نجلاء علام - طيور الأرض.. قصة قصيرة

كثيرا ما كنت أتساءل عن معنى تحليق الطيور فوق أماكن بعينها، هل تدفعها تيارات الهواء إلى ذلك؟ هل هي إشارات لسرب قادم من بعدها؟ أم هل فرحة التحليق وامتلاك السماء؟

لم أعرف إجابة قاطعة، ولكن الإجابة السهلة التلقائية اليومية التي كنت أسمعها على لسان أمي عندما يدور أي سرب طيور فوق بيتنا وهو يخترق سماء شارعنا في موسم الهجرة، تجيبها بصوتها المشروخ دائما من أثر الصراخ أمام ماكينة الغزل حتى يسمعها من بجوارها : أهلا بطير الخير، تحمل رسالة لمن يا رب تكون رزق؟!

ويظل السؤال معلقا داخل إجابتها مترددا في ذهني حيث لا إجابة مؤكدة، المؤكد أن طيور الخير ودعت أمي وهي في نعشها متوجهة للمقابر، خرجنا في الصباح الباكر نحمل النعش إلى المقابر بخطى سريعة، كنا عشرة رجال فقط، صرخت في نساء الجيران وزميلاتها في الأشغال الكثيرة التي تنقلت بينها أن يجلسن في الشقة فالدفن قاصر على الرجال، أما رجال العائلة فقد تفرقوا كل في اتجاه، عائلة أبي انقطعت أخبارها بموته، وعائلتها أيضا انقطعت أخبارها بموته، فلستَ مرغوبا فيك وأنت تعول طفلين صغيرين، وهكذا تم الاكتفاء ببعض الجيران، كنت أتبادل حمل النعش أنا وأخي إبراهيم وكانت الطيور تحلق حولنا وتدور وكأنها تودعها وكأنها تلقي لها بالرسالة الأخيرة .

كان الحصول على قميص جيد من سوق المستعمل أمر شاق، وقفت أمام العربات الكارو الكثيرة المحملة بالبضائع المختلفة الألوان والمقاسات، مر سرب الطيور بالشارع الطويل، وحلق حول منتصفه دار عدة دورات ثم اختفى في السماء، ذهبت إلى منتصف الشارع وهناك وجدت ضالتي قميص كأنه جديد بألوان زاهية على مقاسي، كتب البائع على العربة خمسة جنيهات وعندما رأى القميص في يدي صرخ في الطفل الواقف بجواره : قلت لك الحاجات الحلوة تعلقها هناك .

وأشار إلى شماعة رصت عليها الملابس الأنيقة مكتوب عليها خمسة وعشرون جنيها، أعطيته الخمسة جنيهات ومضيت .

لم أكن أتحدث مع نفسي عما سأفعله ولا عما يحدث لي أنا وأخي، ولم أعتد الشكوى بينما ورث إبراهيم عن أمي عادة تكرار الأحزان والأحداث، وكنت دائما مصراً على أن تكرار الأحزان يزيد من إحساسك بها، أما الأحداث فعليك أن تتصرف حيالها, توقفها أو تستفيد منها، أو تتجنبها وتمحوها من ذاكرتك إذا لم تستطع أن تغيرها، وعلى هذا انفصلنا أنا وإبراهيم، هو أحب الشكوى والأحزان وراح يتسربل في ذكرها ولهذا سافر إلى الصعيد للبحث عن عمه وتجارته الواسعة، وبقيت أنا في القاهرة أصارع الأيام .

بعض العمل في المساء لا يضر، السهر في السوبر ماركت والدليفري لا بأس، التأهب للذهاب للجامعة صباحًا في أيام السكاشن والتنقل بين ثلاث وسائل مواصلات نزهة لطيفة، الوقوف في طابور الإعانة والحصول على شهادة الفقر لصرف نصف الكتب الجامعية مجانا لا ضير، التركيز في المذاكرة في آخر شهر والنجاح بمقبول إنجاز، الرضا بطعم الفول والطعمية في الوجبتين اليوميتين طوال الأسبوع نباتي، قميص في الصيف للجامعة وفي الشتاء بلوفر اشتريته من نفس العربة في الشارع الواسع أناقة، ومرت الأيام ....

