هشام آدم - قيامة الجسد

كرش الكلاكلة القبة قبيل الفجر يهضم في صمت كوني مُهيب: نباح الكلاب، وصياح الديكة، وصرير الأسرة الحديدية، وأصوات تصادم المراكب الخشبية بصخورشاطئ التريعة، ومرور الريح من ثقوب النوافذ والأبواب المتهالكة؛ بينما يجلس [زنقلّة] القرفصاء على سطح بيته يُراقب الحي النائم كسكّير ألقى جثته في خور يابس أوان خروجهمن إنداية للخمر التقليدية. ينظر دائماً ناحية الشرق، ويُنصتُ -دون عناء- إلى الأصوات الليلية التي تهتك عِرض عزلته؛ كأنه مستوحش قرر التوبة فجأة! يُردد جملته المشهورة وكأنه يُخاطب شخصاً ما: "لابد أن تأتي اللحظة المناسبة"

يسير في أزقة الحي منفرداً، يُجري حوارات مُطوّلة مع نفسه، يتشاجران ثم يتصالحان، يحتد ويهدأ، يضحك ويزمجر في غضب: "الكون ليس مطيّة للأمنيات البلهاء"، "ولكن ما أسعى إليه ليس أمنية صعبة التحقق؛ لابد أن تأتي اللحظة المناسبة!" تسخر منه بعض النساء الواقفات على الأبواب وهن يسكبن المياه المتسخة على عتبات البيوت ويُسررن: "المجنتر مارق لي ندّاهتو تاني" ينظر إليهن في استحقار وأثدائهن تتدلى ككرتي كرنب، ويتذكر مقولاته السرّية عن الإناث ووصفه لهن بالثديات الناطقة، وشعوره الخجول من منظر أجسادهن الموحية بالجنس ولا شيء غيره. التفتَ عن شماله، وبصق قرفه ومضى.

على مقعد إسفنجي مترهل النوابض، يجلس [زنقلّة] رافعاً ركبتيه الطويلتين، سانداً إياهما على قضيب حديدي بارز من المقعد الذي أمامه مباشرة، يكشط عن ذاكرته صورةً هي الأكثر إيلاماً في أرشيفه؛ صورة تعود إلى أزمنة الوباء الطفولي خرقة بلا عث، ودمعٌ غير مُملّح، وجرح غائر في مكانٍ ما، يُراقب -في جلسته الجنينية تلك- أرداف فتاة مكتنزة تجلس في المُقدمة، تكاد أردافها أن تنسكب من جانبي المقعد، يضحك في سِرّه ويُغمغم: "هؤلاء يكسرن قوانين الفيزياء عنوة!" كان لا يزال يرقبها دون اشتهاء، تأخذه حمى الصورة الأرشيفية إلى الشعور بالحنق على كل ما هو أنثوي، حتى أنه شعر بوخز أشواك مسمومة عندما جلست إلى جواره فتاة منقبة، تحمل حقيبة يدوية جعلتها بين جسديهما اتقاء المساس، فعبس في وجهها وغمغم مُجدداً: "الجنس كامن في الصدور لايحوله حائل"

يسير بخطى عبثية هازلة، يركل أمامه علبة مياه غازية فارغة، واضعاً يديه وراءه، كسيّدة أفريقية تحمل طفلها خلف ظهرها يتغنى بأغنية ممجوجة منقطعة اللحن، ذكرّه ذلك بالأصوات التي يُصدرها من فمه عندما يُفرّش أسنانه كل صباح كجوقة موسيقية لم يتدرب عليها العازفون من قبل، تحمله قدماه عبر الأقدام العابرة وهو ينظر إلى الأحذية المختلفة والمختلة، يضع تصوّرات حتمية لأشكال أصحابها، ولا يُكلف نفسه عناء رفع بصره حتى للتأكد من صحّة تخمينه. يمضي غارقاً في عبثيته وهو يجر ظلّه الثائر وراءه، تترامى إلى مسامعه أصوات الباعة المتجولين، وكشكشة غلمان الورنيش، وباعة المياه، والكُتب المستخدمة، وأغنيات متداخلة من محلات العصائر الممتدة على طول الشارع المزدحم بمحاذات الجامع الكبير.

