رانيـا مأمـون - مُدن .. ومُدن أخرى

أزعجتني جداً وأنا أحاول إبعادها عن وجهي ولا تريد أن تبتعد.

داخلني شك في أن يكون بوجهي شيء مما يجذبها إليه، جزيئات سكر أو بقايا وسخ، ورغم علمي أن وجهي نظيف على الأقل نظافة لا تجذب الذباب، إلا أني مسحته بالمنديل الذي كان بيدي، وزيادة على التأكد أخرجتُ محفظتي المثبتة عليها مرآة صغيرة لأتحقق من الأمر ..

الذبابة على ما يبدو كانت تنتظرني في البص الذي وقع عليه اختياري لأسافر به. أثقُ أنها كانت تنتظرني؛ فمنذ أن دخلتُ وجلستُ في مقعدي بدأت في مغازلتي .. ثم ملامستي .. وتحول الأمر إلى إزعاجي، وزيادة ما بي من توتر وقلق.

***

كنتُ أجلس بقربي إحداهن أظنها في أربعينيات العمر في أول مقعدين على يمين السائق.

الشارع مكشوف أمامنا، تذكرتٌ وصية أمي أن أجلس دائماً في المقاعد التي باتجاه السائق ـ زيادة من نسبة النجاة وخوفاً عليَّ من حوادث شارع مدني الخرطوم. في المقعد الموازي لنا خلف السائق مباشرة يجلس رجل وبقربه فتاة.

***

أزحتُ ستائر النافذة الزرقاء القاتمة، نظرتُ من خلالها، واجهتني المقابر، قرأت الفاتحة على أبي وعلى موتى المسلمين.

عيناي تغادرني وترتمي في حضن مدينتي بحزن المغادر ولهفته في النظر إلى كل شيء.

الذبابة التي انتظرتني فوتت عليَّ فرصة الاستمتاع بأغاني "مصطفى سيد أحمد" - التي أردتُ التوكؤ عليها لتعينني على التماسك – واصلت في إزعاجي بإصرار وتيقنتُ حينها أن الذباب أكثر المخلوقات إزعاجاً.

بعد أن تأكدتُ من انتفاء السبب الذي يدفع هذه الذبابة على ملازمة وجهي .. تارة في أنفي .. على خدي .. جبهتي .. رمش عيني .. في كل مرة أنهرها لا تكترث لي، ثم حطّت على شفتي فشعرتُ بالقرف.

حينذاك استفزت الشر الذي بداخلي .. الغضب .. الحقد عليها ورغبة القتل .. ضربتها ضربة قوية وقع معظمها على شفتي فألمتني، أما هي فقد ترنحت ثم سقطت. حنيتُ رأسي ونظرتُ إليها مطولاً، شعرت بالشفقة عليها خاصة وأني ذقت ألم الضربة التي وجهتها إليها. ظننتها ماتت، عاتبت نفسي على قتلها ووصمتها بالقاسية، تكدَّر مزاجي أكثر.

بعد حين رأيتها تتحرك؛ فيدي التي ضربتها عجزت عن أن تدفعها عن تنورتي وهو المكان الذي وقعت فيه، فرحتُ، ثم زادت حركتها فأدركتُ أنها ربما داخت أو كانت في حالة إغماء.

أيَّاً كانت الحالة التي فيها فقد نالت رضائي أو تعاطفي، وفي مرحلة لاحقة صداقتي. تعلمت من الضربة التي آذتها ولم تزر وجهي بعدها، ولكنها لم تغادرني فقد أخذت تتجول فيَّ ولم تلامس جلدي.

حينذاك كنَا قد وصلنا "الحصاحيصا" بدأ عامل الضيافة في البص بتقديم الحلوى والبسكويت المحشي والشوكلاتة والكيك الإسفنجي الذي يحمل علامة تجارية باسم "نايتي". مددتُ يدي لأخذ قطعة حلوى، ولكن وجه "هدى" صديقتي التي تركتها خلفي تراءى لي على زجاج النافذة وحوَّل مسار يدي لأخذ "نايتي" فهذا الكيك المفضل لديها. ثم تراءت لي وجوه كثيرة حبيبة، أمي .. إخوتي .. أصدقائي، بعض الوجوه رسمت ابتسامة خفيفة هي لتشجيعي أكثر منها فرحاً .. بعضها بدأ عليها الحزن أكثر نتوءاً.. إلا هو .. إلا وجهه هو فقد خلا من كل تعبير..


***

ذبابتي تابعتها، سرقت انتباهي وتخللت صوري الذهنية إلى أن اخترق أذني صوت رجولي يبدو أن صاحبه موجِه كل حواسه للطريق

- دير بالك يا زلمة

مخاطباً السائق التركي، ورغم أن كلمة (زلمة) ليست من جسد عاميتنا ولا نسمعها إلا في المسلسلات قلت: ربما هو قادم من بلاد هذه المفردة. وحقيقة الأمر فقد نال ناطقها الجالس في المقعد الموازي لنا اهتمامي.

الجالسة بقربي سألتني من واقع متابعتها لمكالمة هاتفية مع السائق

- الأتراك ديل بيرطنوا موش ..؟

واتبعت سؤالها بأمر

- أسمعي كلامن كيف ..؟

أجبتها دون أن استغرب جهلها

- هم بيتكلموا لغة تركية.


