علي عبد الواحد وافي - في الاجتماع اللغوي.. -3- صراع اللغات

ذكرنا في المقالين السابقين أن عوامل الصراع بين اللغات يرجع أهمها إلى عاملين: أحدهما أن ينزح إلى البلد عناصر أجنبية تنطق بلغة غير لغة أهله، وثانيهما أن يتجاور شعبان مختلفا اللغة فيتبادلا المنافع، ويتاح لأفرادهما فرص للاحتكاك المادي والثقافي. وقلنا إن نتائج هذا الصراع تختلف باختلاف الأحوال: فتارة ترجح كفة إحدى اللغتين المتنازعتين فتصرع اللغة الأخرى؛ وتارة تتكافأ قواهما أو تكاد فتعيشان معاً جنباً لجنب

ثم عرضنا للحالات التي يحدث فيها تغلب إحدى اللغتين على الأخرى. فذكرنا أنها ترجع إلى أربع حالات: اثنتان منها تتصلان بالعامل الأول (نزوح عناصر أجنبية إلى البلد) واثنتان تتصلان بالعامل الثاني (مجاورة شعبين مختلفي اللغة). فأما حالتا العامل الأول فهما:

1 - أن يكون كلا الشعبين همجياً قليل الحضارة منحط الثقافة، ويزيد عدد أفراد أحدهما عن عدد أفراد الآخر زيادة كبيرة. ففي هذه الحالة تتغلب لغة أكثرهما عدداً سواء أكانت لغة الغالب أم المغلوب، لغة الأصيل أم الدخيل؛ على شريطة أن تكون اللغتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين: كما كان شأن الإنجليزية مع النورماندية

2 - أن يكون الشعب الغالب أرقى من الشعب المغلوب في حضارته وثقافته وآداب لغته، وأشد منه بأساً، وأوسع نفوذاً. ففي هذه الحالة يكتب النصر للغته، فتصبح لغة جميع السكان، وإن قل عدد أفراده عن أفراد الشعب المغلوب؛ على شريطة أن تدوم غلبته وقوته مدة كافية، وأن تقيم بصفة دائمة جالية يعتد بها من أفراده في بلاد الشعب المغلوب، وأن تمتزج بأفراد هذا الشعب، وأن تكون اللغتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين: كما كان شأن اللاتينية مع لغات كثير من الأمم التي تغلب عليها الرومان في العصور القديمة؛ والعربية مع لغات معظم الأمم التي تغلب عليها العرب في العصور الوسطى

وأما الحالتان اللتان يؤدي فيهما العامل الثاني (مجاورة شعبين مختلفي اللغة) إلى هذه النتيجة، فهما:

1 - أن تكون نسبة النمو في أحد الشعبين المتجاورين كبيرة، لدرجة يتكاثف فيها ساكنوه، وتضيق مساحته بهم ذرعاً، فيشتد ضغطه على حدود الشعب المجاور له، وتكثر تبعاً لذلك عوامل الاحتكاك والتنازع بين اللغتين. وفي هذه الحالة تتغلب لغة الشعب الكثيف السكان على لغة المناطق المجاورة له؛ على شريطة ألا يقل عن أهلها في حضارته وثقافته وآداب لغته؛ ويتأكد انتصاره إذا كان أرقى منهم في هذه الأمور: كما كان شأن الألمانية مع لغات المناطق المجاورة لألمانيا بسويسرا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا والنمسا

2 - أن يتغلغل نفوذ أحد الشعبين في الشعب المجاور له. وفي هذه الحالة تتغلب لغة الشعب القوي النفوذ؛ على شريطة ألا يقل عن الآخر في حضارته وثقافته وآداب لغته؛ ويتأكد انتصاره إذا كان أرقى منه في هذه الأمور: كما كان شأن الفرنسية والأسبانية مع لغة شعوب الباسك بمناطق البرانس؛ والإنجليزية والفرنسية مع اللغات السلتية بأيرلندا واسكتلندا وويلز ومنطقة البريتون

وسنختم هذا البحث في مقال اليوم بالكلام عن الحالات التي تعجز فيها كلتا اللغتين عن التغلب على الأخرى

فيما عدا الحالات الأربع السابقة تتكافأ قوى اللغتين المتنازعتين فتعيشان معاً جنباً لجنب، وتسلك كل منهما في سبيل تطورها المنهج الذي يتفق مع طبيعتها، وترسمه لها نواميس الارتقاء اللغوي

والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم الغابرة وفي العصر الحاضر.