يسير على قدميه من إستاد الخرطوم مروراً بميدان أبو جنزير، ثم إلى ميدان جاكسون، ثم إلى البركس ويعبر كوبري بحري بأعمدته الفولاذية العملاقة، يعبره وكأنه يجر الخرطوم وراء ظهره: بكل تواريخه وذكرياته فيها، وصور الشهداء المعلقة في شارع الجامعة تلاحقه كأرواح قراصنة ماتوا مبتوري الرؤوس في ظروف غامضة، يشعر أنه يحمل أوزارهؤلاء جميعاً على كتفيه. يجلس في مكان ما من الكوبري، تاركاً ساقيه الطويلتين مصلوبتين على الجسر، ثم يُخرج أدوات الرسم، ويُمعن النظر في النيل من كل جوانبه، وهو يُغمغم "لابد أن تأتي اللحظة المناسبة"

لم تزل تلك الصورة المتوحشة عالقة بذهنه، بكل تفاصيلها المؤلمة والمثيرة للحنق، وكأن تاريخ الكون ونوامسيه حتى المتناهية في التعقيد كانت مُكرسةً -منذ النشأة الأولى- لتلك اللحظة بالتحديد، لم يجد في قواميس البصيرة والجأش ما يُسعفه على اتخاذ الخطوة المناسبة، ابتلعته الدهشة، واعتصره إحساس جارف بالظلم والمرارة. لم يكن بمقدوره أن ينسى ولو للحظة؛ أحسّ أن الذاكرة تعانده وتمتحن احتماله، حاول شجّ لاوعيه بجَلَده، غير أن دماء المنظر المُخزي كانت تتدفق إلى وعيه في كُل مرّة. لم يُطق أن يسمع تلك الأصوات التي سمعها في ذلك الوقت، فصنّف الأصوات أبجدياً حتى يُحيّدها؛ فلم يستطع، كانت تتقافز إلى ذهنه كعفاريت العلب التي يلعب بها الأطفال. قال: "لا أحد يعرف معنى الرجوع خطوتين إلى الوراء كما أعرف!" وتاه في ملكوت البكاء حيث شاءت له القدرة والاحتمال.

كان في العاشرة من عمره عندما أيقظه صراخ أمّه المكتوم، فهبّ إليها ليجد رجلاًغريباً عارياَ ممتطياً صهوتها وهي تحاول لملمة ما انسكب من ماء حيائها أمامه، وراحت تغطي بيدٍ مرتجفة جزءاً من فخذها الذي كان يعبق برائحة الجنس النتنة؛ فيوحى بكل شيء. كانت الصورة أوضح من تعرّفه على وجهه في المرآة، وأقسى من إنكاره لذلك. لم تزل صورتها تلك وهي تصارع خجلها الأنثوي أمامه، وصورة ذلك الغريب العاري وهو يُزمجر في شهوة مُتعرّقة قابعاً في جزء أصيل من ذاكرته العنيدة لا تأبى الزوال والذوبان، وارتبطت صورة أمّه بصورة ذلك الرجل المُشعر لا تفارقه منذ ذلك الحين؛ وللمرّة الأولى أضاف معنىً جديداً للأمومة وأثر ذلك فيه كثيراً. تلك اللحظة فقط، ولسبب ما أحس بتعلّقه الشديد بوالده الغائب. والده الذي غادر الخرطوم مُجاهداً ضمن دبّاباي الميل أربعين، وعاد إليها في موكب عُرس الشهيد صورةً تعلقت على شارع الجامعة، تتخاطفها النساء المنقبات!

