جمال الدين علي الحاج - ثقب أسود

.....في الغرفة المنزوية مثل جمل أجرب يقبع هو كقط بري عجوز . غارق في بحر العتمة تتقاذفة أمواج السكون. تعلو ضحكته ثم ما تلبث أن تتكسر على شفتيه مثل موجة واهنة وصلت للشط بآخر مدات بحر الحزن السرمدي. هذه الجدران المصمتة تسجن رؤاه. جفناه شرفتان أثريتان مغمضين على منظر واحد. وقلبه حجر بصدر تمثال يضخ ذرات الغبار وصفير الريح بجسده المصلوب في لحظة سعتها الدهر. لا هو قادر على مبارحة رصيف الذكرى الذي يتمدد أمامه كطيف هلامي مرواغ. ولا بصره الشاخص أسعفة برمشة واحدة يرمشها على رحيل قطار الأيام في سكة العمر ودروبه المتعرجة.
في صمته المجنون طفق يبحث عن مخرج بموالة نحلة شبقة لموسم الازهار الذي ينتظر فراشات لن تأتي ابدا بحبوب اللقاح.
ثقب بالجدار يحيل كآبة مشهد الأيام الى منظر بهيج سابح في بحر الرومانسية.
ثقب صغير يكثّف الرؤى على مشاهد حية تمرق أمام عينيه بجمالها المستور خلف أقنعة الزيف وقبحها المتكشف عن نفس رافضة لمآلات التهور والخيلاء وجنون العظمة .
بساعد صنم أسطوري ومخالب قط بري عجوز بدأ يحفر بالجدار. مثل نملة لا تعرف الملل ينقل ذرات الرمل ويعمّق الثقب. باليل الحالك وبالنهار القائظ ينشب مخلبيه بالجدار ويحفر. فقلبه حجر وساعديه حجر ومخلبية حجر لصنم قط بري عجوز مصلوب بحديقة دير عتيق لاحدى الديانات القديمة. منظر الأزهار المتفتحة بكل ألوان الجمال المتخيل أحاله لنحلة شبقة بالنهار ونملة عنيدة بالليل.
ازميل اصراره أحدث ثقب بالجدار بقطر عين نملة. انسكب النور على عقله فانفتح جفناه المغمضين على بشاعة الحقيقة.
حينما أهل صديقه العريس مثل هلال العيد في آخر ليلة من ليالي شهر صوم العزاب. وأشرقت بجواره شمس دنياه الجديدة بنور السعادة. تخيّل نفسه ذات ليلة يتمناها قريبا كطرفة عين. ولما بانت قمره وسط النجوم في ذلك الليل البهيج. حلق وحيدا باجنحة الأماني السندسية. تهادت وتدلت من برجها العالي فأضاءت فلوات قلبه المعتمة. مشت بين الحضور كمهرة بريه تشرئب لها الأعناق. وقفت مثل نخلة بمنتصف حقل الفرح المخضر. كبانة مالت وتثنت ومدت أعطافها بتحدي جبار. اندلق صدرها وتبعثرت خصل شعرها فانحني يلملم شتات روحه المبعثرة. ويحيك رتق قلبه المقدود. اصابته قشعريرة حمى الحب وسرت كامل جسمه. وتلبسته روح مارد من حمأ مسنون.
طلقة واحدة تلفت نظرها علها تلتقط حبيبات بذور الحب التي نثرها ورود أسفل قدميها. كان وافقا بقدمي الخوف والرهبة مادا نظراته المشحونة بتيار الغرام الموجب. اهتزت يده طاشت طلقته وانتاشة صديقه العريس في مقتل.
رحلت روح صديقه باجنحة الملائكة لأعلى عليين. وهبط
عقله مسجونا بداخل صنم القط البري الأسطوري.
جمال الدين علي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...