخوض غمار الشعر وهم لا يمتلكون أدواته. فثمة ضعف في الثقافة، وضعف في التجربة وضعف في اللغة، وهو لا يتهاون مع من يحاول أن يشوه وجه عشيقته الجميلة. إن فاروق شوشة رحمه الله ، كان مفتوناً باللغة ، مهتماً بها ، يرى أن الشعر لغة وأن الإبداع إبداع باللغة والكلمة ، ولأننا خارج إطار هذه اللغة ، نحن في العراء أو نحن في التغريب في إطار لغة أخرى . لقد كان يرى أنه لا ينبغي الوقوع في أسر التجريب والغموض.
وتقبل، أيها الصديق العزيز الوفي لصداقتنا القديمة المتجددة، محبتي الصادقة وتقديري العميق ، راجياً أن تقرأ سلامي وسلام زوجتي إلى عقيلتك الفاضلة وإلى سائر الأبناء.
أخوك : عبدالجبار
******************
3- رسالة بعثها إالدكتورعبد الجبار العلمي إلى صديقه الإعلامي العصامي عبد القادر الإدريسي، وقد تفضل بنشرها ضمن رسائل أخرى في كتابه السيرذاتي " أوراق عاشق في بلاط صاحب الجلالة / بعض من سيرة "
إلغاء المتابعة
وضع إشارة مرجعية
-1- من عبد القادر الإدريسي إلى عبدالجبار العلمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الرباط في : 24/2/2016م
أخي العزيز وصديقي الأديب الشاعر الشريف
سيدي عبد الجبار العلمي، المحمدية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فيسعدني أن أشكرك شكراً جزيلاً، على هديتك الجميلة التي أنعشتني وسررت بها، وأعادتني إلى ذلك الزمن الجميل الذي جمعنا فلم نفترق بعده قط، روحياً وثقافياً حتى اليوم، على الرغم من شط المزار وبعد الديار.
إن ديوانك الأول هذا (عصافير محلقة في زمن الصخب والعنف) قارورة من العطر، وباقة من الورد، ونفحة من روحك، ونفثة من صدرك، وإشراقة من فكرك، وعصارة تأملاتك وخلاصة معايشتك لصروف الزمن، منذ أن انبجسَ من داخلك ينبوع الشعر، فتدفقت مياهه وجرت جداوله، فكنت شاعراً منذ يفاعتك، وأديباً من بدايتك، قبل أن تصير باحثاً وناقداً وكاتباً، إن قـلَّ إنتاجك ـ على الأقل المنشور منه ـ، فإنه القليل الذي يغني عن الكثير، لقيمته الأدبية، ولأهميته الفنية، ولنكهته النافذة، ولمذاقه العذب، ولطعمه الخاص.
ديوانك هذا، يا عزيزي، تحفة أدبية لا أجمل ولا أبهى، فقد جاء على نسق نزارنا الدمشقي، وعلى نفس أبي ريشة الحَلبي، فيه من نفحات الأول ما يطرب، ومن إشراقات الثاني ما يبهج، وهما النجمان الساطعان في سمائنا يوم كنا صغاراً نشدو الأدب ونُـنْشِدُ الشِّعر.
في ديوانك قصائدُ، لعلها لا تعدو ثلاثاً، ذكّرتني بالزمن الأول، فهي دون أدنى شك، من بواكير الكرم الذي أينعت عناقيده في بستانك. أما قصيدتك في رثـاء فارس الصحافة المغربية وزين الصحافيين، الأستاذ مصطفى الصباغ، رحمه الله، فهي وحدها قيمة شعرية مضافة، وجوهرة الديوان، أو بيت القصيد كما تقول العرب، تعود إلى سنة 1966 التي توفي فيها ابن مدينتنا الذي كان يشدنا إليه، وكنت أراه شخصياً مثلاً أعلى أتطلع إليه وأحلم به، وأُجهِدُ نفسي في اقتفاء أثره، حتى ساقتني المغامرة الجميلة إلى شاطئ الخليج في صيف سنة 1969، قبل سبعة وأربعين ربيعاً بالتمام والكمال، حيث وجدت نفسي أنزل ضيفاً في الكويت على مَن نزل هو ضيفاً عليه في سنة 1957، يوم لم تكن في الكويت، ولا في الإمارات العشر المحمية (من الإنجليز) إلا ثانوية واحدة التحق بها أخونا مصطفى. هذه قصيدة تستحق أن تنشر اليوم ولو بدون مناسبة، عند تقديم ديوانك للقارئ. وأرجو أن أكون بادئاً بذلك قريباً، إن شاء الله.