***

وصايا أمي أعيدها بيني وبيني ولا أبدي استياء لمضايقة جارتي لي في المقعد، كانت تغط في النوم مائلة عليَّ، وكتفها وجزء من ذراعها فوقي، ابتعدتُ عنها قليلاً وعيناي تتابع سير السحب الصغيرة المتقطعة، بدت لي مثل حلاوة قطن في هشاشتها وبياضها وضعف بنيانها.

تناهي إلى مسامعي نقاش قصير خلفي، أحد الركاب يعطي درساً لجاره:

- لما تفتح القزاز الهواء الحار بيجي داخل .. أنت في بص مكيف قايل نفسك في حافلة..

- ياخي أنا عاوز أبصق السفّة ..

- يا بني آدم دا كيس عشان تبصق فيهو سفتك .. هو الصعوط دا غير سرطان اللثة فايدكم بشنو ...؟

***

انتهى الكاسيت فغيَّره المساعد بكاسيت لمغني شاب، احتج صاحب الصوت الذي صرخ في السائق من قبل وقال:

- شو هاذ يا ريال ..؟ بدنا غنا .. هاذ صراخ ..

استجاب الشاب لطلبه ووضع كاسيت لـ (عثمان حسين). سأله:

- ليش الفيديو مو شغال ..؟

- عطلان ..

- طيب صلحوهو..!

نظر إليه الشاب وكاد أن يرد عليه ولكنه عدَل عن رأيه وصمت ..

حيرني الرجل؛ فكلما نطق تحدث بلهجة مختلفة، في بداية الأمر ظننته عائد من الشام .. ثم تحوَّل ظني إلى أنه عائد من الخليج .. وبعد حوار قصير مع السائق قلت ربما كان في مصر ..


***

ذبابتي وجدت لها رفيقاً، غادرتني إلى زجاج النافذة هي ورفيقها أو رفيقتها لا أدري .. أخذت الحلوى التي كانت بحقيبتي واقتسمتُ جزءاً صغيراً منها، مضغته بأسناني الأمامية وألصقته على زجاج النافذة، وقلتُ: لا بدَّ أنني سأُتهم بخرق بند من بنود الحضارة بتلطيخ زجاج المركبات العامة ..! ثم بدأتُ في جذب الذبابتين إلى الحلوى .. لم تهتما بي فاضطررتُ أن ألطخ الزجاج في موضع آخر أكثر قرباً إليهما .. ونجح مسعاي ..

سألت نفسي: ما الذي يدعو هذه الذبابة وتلك إلى السفر، هل هما تعرفان أنهما مسافرتان ..؟ وماذا ستفعلان في الخرطوم ..؟ أنا نفسي لولا اضطراري لما غادرت هذه الحبيبة مدني .. وماذا لو فتحت زجاج النافذة وخرجت إحداهما .. هل ستتوه من الأخرى وتفقدها ..؟

هل سأتوه أنا من مدينتي بعد أن أعيش في غيرها ..؟ وعاد لي قلقي في كيف سأحتمل الخرطوم وغربتي فيها .. زحامها .. غبارها .. حرارتها العالية وإيقاعها السريع ..؟ وكيف أحتمل وحدتي ..؟



***

(أنت كل ما لي في هذه الدنيا..) هكذا كتبها ذات يوم وأردفها بسؤال شفهي: ما أكون أنا بالنسبة إليكِ..؟ لحظتها لم أجب إنما نظرتُ إلى عينيه ورأيتُ صدقه ..

بعد عمر وأنا أغادر كل شيء بعد أن غادرني أكثر من أحببت أسأل نفسي: أيعقل أن يكون كل ذاك الصدق الذي قرأته في عينيه زائف ..؟ أم أنني أخطأت التهجئة حينها كما صارت الوحدة رفيقتي الآن..؟

***

وُزعت علينا زجاجات المياه الغازية، كانت فقط صنف واحد هو مشروب السفن أب، رفض الرجل الذي حيرني وأثار سخط جارتي وسخريتها أن يأخذه وطالب بالبيبسي، أجابه الموزع بنفاد صبر أن البيبسي غير متوفر وليس لديه سوى هذا .. فأجابه:

- خلص ما بدي ..

قالت جارتي:

- عليك الله شوف فلهمة العب دا وقلة أدبو ..!

رغم تحفظي على عنصريتها ابتسمت وتساءلت ماذا لو تحدث مثل خلق الله داخل هذا البص ..؟

تآمر الشاب الذي وزع الزجاجات مع جارتي وقال لها:

- سفن أب تشربو ..؟

وجارتي التي يبدو أنها متابعة جيدة لأشرطة النكات قالت بلهجة أدروب

- سفن اب ما نشربو ..

ضحكا سوياً وابتسمتُ أنا، ناولها الزجاجة التي أرادت أن تقتسمها معي فشكرتها.


***

أخذتني ذكرياتي ممَّا حولي حتى ذبابتي، وعندما وصلنا السوق الشعبي نظرتُ إليها فوجدتها ما زالت في حالة رفقة.. غبطتها وقلت لها: على الأقل لن تواجهي هجير الخرطوم وحدك مثلي ..

فُتح الباب وبمجرد ملامسة قدمي الأرض حطّت على وجهي ذبابة لم تمكث سوى ثانية ولم أنهرها، خُيِّل إليَّ أنها ذبابتي تريد أن تقول لي: وداعاً..

شعرتُ تجاهها بود وشكرتها.. ارتفعت وتيرة قلقي وصاحبني في سيري مع السائرين في هذا الزحام وفوقنا شمس تفرض سطوتها ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...