جمال الدين علي الحاج - وجه آخر

حين صحوت من النوم ذات صباح وجدتني يابس بلا ماء. مثل جلد أضحية مكرمش ومقدود زهد فيه الذباح فتركه معلق بإهمال على الجدار. جلدي جاف ومشقق و مشدود من أطرافه بعظامي ومقعر بالوسط كبحيرة كانت نادية بالحياة فجففتها أشعة الشمس في موسم الجفاف. فتحت عيوني على حجم الكارثة. ترى ماذا حصل لي؟. أاندلق مائي خلسة وأنا نائم. أم تبخر بفعل حرارة الجو؟ لست أدري.
كل ما أذكره أنني عدت آخر الليل متعبا فتهاويت كنخلة نخرها السوس فوق السرير. كنت قد التقيت صباح اليوم بمديري في العمل وقدمت له طلبا بإعفائي من مقابلة الجمهور. طلبت تحويلي الى قسم آخر. حتى لو أدى ذلك الى تخيفض راتبي ودرجتي الوظيفية. قدمت تبريرات كثيرة أهمها من وجه نظري أنني ما عدت أحتمل نظرات الانكسار التي آراها في وجوه المرضى ومرافقيهم. أولئك الفقراء المعدمين الذين لا يملكون ثمن الدواء. نظراتهم سكاكين لحت لحمي عن العظم فأصبحت مثل عود أصابته صاعقة حين غضبة اجتاحت السماء فاحرقته بعد أن كان أخضرا ونديا و مورقا بالحياة. كل توسلاتي وايماءاتي ذهبت أدراج الرياح. نفخها مديري المباشر مع الدخان الذي نفثه بوجهي بصلف وغرور كبيرين. شعرت بالعجز التام والغيظ. فقررت الذهاب إلى صديقتي المرآة هي الوحيدة التي لا تغضب مني وتتحمل ترهاتي وتعكس صورتي مهما كانت وبدون رتوش. انها الوحيدة التي لا تكذب ولا تتجمّل ولا تختلق الصور الزاهية الجميلة لتخدع بها نظرتي. هي ذاتي الحقيقية التي تعبر عني بواقع حقيقي يكاد يتماهى مع الخيال ويصبحا شيئا واحدا. تعكس جميع انفعالاتي بصدق ووضوح تام لا لبس فيه. ترسم الابتسامة الزاهية المتفتحة فوق شفتيّ. تجسد الحزن الطاغي المنسكب من عينيّ. تصور حنكي الملوي بالصراخ وفمي الملئ بالبكاء. حتى ندوب معارك الطفولة المنحوتة بأيدي الأطفال المشاغبين توضحها بلا طمس للحقيقة أو اختلاق للبطولات. لذا فضلت ساهرا أثرثر معها حتى الفجر. وحين وقفت قبالتها و نظرت في وجهها صرخت من هول الصدمة. وجهي محنط كمومياء. طلبت مني الهدوء وعدم الانفعال قالت بصوت خفيض ( الانفعال لن يجدي نفعا. أرجو الا يصيبك صدقي بالضجر وتلقي بوجهي القواير والمفاتيح والرموت كنترول وكل تلك الأشياء التافهة التي تقذفها بوجهي حينما تحس بالعجز. فأنا يا صديقي لم أفعل لك شيئا). غشيها بعض الغبار وكنت أعلم أنها تخاف من العتمة فشغلت الانارة واستدرت نحوها. بفمي نفخت الغبار عن وجهها فبدأ مصقولا ولامعا. وبدأت أطالع نفسي أو وجه المومياء المحنط في وجهها اللامع البرئ. وكعادتها اصغت إليّ باهتمام. حدثتها عن همومي بالعمل. عن علاقاتي ببعض الأصدقاء. أخبرتها عن أولئك الذين تبدلوا وتلونوا بشتى الألوان. طلبت منها حلا لمعضلتي. اقترحت عليها أن تعيرني وجها آخر ألبسه قناع أقابل به الوجوه التي تقابلني في الحياة وحين أعود للبيت أخلعه وأرتدي طبيعتي التي خلقت بها. ضحكت وقالت ( اذن أنت تريد أن تصبح مثل الوجوه التي تقابلك بالحياة و تتضجر منها. لا فائدة من فعل ذلك يا صديقي. كن على طبيعتك أفضل لي ولك). صرخت بوجها (ولم أنا بالذات مطلوب مني أن أظل على طبيعتي؟ الجميع يفعل ذلك الأمر ولا أحد يحاسب أحد). ابتسمت بسخرية وقالت ( من قال لك هذا الكلام يا عزيزي. جميعهم يعرفون حقيقة الوجوه التي يحملونها. على الأقل حينما يقف الواحد أو الواحدة منهم أمام مرآته. كما تفعل أنت الآن. وحينها سيكتشف الحقيقة المرة). هتفت كالذي وجد الحل ( اذن أعيدي اليّ وجهي الطفولي. ذلك الوجه البرئ الذي ضاع مني في ركام العمر). ضحكت بهسترياء ( حتى ذلك الطلب مستحيل. فوجهك الطفولي بات من الماضي. ذكريات حنينة تعيشها حين تعثر على صورتك القديمة في كومة الأغراض المهملة). أصرخ ( وما الحل بنظرك اذن؟). يبرق وجهها مع الانارة وكأنها ترثى لحالي وتقول ( لا تتعب نفسك يا صديقي الحل بسيط. كن ذاتك الداخلية ولا شيء سواها تعيش مرتاح البال).
رفعت الكأس وحاولت قذفها على وجهها فأحطمه. شهقت وتوارت فزعة خلف الاطار الخشبي. تذكّرت وعدي لها وشعرت بالضآلة. فأنزلت الكأس. وضعتها بهدوء فوق الطاولة وتهاويت على السرير ونمت حتى الصباح. ها أنا أفيق على كابوس سمج ولزج أحس بأنه عالق بي. لقد تدفق من ذهني وسال عليّ وكلما تحركت أشعر به لزجا يكاد يغطيني بالكامل. ( هاي صباح الخير صديقتي المرآة. أرجو الا أكون سببت لك أي نوع من الازعاج بثرثرتي طوال الليل). قلت وأنا أهم بالنهوض. لم ترد على تحية الصباح أستدير نحوها. هالني ما شاهدته. يا الهي أين ذهبت صورتي؟. أين أختفت ملامحي؟. كل الذي أشاهده ظلال باهتة شبح جسد يقف بلا وجه. حاولت تشغيل الانارة التيار مقطوع. وأنا أهرول نحو النافذة تكعبلت في الكرسي وتدحرجت مثل اطار وكدت أصطدم بخزانة الملابس لو لا أنني تسند بطرف السرسر. لعنت الظلام و شركة الكهرباء من المدير وحتى الغفير جميعهم صرفت لهم اللعنات والسباب البرئ والبذئ وكل حسب درجته الوظيفية. وحين أزحت الستار انسكبت أشعة الشمس لداخل الغرفة فشعرت بعظمة الخالق. حمدت الله في سري أن الشمس لا تديرها الحكومة والا... . عدت لصديقتي المرآة مرة أخرى. وقفت على جانب وملت بجانب واحد وفتحت عيني واحدة كالذي يغش في لعبة الاخفاء. توقعت أن أرى نصفي. خاب توقعي. مجرد ظل خفيف باهت لمحته مرق ثم اختفى بين صور بقية أغراض الغرفة التي كانت تعكسها المرآة بوضوح تام واتجاه مقلوب. كررت الأمر بروية هذه المرة. دون جدوى كتلة سوداء من ظلال قاتمة. صرخت يا الهي وتهاويت على الكرسي الذي كان ينظر للمرآة واليّ وفي سره يضحك بغباء.