كيف لا تحن طيور السماء إلى الأرض، على الأرض تبسط الأشجار وتنتشر الحبوب، توفر الأرض لساكنيها سبل البقاء وحتى الطيور الجارحة توفر لهم الأرض الفريسة بسهولة، فما الذي يجعل الطيور تترفع وترتفع عن الأرض، وتحن إلى سحب تليها سحب في طبقات لا تنتهي تزعق الطيور بها ولا مجيب، هكذا صرت مشغولا بأمر الطيور التي تحوم فوقي في دوائر ثم تعلو وتختفي .

بقلب سليم واجهت الهزائم الصغيرة، لا أحد يفرح لك وأنت تحمل الشهادة الجامعية، لا أحد يبحث لك عن عمل يكفيك، لا أحد يزين لك الصبر، وتعلمت صحبة نفسي حتى أصبحت الصديق والصاحب والناصح والحبيب، وتقدمت لعشرات الاختبارات ولم أُقبل, في النهاية قررت أن أعطي نفسي راحة، تنقلت بين الشوارع النظيفة واطلعت على أحدث الأزياء ومررت بالشارع المنتظر كان هادئا وقورا يشعرك بالهيمنة ورفعت عيني إلى السماء, كان سرب الطيور يشق سماء الشارع, وفجأة دار مرتين حول المبنى، وجف قلبي وللمرة الأولى تمتمت للسرب قبل أن يصعد للسحاب هل أنت متأكد ؟! ظل السرب في صعوده كأنه يخيرني ودخلت .

قالوا أن دخول مؤسسته حلم، والعمل بها ارتقاء، والتقرب منه منحة، فكيف استطعت الوصول إلى كل هذا في سنوات قليلة، كانت الطيور تزورني كل فترة تحوم حولي وكأنها تبارك اختياري .

المحبة داء البشرية نتعلق بالمحبة لنبرر أخطاءنا ونزيف واقعنا ونتحمل مسئوليات، أما في صحبته فأنت غير مضطر للكذب على نفسك وادعاء محبته، أنت مشبع داخلك بشعور الاطمئنان, شعور الفخر أنك تنتمي لهذا الشخص كل ما سيأتي هو قادر عليه وكل ما كان بعضا من عقله، لا تتعلم معه فقط فنون العمل عقد الصفقات والمفاوضات بل تتعلم أن يكون خصمك كتاب مفتوح أمامك وأنك في أي لحظة ستجعله يقرأ الصفحة التي تريدها أنت وتجعله يطوي كتابه بيده، ويقول الكلمة الوحيدة التي تشجي آذان الباشا : أوامرك .

هنا أنت في سباق محموم لإرضائه ، تكفي نظرة منه لتعرف ماذا يريد، بجوار السور وقفنا نستتر بالليل كانت مهمتي الإشراف والتوجيه، أعرف هو يريد عملية نظيفة دون إصابات أو دليل، جاء الرجل فظهرنا من خلف السور كان كمن ينتظر قدره لم يقاوم لم يجرِ لم يصرخ فتح الباب ودخل ودخلنا وراءه، عرضت أمامه الأفلام المسجلة له، وصور الأوراق التي تثبت إدانته، كنت وأنا أتحدث أرى الباشا أمامي يساندني يقول لي إن الثقة بالنفس أهم شئ اجعله يشعر أنك امتلكته، افتح أمامه أبواب اليأس ، اجعله يرى مصيره لو استمر في الحياة, واجعله ......

وفجأة وأنا أتحدث سحب مسدسه وكانت طلقة واحدة في الرأس فلقت الجمجمة وأخرجتْ المخ ، بهدوء انسحبنا وتركناه .

هل كانت الطيور تحوم حينها في السماء، لا أعلم كل ما أعرفه أنها حومت حولي في صباح اليوم التالي وأنا ذاهب إلى العمل، حومت حولي وأنا أستعد لركوب السيارة الفاخرة التي تقلني كل يوم للعمل، فما كان مني إلا أنني قذفتها بالطوب وصرخت ماذا تريدين بالضبط هل أنتِ راضية فرحة حزينة مستاءة غاضبة هل جئت تباركيني أم تلعنيني ؟ إذهبي .