لو حذفت كلمة (العنف) من العنوان، لكان أجمل، إذ يكفي (الصخب)، حتى لا يطول العنوان. أليس كذلك؟. وهذا العنوان يقطر عسلاً، كما تعبقُ قصائدُك بروائح الياسمين والقرنفل، وكأنك لا تزال تقيم في شفشاون مسقط رأسك وموطن أهلك، وتعيش في تطوان مرتع طفولتك ومَـغْـنَى يفاعتك ومدرج شبابك الغض، قبل أن تطوح بك الهجرة من أجل طلب العلم، إلى جامعة فاس، ثم إلى الدار البيضاء للعمل الذي ترقيت فيه حتى نلت مبتغاك، وجمعت الحسنيين فحصلت على الدكتوراه من جامعتك، وانتهت بك إلى المحمدية التي يُحمد لك فيها المقام ويطيبْ، حتى صار أحلى من الزبيبْ.
أهنئك بصدور ديوانك الجميل المبهج للنفس المُغْري بالقراءة والتأمل في بدائعه والانتشاء بروائعه، الذي سعدت به واغتبطت وفرحت، وإن كنت أريده يضم قصائد أكثر حتى يكون أثمر، أي أوفر ثماراً، ولك منها رصيد لست أشك في أنك حافظت عليه عبر السنين، وأضفتَ إليه، فلست أنت بضنين.
وأسأل الله أن يحفظك لي أخاً عزيزاً أحبه، وصديقاً حميماً أجلّـه، ورفيق درب ندعو الله أن يظل مضيئاً، مشرقاً، إلى أن نلقى وجهه الكريم سبحانه وتعالى بقلب سليم. إنه كريم سميع مجيب للدعوات منعم على عباده ومغدق عليهم الكرامات.
ولك مني، أخي العزيز، الاحترام الفائق، والتقدير الرائق، والوفاء الواثق، والمحبة الدائمة.
عبد القادر الإدريسي
..........................
-2- من عبد الجبار العلمي إلى عبدالقادر الإدريسي
المحمدية بتاريخ : 26 أكتوبر 2016
إلى صديقي العزيز الشريف الأديب الإعلامي العِصامي الأستاذ سيدي عبدالقادر الإدريسي حفظه الله.
تحية طيبة ، وبعد
أعتذر عن التأخر في الرد على رسالتك المضمخة بعطر المحبة والإخاء الصادقين ، وعن موافاتك برأيي في مقالك القيم المنشور بالملحق الثقافي لجريدة العَلَم الغراء ، وذلك بسبب عدم فتحي لبريدي الإلكتروني خلال مدة سفري. وحين استقر بي المقام ببيتي بالمحمدية وفتحت صندوق البريد، ألفيتُ به الرسالة والمقالة. أشكرك الشُّكر العميق على الثقة التي توليني إيَّاها، وأنت ألأديب الأريب المتمرس بالكتابة والبحث والمتمكن من كتابة فن المقالة الأدبية الأنيقة من حيث لغتها وأسلوبها وطرائق صياغتها الفنية. وما زلت أذكر مقالتك السردية الطريفة المشوقة التي تأخذ بتلابيب قارئها ليلتهم كل سطورها وفقراتها إلى النهاية ، ويتعلق الأمر بمقالتك حول " الحسن اليوسي ". فالقارئ لا يدري هل هو أمام لقاء حقيقي بينك وبين اليوسي بمصر أو هو محض خيال إلا إذا كان على اطلاع ومعرفة بحياة الرجل والفترة التي عاش فيها. الحقيقة أنني استمتعت أيما استمتاع بتلك المقالة السردية الرائعة ، فضلاً عن إفادتي من المعارف التي تُقدمها عن هذه الشخصية الأدبية المغربية المعروفة ( خصصت مجلة المناهل ـ كما تعلم ـ عدداً لها أيام عهد هذه المجلة الزاهر )، كما قرأتُ قبل ذلك عرضَكَ القيِّم الذي مازلت أحتفظ به حول رواية " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية " للروائي المغربي عبدالرحيم لحبيبي. وأذكر أنه نال إعجاب العديد من الأصدقاء الذين قرأوه في ملحق « العلم الثقافي » .