جلست على طرف الكرسي أنفاسي متسارعة تسابق خيل الخوف المسرجة بداخلي. عيوني مبحلقة في نقطة الوصول التي تلوح بعيدا في أفق العدم. بانفعالاتي المضطربة أحاول أن أعبر عن شعوري الداخلي. صديقاي المخلصان أول من أحس بأوجاعي. لم يقصرا معي أبدا. لطالما غسلاني وجففاني ومسحا بلطف من جبيني العرق والوحل والدماء والسخام. لطالما خبأني في لحظات ضعفي وانكساري وخيباتي. تلك التي تعتريني في لحظات أحزاني الموجعة و خيباتي العاطفية المتكررة. وكم مسحا دموعي وطبطبا على خدي وجبرا خاطري المكسور. واعادا ترتيب صورتي متى ما شعرا انها أضحت باهتة ولا تليق بفتى مثلي. جاري الذي يسكن فوقي مباشرة ذلك الأسود الطويل المتعجرف فاجأني حين انسدلت منه خصلات وداعبتني بلطف. لم أتوقع منه ذلك حقيقة فقد كان دوما مثال للجار السيئ. لقد كان يدلق عليّ كميات كبيرة من العرق بل يتمادى أكثر ويضع بعض الزيوت العطرية في فصل الصيف الحار. في بعض المرات يترك خصله النزقة تلعب بجبهتي وخدي وصدغي وأذني بلا أدنى احترام لخصوصيتي. يوم واحد لم أتعد على خصوصيته. لم ادلق عرقي أو دموع عيوني عليه. لم أبصق فيه مثلا ولا داعي لذكر الباقي. حاولت أن أفهمه أكثر من مرة أننا جيران منذ التكوين الخلقي وحتى الممات ولابد أن يكون بيننا جوار حسن. لا فائدة. يبتسم ساخرا من كلامي ويقول( تحدث عن نفسك يا سيدي فأنا وجدت لأبقى. حتى حينما يموت الجسد الذي يحملنا سأظل خالدا تحت التراب أما أنت فسوف يأكلك الدود وتفنى ولن يبقى منك شيئا). تجتاحة نوبة ضحك هستيرية وهو يقول ( ها تذكرت سوف تبقى عظامك وأسنان مكشرة بوجه طلاب كلية الطب. تلك آخر ضحكاتك بوجه العالم يا صديقي فأحرص على نظافة أسنانك جيدا).
أبعد صديقاي عني وأهب مذعورا أهيم في أرجاء الغرفة أحدث نفسي ولا أسمع صوتي. يا الهي ماذا أصابني. في السابق تمنيت أن أشتغل مكان صديقي. هو يعمل حارس في صالة أفراح. يقول أن الوجوه التي يراها طرية ولامعة كأنها خرجت للتو من المصنع لا تشبه تلك التي تصادفني في عملي. هو ذات نفسه يشك أن تلك الوجوه تعيش معنا في هذه البلاد. أما صديقي الثاني فهو يعيش بالجنة تماما. فهو يعمل ساعي في مجلس الوزراء. هناك رآى حسب كلامه وجوه شتى جميعها وبلا استثناء كانت تشترك في صفة واحدة. أقسم بالله أن لن يطلع عليها أحد يقول أنها كلمة السر التي تبقية في ذلك النعيم وهو ليس بمجنون ليفرط في مفتاح الدخول. صديقي الثالث أفضلنا يعمل في مدينة ترفيهية للأطفال كنت أحسده على هذا العمل الممتع. وحين التقيته آخر مرة رأيت علامات الحزن بادية عليه وكم كانت خيبتي عظيمة حينما أخبرني أن حتى الأطفال وجوههم افتقدت لبراءة الطفولة والطلة الندية قال لي بآسى عميق. ( وجوه الاطفال شاخت يا صديقي قبل يومها. ما عادت تلك الوجوه الزاهرة المتفتحة بالضحكات وبكل الأشكال الألوان).
يا الهي لم أعد أريد شيئا. أريد فقط استعادة وجهي. وجهي الحقيقي بلا مسحوقات تجميل. ولا ألوان ولا قناع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...