بشرى الفاضل - المشنقة الأفقية


مختار لا لون له علماً بأنه أسمر، لكنه لم يكن يسارياً ولا يمينياً ولا مستقلاً ولا محايداً. وهو يقول إنه لم يضع جسمه ولا عقله في ميزان السياسة حتى يتحدد ثقله النوعي الذي يقذف به في أحد الأكوام سالفة الذكر. وهو يتأفف من كافة السّاسة ويكره الحديث في السياسة، من شعاره لعبة قذرة.
هكذا عرف في زمن الدراسة. لكنه لم ينج من هجمة خنجر تفاداها بأعجوبة أو كلمة ساخنة سكت عنها تجاوزاً. وكان مختار متوسطاً في دروسه أما علاقاته الاجتماعية فلا بأس بها. كان مقبولاً بشكل عام، هو من ذلك الصنف الذي يشبه الماء لا يضر إطلاقاً ولا يحس أحد مع ذلك بشدة نفعه لشيوعه.

وكانت ستمضي الحياة بمختار إلى غايتها دون ضجيج لولا ظهور الطفابيع في مدينة القصبة. كان لظهورهم وقع مفاجئ على المدينة، استقامت الشمس عامودية طوال السنين التي مكثوا فيها حاكمين. ( حكم الطفابيع لسنوات طويلة) وقال بعض المؤرخين لو أنهم استمروا أكثر لفتكوا بنصف الشعب. كانت ستعلق لافتة في مكان القصبة التي كانت ستكون مندرسة. ولكن الطفابيع هزمتهم بصورة حاسمة خراطيم المياه. فقد اكتشف طفل من أبناء القصبة أن الطفابيع يخافون من الماء مثل الكلاب المسعورة.. وحكى أول من هدد طفبوعاً بكوب ماء كيف أن ذلك الطفبوع هرب من الماء حتى وقع في السلك الشائك الذي أعد أصلا لزرب الناشزين من الشعب في الزرائب البشرية بأطراف المدينة وبقرب سوقها المركزي. وكان من رأي ذلك المكتشف أن خرطوماً واحداً يكفي لدحرهم جميعاً ولكن الشعب عدّل في المكتشف.

وذات صباح هبّت الجموع التي آلمها الفتك الطفبوعي بأصحابهم وذويهم، هبوا في حملة غسيل جماعية. وشهدت القصبة اندفاع المياه من الخراطيم التي كانت بيد إدارة المطافئ وفي هذا اليوم أدرك الشعب لماذا هدذ الطفابيع دار المطافئ ولماذا احرقوا عرباتها. ولكن سكان القصبة استعانوا بميكانيكي من قسم هندسة الشاحنات الأهلية فرمم لهم بعض عربات المطافئ القديمة، أما الخراطيم فعددها وفير، وما أن بدأت الحملة حتى تساقط الطفابيع كذباب في حضور مبيد حشري جديد.

قصة اندحار الطفابيع فكهة. لكن الطفابيع كانوا قد فتكوا بنحو من نصف مليون مواطن من كافة الاتجاهات. أما مقتل مختار فهو الذي حيّر المؤرخين ذلك أنه كان مهندساً كهربائياً فحسب. ولم تشهد إدارته تمرداً أو انقطاعاً للتيار في القطاع المسؤول عنه ولا قرأ ولا اشتغل ب أو حمل منشوراً. ولا كان باعه أو اشتراه. ولم يقرأ إلا الكتب العامة ( قليلاً ما كان يقرأ) ولكنه حين يقرأ يختار شيئاً في التفسير وسيرة ابن هشام والسودان عبر القرون وأيام طه حسين والشوقيات وإشراقة. وهي كتب جيدة لا شك لكن مختار لم يخرج عنها قط. كان باختصار يقرأ تلك الكتب قريبة الشبه بمناهج المدرسة. وفيما عدا ذلك فإن جل اهتمامه انصب في الكتب العلمية في مجال الفيزياء والكهرباء والهندسة ونحوها.

لكن الطفبوع الواقف في ركن الشارع أمسك بمختار ذات يوم وذلك في الشهور الأولى لسعرهم العام. وسلمه ذلك الطفبوع ذو اليد الحديدية دون أن يتكلم معه رغم استغراب مختار، لثلاثة طفابيع ذهبوا به راكبين على ظهر دابة ( والدابة الطفبوعية حيوان يشبه البعير في كل شيء إلا انه من الحديد اخترع بإحدى الدول المتقدمة في العسف التكنولوجي الطفبوعي) وميزة الدابة الطفبوعية أنها تمشي بأرجل بدلاً من العجلات وفي غياب النفط فإن الدابة الطفبوعية تسير ببدالات يديرها عادة الشخص المقبوض عليه ممن يركبه الطفابيع من أبناء الشعب على ظهرها. لا يحلم بركوب الدابة غير مبدّل. والدابة هي حيوان – آلة (حيوالة).وهي وسيلة التوقيف الحديثة.

سارت الحيوالة بمختار وهو مبدِّلاً حيث يأمرونه إلى أن وصل إلى أطفال لا حصر لهم وظن للوهلة الأولى أنهم يلعبون في ميدان عام. وما أن وصلت الدابة حتى هلل الأطفال وتصايحوا (كانوا أطفالاً نعم – ولكنهم أبناء طفابيع) وتصايحوا:
- اللعبة جات .. اللعبة جات.
وضحك مختار وهو ينزل منهوك القوى بصحبة حراسة وهو يردد مع الأطفال:
- لعبة فعلاً .. لكن ببدالها المزعج.