والغريبة أن السائق قام ومسح فضلات الطيور من على زجاج الشباك وهو يبتسم ويقول : بشرة خير يا بيه سيأتي لك رزق !

في مضمار الجري لا ينظر أحدنا للسماء الكل ينظر إلى الأرض، ينظم نفسه ويلين عضلاته ثم يبدأ الانطلاق، يجري فيطوي الأرض طيا، يعدو فيتسع المضمار أمامه وتقل الأرجل ينهب الأرض بأقدامه نهبا يشعر برشاقته وخفة أرجله وأنها لم تعد تلمس الأرض إلا حثيثا وعندما يصل إلى نهاية السباق لا يزيده هذا إلا إصرارا على الفوز في المرة القادمة أيضا وهكذا لا تنتهي اللعبة ، وكأن الفوز لا يروي عطشانا بل يزيده .

وتتراقص الحسان حول المضمار ويصبح الاختيار صعبا فالمواصفات المطلوبة ترتفع بارتفاع أسهمك في الفوز، وينحصر الاختيار في اثنتين تفاضل بينهما، ويفاجئني ذات يوم، وأنا أعرض عليه تقرير العمل اليومي بحسابات الربح والربح، فاحتمال الخسارة دائما غير وارد وإذا حدث سيحوله لربح في دقائق، يفاجئني بالسؤال لماذا لم تتزوج حتى الآن ؟

نظرت له نظرة اطمئنان فمازالت أفكارنا تتلاقى وتكمل بعضها، وحينها ضحك وأكمل هل تقارن بين ليلى ومي، إذا قبلت نصيحتي تزوج ليلى فبرجها متوافق مع برجك !

هكذا حتى في العمل كان يوجه وينصح ويشرح ولكنه لا يلزمك بشئ حتى تختار، وهو دائما قادر على جعلك تختار ما يختاره وقادر على جعلك تحب اختيارك وتفرح به وتراه أفضل البدائل ، هكذا تزوجنا أنا وليلى، كان زفافا أسطوريا تحدثت عنه جميع الأوساط، وجاد علىّ في حفل الزفاف بأكثر مما توقعته فقد أهدانا طائرته الخاصة حتى نسافر بها إلى جزيرة في عمق المحيط الهادي وحجز لنا بها قصرا كي نقضي به شهر العسل، كانت ليلة من ألف ليلة، ما عكر صفوي عندها ظهور إبراهيم لا أعرف من أين جاء ولا كيف عرف بمكان وموعد الزفاف، ولكنه جاء واحتجزه الأمن وجاءني كبير الأمن وأنا جالس بجوار العروس كي يسألني عنه قال : إن شخصا يقف بالخارج اسمه إبراهيم ملابسه رثة ويبدو أنه مدمن ويدعي أنه أخوك !

إن نوعا من صد الهجوم الآن بكياسة وبصوت خفيض سيبدو مثل إذعان لقائد أمن المؤسسة، ووصمة لن أستطيع محوها فيما بعد ولهذا صرخت فيه أعنفه : لو لم تعرف مهام عملك يأتي الباشا بغيرك في الحال، أنت تعلم المصائب التي تطارد الناجحين والأغنياء.

وهكذا انصرف قائد الأمن وانصرف معه شبح إبراهيم .

ولكنه عاود الظهور مرات ومرات أمام المؤسسة يقف كي يشحذ، طرده الأمن مرات وأبلغوا عنه الشرطة التي استضافته أياماً في الحجز ثم خرج، وعاد مرة أخرى وحينها تعللت بالعودة للبيت لأمر هام وصرفت السائق وقدت السيارة ببطء وأنا أدندن بنغمتنا المفضلة التي كنا نصفر بها ونحن أطفال في الأماكن المزدحمة حتى نتلاقى ومشى إبراهيم وراء النغمة وعند شارع بعيد فتحت الباب فدخل إلى السيارة وهو يقول : حلمت البارحة بأمنا وكانت تبتسم وتحمل في يدها طائرا لونه أبيض وقالت لي، اعط هذا لعباس .

فقلت بسرعة : مروان اسمي مروان .

انطلقت بالسيارة أنظر للطريق بينما انشغل إبراهيم بالتحديق في الطيور الكثيرة التي تحوم في السماء .
التفاعلات: حيدر عاشور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...