فاللغة اللاتينية لم تقو على اللغة الإغريقية، مع أن الأولى كانت لغة الشعب الغالب، وذلك لأن الإغريق، مع خضوعهم للرومان، كانوا أعرق منهم حضارة وأوسع ثقافة وأقدم لغة. وقد سبق أن انهزام لغة الشعب المغلوب أمام لغة الشعب الغالب لا يحدث إلا إذا كان الشعب الثاني أرقى من الشعب الأول في جميع هذه الأمور

ولهذه الأسباب نفسها لم تقو لغات الشعوب الجرمانية التي قوضت الإمبراطورية الرومانية الغربية في فاتحة العصور الوسطى على التغلب على اللغة اللاتينية في البلاد التي قهرتها بمناطق (فرنسا) وما إليها

واللغة اللاتينية لم تقو على التغلب على لغات أهل بريطانيا العظمى، على الرغم من فتح الرومان لبلادهم واحتلالهم إياها نحو مائة وخمسين سنة، وعلى الرغم من أن الشعب الغالب كان أرقى كثيراً من الشعب المغلوب في حضارته وثقافته. وذلك لأن الجالية الرومانية في الجزر البريطانية لم تكن شيئاً مذكوراً، ولم تمتزج امتزاجاً كافياً بأفراد الشعب المغلوب. وقد تقدم أن الغلب اللغوي يتم في مثل هذه الحالات إلا إذا أقامت في البلاد المقهورة جالية يعتد بها من أفراد الشعب الغالب، وتم الامتزاج بينها وبين أفراد الشعب الآخر

واللغة العربية لم تقو على الانتصار على اللغة الفارسية، على الرغم من فتح العرب لبلاد فارس وبقائها تحت سلطانهم أمداً طويلاً، وذلك لأن الشعب العربي لم يكن إذ ذاك أرقى حضارة من الشعب الفارسي، ولقلة عدد الجالية العربية بفارس وضعف امتزاجها بالسكان، ولانتماء اللغتين إلى فصيلتين مختلفتين (فالعربية من الفصيلة السامية، والفارسية من الفصيلة الهندية - الأوربية)

واللغة العربية لم تقو على الانتصار على اللغات الإسبانية على الرغم من فتح العرب للأندلس وبقائها تحت سلطانهم نحو سبعة قرون. وذلك لانتماء العربية إلى فصيلة غير فصيلة اللغات الإسبانية ولعدم امتزاج الشعوب القوطية بالشعب العربي

واللغة التركية لم تقو على التغلب على لغة أية أمة من الأمم التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية بأوربا وآسيا وأفريقيا، على الرغم من بقاء هذه الأمم مدة طويلة تحت سلطان تركيا، وذلك لاختلاف فصائل اللغات (فالتركية من الفصيلة الطورانية، على حين أن لغات معظم الأمم التي كانت خاضعة لتركيا من الفصيلة السامية - الحامية أو الهندية - الأوربية)، ولأن الترك كانوا أقل حضارة وثقافة من معظم الشعوب التي كانت تابعة لهم، ولقلة عدد جاليتهم في بلاد هذه الشعوب، ولضعف امتزاجها بالسكان

ولم تقو الإنجليزية على التغلب على اللغات الهندية، على الرغم من خضوع الهند لإنجلترا منذ أمد طويل، وذلك لأن شعوب الهند أعرق حضارة من الإنجليز، ولقلة عدد أفراد الجالية الإنجليزية بهذه البلاد، وعدم امتزاجها بالسكان

والجوار بين فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال لم يؤد إلى تغلب لغة شعب منها على لغة شعب آخر. لأن احتكاك لغاتها لا ينطبق على حالة من الحالتين اللتين يحدث فيهما التغلب بالمجاورة.

ولهذا السبب نفسه لم يؤد الجوار بين الفارسية والعراقية والتركية والأفغانية إلى تغلب لغة منها على لغة أخرى

وكذلك شأن الإنجليزية في الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية مع الأسبانية المجاورة لها في المكسيك، وشأن البرتغالية التي يتكلم بها في البرازيل مع الأسبانية التي يتكلم بها في الجمهوريات المتاخمة للبرازيل بأمريكا الجنوبية؛ وشأن الحبشية مع الصومالية. وهلم جرا

ولكن عدم تغلب إحدى اللغتين لا يحول دون تأثير كل منهما بالأخرى.