· حلان أُتيحا أمامي لكي نعيش أنا وأنت، ولم يكن لي من خيار سواهما فاخترت أخفهما وطأة: إما أن أبيعك أو أن أبيع نفسي. فمعاش الشهداء لا يكفي الأحياء، والحياة كحوت نهم يبتلع الفقراء كأسماك الساردين. من وراء عرق هؤلاء الرجال نعيش منذ أعوام. أمك ليست سيئة، ولكنها فقيرة، والفقراء لا يملكون إلا نعمة التجديف الأرعن ليظلوا على سطح الحياة المتلاطم يا ولدي!

كانت كلمة [ولدي] تشعره بعشرات المديات الحادة تخدش في صدره وتغرس فيه أظافرها الخشنة، لم يُخاطبها منذ ذلك اليوم، ولم يعد ينظر إليها في عينيها. لم يستطع أن يُخبر أحداً بمأساته مع أمّه التي لطالما مجّدها في سرّه كامرأة لم تلد الكائنات مثلها قط. هو الآن بين جحيمين يتنازعانه: سخطه منها، وشفقته عليها؛ وللحظة لا مقياس لها تأكد أن وجوده كان سبباً في خطيئة أمّه، قال في نفسه: "لو لم أكن موجوداً، لما اضطرت لمضاجعة الرجال من أجلي!" فتنازعه جحيمان آخران: سخطه منها، وسخطه من نفسه.

كانت فكرة الجسد وشهوته الطاغية على العقل وعلى المسئولية تنهش في دماغه وتتقافز ككرات مطاطية مجنونة لا تستقر، خمّن أن للأجساد قيامة مترهلة، تنبع من مكان ما لتصب في الأذهان وعياً كخيوط من ملايين الألياف الضوئية، خيوطاً ترسم الحدود الدنيا للأشياء ولاستقامتها، حدوداً للشيء وضدّه، وللحلم وقساوة الواقع المزيّف. أسرته فكرّة أن تكون الأجساد استثماراً أخلاقياً عندما يشتد الفقر ضراوة بالفقراء فلا يجدون ما يبيعون إلا أجسادهم، في الوقت الذي يبيع فيه الآخرون ذممهم وقيمهم، قال: "الأجساد حاويات للإنسان، فماذا يتبقى للإنسان إن هو باع نفسه واحتفظ بجسده؟" غيره أنه فوق كل ذلك لم يجد عذراً لأمه ولم يعرف سبباً لذلك، قال بطريقته الساخرة: "هل أرى أن جسد أمي ملك لي؟" والتف حول فكرته الأنانية تلك، وتكلّم كثيراً عن سطوة الناس على أجساد الآخرين. "لماذا يُؤذيني حُريّة أمي في جسدها؟" لم يعرف إجابة على ذلك السؤال الذي كان يبتلعه كوحش ضارٍ، وأفلح في الهروب منه بترديد بعض من أغنياته الممجوجة.

في لحظةٍ ما، سمع صراخ استغاثة من مكان ما أسفل منه، فنظر فإذا برجل يغرق. صرخ قائلاً: "جاءت اللحظة المناسبة أخيراً" وبدأ محاولة الرسم، خمّن لوهلة أن أمنيته القديمة في رسم رجل يغرق قد حانت، غير أنه توقف فجأة وبدأ يُمعن النظر في الرجل الغريق، عرف بأنه لن يستطيع إكمال الرسم لأنه لن يعرف ما سوف يحل به تحت الماء "لحظة الغرق الحقيقية تحت الماء وليست فوقه!" فشعر بالحزن الشديد، غير أنه التهب فجأة، وتجرّد من ملابسه وتأبط أدوات رسمه وقفز من فوق الجسر إلى النهر، وصرخ وهو يقفز "أنا ذاهب للحظة المناسبة" ولم يظهر بعدها حتى اليوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...