أما ما كتبتَه عن صديقك الشَّاعر فاروق شوشة ، فهو مقالة تأبينية لهذا الشاعر المبدع الإعلامي الجميل المنافح عن لغتنا الجميلة رحمه الله رحمة واسعة لما أسداه للشعر العربي المعاصر بإغنائه المكتبة الشعرية بشعره الغزير ( ثمانية عشر ديواناً كما ذكرت في مقالتك ) ، ذاكراً إياها بعناوينها ، موثقاً تواريخ إصدارها ، وكذلك لما قدمه من خدمات جليلة للغة العربية من خلال برنامجه القيم " لغتنا الجميلة " أو برنامجه الثقافي الحواري الذي كان يستدعي إليه كبار الكتاب والأدباء. وقد استمتعتُ بالاستماع أو مشاهدة بعضها بفضل وسائل التواصل الحديثة والمواقع الإليكترونية كاليويتوب على سبيل المثال.
مقالتك ، فضلاً عن تقديمها مادة معرفية قيِّمة حول إنجاز الشاعر الباحث الإعلامي الفصيح ، الإنسان الملتزم الذي لم تستطع الإغراءات أن تجعله يميل إلى أي جانب من شأنه أن يفقده استقلاليته ومكانته الرفيعة في مجال الإعلام الثقافي الهادف البناء ، فضلاً عن ذلك ، تقدم إلينا ذكرياتِكَ الجميلةَ مع الفقيد ، وعلاقةَ الصَّداقةِ الوطيدة الحميمة معه ، ولقاءاتِك الخاصة به في أرض الكنانة في مكتبه بدار الإذاعة أو غيرها من أماكن عمله المختلفة ، حين كان يتقلد المناصب السامية التي هو جدير بها ، وآخرها انتخابه أميناً عاما لمجمع اللغة العربية. أما جائزة النيل للآداب التي أحرزَ عليها في آخر عمره ، فأرى أنها قد تأخرت عنه ، وكان حرياً بالدولة أن تمنحَها إيَّاه في مرحلةٍ سابقةٍ من عمره تقديراً لجهوده وإبداعه الغزير وتحفيزاً له على المزيد ، ولكنها المحسوبية والعلاقات الزَّبونية والشللية التي سادت زمنا طويلاً في الوسط الثقافي والإعلامي بمصر ، والرجل كان يربأ بنفسه أن يسقط في أحضانها غير الدافئة وغير المريحة للنفس وللضمير .
بعد أن قرأت مقالتك الغنية بالمعرفة عن هذا الشاعر الجميل والإنسان الراقي ، والرسائل الأدبية المتبادلة بينكما، عدت إلى حوار مطول أجراه معه الكاتب الصحفي المرموق جهاد فاضل بجريدة القبس في عددين ( 8 / 3 / 1987 ـ 18 / 5 / 1989 )، وقد نشره ضمن كتابه الموسوم بـ" أسئلة الشعر " الذي قرأته منذ مدة غير قصيرة ، فوجدت أن للرجل آراءً سديدةً في الشِّعر ووضعيتِه المتأزمة سواء في مصر أو غيرها من الأقطار العربية ، ووظيفته الحقيقية في تغيير الإنسان إلى الأفضل بتشربه القيم العليا التي يدعو إليها الفن الرفيع الهادف. كما أن له آراء صريحةً في ما يسمى بقصيدة النثر ، وفيما يدعو إليه بعض المحسوبين على الحداثة الشعرية من تفجير للغة واغتصاب لها واعتماد الموسيقى الداخلية بديلاً عن موسيقى الشعر المعروفة ، مفنداً الرأي القائل بأن قصيدة النثر هي شكل الحداثة الأوحد في هذا العصر . وقد أعجبتُ بموقفه الصارم من الفوضى الشعرية واستسهال الشباب لخوض غمار الشعر وهم لا يمتلكون أدواته. فثمة ضعف في الثقافة، وضعف في التجربة وضعف في اللغة، وهو لا يتهاون مع من يحاول أن يشوه وجه عشيقته الجميلة. إن فاروق شوشة رحمه الله ، كان مفتوناً باللغة ، مهتماً بها ، يرى أن الشعر لغة وأن الإبداع إبداع باللغة والكلمة ، ولأننا خارج إطار هذه اللغة ، نحن في العراء أو نحن في التغريب في إطار لغة أخرى . لقد كان يرى أنه لا ينبغي الوقوع في أسر التجريب والغموض.
وتقبل، أيها الصديق العزيز الوفي لصداقتنا القديمة المتجددة، محبتي الصادقة وتقديري العميق ، راجياً أن تقرأ سلامي وسلام زوجتي إلى عقيلتك الفاضلة وإلى سائر الأبناء.
أخوك : عبدالجبار
******************
3- رسالة بعثها إالدكتورعبد الجبار العلمي إلى صديقه الإعلامي العصامي عبد القادر الإدريسي، وقد تفضل بنشرها ضمن رسائل أخرى في كتابه السيرذاتي " أوراق عاشق في بلاط صاحب الجلالة / بعض من سيرة "