فقد تأثرت اللاتينية بالإغريقية في أساليبها وآدابها، واقتبست منها طائفة كبيرة من مفرداتها.

وقد تركت اللغة العربية آثاراً قوية في الأسبانية، وبخاصة في المناطق التي كانت تسمى بالأندلس أو أندلوسيا دام سلطان العرب عدة قرون.

والصراع بين العربية والفارسية، وإن لم ينته إلى تغلب إحداهما قد ترك في كل منهما آثاراً واضحة من الأخرى؛ وبخاصة من ناحية المفردات.

والصراع بين التركية ولغات الأمم التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، وإن لم ينته إلى تغلب لغوي، قد ترك في التركية آثاراً قوية من هذه اللغات، وبخاصة من اللغة العربية وترك كذلك في كثير من هذه اللغات آثاراً ظاهرة من التركية وقد بلغ هذا التأثير مبلغاً كبيراً في بعض هذه اللغات: فلغة العراق في العصر الحاضر مثلاً قد أخذت عن التركية كثيراً من المفردات وبعض الأصوات التي لا نظير لها في العربية، (كالصوت الذي ينطق به بين الشين والجيم المعطشة في مثل (عربنجي)) وطائفة من القواعد الصرفية كقواعد النسب والنعت والإضافة في مثل (عربنجي) (نسبة إلى العربة)، (خوش ولد): (خوش كلمة فارسية الأصل معناها: حسن) - كتبخانة (دار الكتب)

والإنجليزية الحديثة في إنجلترا والفرنسية الحديثة في فرنسا تتقارضان المفردات منذ أن أتيح للشعبين المتجاورين فرص للاحتكاك وتبادل المنافع.

وكذلك تفعل الفرنسية بفرنسا مع الألمانية بألمانيا ومع أخواتها المجاورة لها في الجنوب الشرقي والغربي بإيطاليا وأسبانيا والبرتغال.

وتجاور التركية والفارسية، وإن لم يؤد إلى تغلب إحداهما على الأخرى، قد ترك في التركية آثاراً واضحة من الفارسية، وبخاصة في المفردات، وترك كذلك في الفارسية بعض آثار من التركية

وتجاور الفارسية والعراقية في العصر الحاضر، وإن لم ينته إلى تغلب لغوي، قد نقل إلى كل منهما كثيراً من آثار الأخرى في المفردات والقواعد والأساليب

ومجاورة الجرمانية واللاتينية في العصور القديمة، وإن لم يؤد إلى تغلب واحدة منهما على الأخرى، قد نقل إلى أولاهما كثيراً من مفردات الثانية، وترك في الثانية بعض آثار من الأولى

وقصارى القول: متى اجتمع لغتان في بلد واحد أو تجاورا لا مناص من تأثير كل منهما بالأخرى؛ سواء أتغلبت إحداهما أم كتب لكلتيهما البقاء. غير أن هذا التأثر يختلف في مبلغه ومنهجه ونواحي ظهوره ونتائجه في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية.

فإذا كان الغلب كتب لإحداهما نراها تسيغ كل ما تأخذه من الأخرى مهما كثرت كميته؛ فيستحيل إلى عناصر من نوع عناصرها، فتزداد به قوة ونشاطاً، بدون أن تدع له مجالاً للتأثير في بنيتها أو تغيير تكوينها الأصلي. على حين أن المغلوبة لا تقوى على مقاومة ما تقذفها به الغالبة من مفردات وقواعد وأساليب، ولا تكاد تسيغ ما تتجرعه منها، فيتخمها ويضعف بنيتها، فتخور قواها، وتفنى أنسجتها الأصلية شيئاً فشيئاً حتى تزول: كما كان شأن الإنجليزية مع النورماندية، والعربية مع القبطية

وإذا كان البقاء قد كتب لكلتيهما تعمد كل منهما إلى ما تأخذه من الأخرى فتسيغه، وتفيض عليه من حيويتها، وتقاوم آثاره الهادمة. فتبقى كل منهما متميزة الشخصية، موفورة القوى سليمة البناء: كما كان شأن الفارسية مع العربية.

علي عبد الواحد وافي
ليسانسيه ودكتور في الآداب من جامعة باريس
مدرس العلوم الاجتماعية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول




مجلة الرسالة - العدد 351
بتاريخ: 25 - 03 - 1940

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...