ولطمه أحد الحراس بقوة حتى وقع قلمه من جيبه وحياده من دماغه وصاح فيه الطفبوع القاسي:
- اللعبة إنت يا مغفل.
وملأت الدهشة فم مختار مع الغضب والتراب فوقف بصعوبة وهو يزفر حقداً وتأججاً وقد كره الوطن كله بطفابيعه وجرابيعه ومهندسيه.
- أنا؟
وضربه الحارس الطفبوعي الآخر بكعبه، ولكمه ثالث وهما يصيحان..
- اخرس..
- منافق..
وسكت مختار.
وفي تلك اللحظة أصبح مختار المحايد حزبياً وأصبح اسمه حزبه الباطني حزب معاداة الضيم والطفابيع وأطفالهم ولكنه حزب بعضو واحد وبلجنة عضوها واحد هو المختار.
ورفع الطفبوع الأول مختاراً من رقبته إلى أعلى ورمي به وسط الأطفابوعين حتى انه سحق به طفلوعي حتى برزت نواجذه جزعاً وصاح الطفبوع الأول آمراً:
- خذوا هذا المارق واشنقوه.
وصاح مختار وهو ما زال على الأرض:
- أنا؟..
ورد عليه الطفبوع الثاني:
- إخرس..

وتقدم أحد الأطفابوعين (وهو طفلوعي بدين) ووضع قدمه على عنق مختار ثم أمر كتيبة الأطفابوعين بأن يتقدموا لحمل اللعبة الجديدة فتقدم نحو من خمسمائة (طفلوعي) في تدافع كتدافع العجول تهرع نحو العلف. ورفعوا مختاراً إلى أعلى مثل جنازة وهو يتوجع ويئن ويذهل وتقدموا به نحو المنصة.
كانت المنصة أشبه بتلك التي توضع عليها هياكل الطائرات في المعارض، وكما هيكل طائرة وضع مختار على المنصة. يداه ممتدتان ومرميتان في الفراغ كجناحي الطائرة ورجلاه كذيل الطائرة، وصاح أحد الأطفابوعين وهو طفلوعي ذو شارب داعياً الإمساك باللعبة من يديها ورجليها ثم أمر أطفال الميمنة بأن يذهبوا باليدين أماماً بضع خطوات، وأمر أطفال الميسرة بأن يذهبوا بالقدمين وراءً لبضع خطوات ثم صاح:
- ستوب.

وأمر نحواً من خمسين طفلوعي بأن يتقدموا تجاه رأس وعنق مختار فيجلعوه موازياً للأيدي، يسندوه ويمطوا الرقبة، وبعد نصف دقيقة من التعاويذ الطفابوعية أمرهم ذلك الطفلوعي ذو الشارب صائحاً:
- سيروا للأمام.
والتفت بصرامة للذين يحملون الأرجل وصاح:
- سيروا للخلف عكسهم . سريعاً.
ومطّ الاطفابوعون مختاراً ومطوه ومطوه حتى أصبح صاروخاً من البالون. دخل مختار منذ دقائق في إغماءة حين تمطى جسده فأصبح بطول مترين. ثم طال وطال أفقياً. صارت الأيدي كحلوى من الصمغ وتمطّى العنق كعلكة. وصاح الطفلوعي ذو الشارب.
- استوب.

وتقدم إلى رقبة مختار وأخرج منقاشاً من ثنايا سرواله فوخز به الرقبة الممطوطة حتى انبثق منها دم كثير أسود. وصاح الطفلبوعي القائد لدى رؤية الدم يهدر من الرقبة وينسكب على الأرض:
- فاسد.
وأقبل الاطفابوعون على الدم يتلمظون، ترجف شفاههم وتلمتع عيونهم لدى رؤيته، وأوشك بعضهم على غرفه من الأرض براحات أيديهم وشربه بكفوفهم لولا أن انتهرهم الطفلوعي الزعيم. فالطفابيع وأطفالهم يشربون الدم.
وهكذا نفق مختار.

لم يكن موته سهلاً . ففي البداية حين مطوه تهتكت أنسجة عضلات البطن والصدر والأيدي والرقبة، ثم أصيب بنزيف داخلي أدخله في إغماءة أعفته من الآلام حين انفصلت الرقبة. مرّت مأساة الرقبة بمراحل. في البدء تقطعت أوصال الأعصاب والعضلات، ثم تهتكت الأنسجة فانقطع اللحم من العظم، ثم انفصلت السلسلة الفقرية فأصبحت هنالك عظمتان بينهما دم تجمع في (الجمّامة) بينهما. أما الجلد فلم يتمزق وظل سليماً، ثم أصبحت الرقبة طويلة. طويلة جداً ثم مطوها حتى أصبحت مشدودة كطبل حُمِّي في النار، وملأى بالدم حتى اكتسبت لوناً قاتماً ثم أقبل ذلك الطفبوعي البصير وثقبها. ثقبها وثقب مخيلة الراوي معها فتوقف عن البث العام وكتب في مفكرته:
هكذا ابتدع الطفابيع وأطفالهم(أطفابهم)، إذن، المشنقة الأفقية.

_________
نشرت بكتاب أزرق اليمامة لأول مرة عام 1994
وأعيد النشر في ثلاث طبعات .الطبعة الأخيرة ضمن ثلاث مجموعات في كتاب واحد في يونيو 2009م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...