مولود بن زادي - الرواية الجزائرية "حرب الرواية الجزائرية" مقتبسة من رواية "ما وراء الأفق الأزرق" الواقعية.. الجزء الرابع (قبل الأخير)\

("حرب الرواية الجزائرية" فصل يروي صراع بطل الرواية خالد لأجل الوجود في عالم الكتابة.. إنها انتفاضة على الاحتكار والإقصاء والتهميش اعتمادا على قصة حقيقية.. بطل الرواية لا يبحث عن مناصب ولا غنائم ولا ماديات ولا امتيازات ولا جوائز وإنما مجرد الوجود في عالم الكتابة الواسع سعة الفضاء الذي يسع ملايين النجوم.. والمشاركة إلى جانب كل الزملاء في خدمة الأدب والإنسانية والحضارة)


الجزء الرابع (قبل الأخير)


-وماذا كان رد فعل المجتمع؟.. أقصد: كيف كان رد أعضاء مجموعته وكلّ هؤلاء البشر الذين يتابعون ما يجري ويشاهدون هذه الشتائم والفوضى؟

-الحق أنّ بعضهم ذاد عنّي ولم يخذلني. فقد دافعت عني امرأة غريبة تدعى (وئام) دفاع الأبطال فأحرجته بكلامها، فراح لشدّة ذلك يحذف تعليقاتها تباعا، وفي آخر الأمر لما ضاق بها ذرعا، عجّل بحظرها، فاستراح باله منها. واقترح عليه بعض النزهاء الهدنة والصلح، وخاطبه بعضهم الآخر بأطيب الكلمات وأرقّ العبارات لعلّه يتعظ ويتقي شرور نفسه، لكنّه سدّ أذنيه عن سماع الحق وعصى واستكبر وأثر لغة السيف والخصام على لغة الحكمة والسلام.

وفي أحد الأيام، تعالى صوت أحد الأصدقاء الجدد في مجموعتي منتقدا كلّ منشوراتنا، مردّدا: "أهذه هي صفحة 'الرواية" التي كثر الحديث عنها هذه الأيام! أهذه هي المجموعة التي شدّت إليها الأنظار فجمعت أكثر من 5500 شخص، وأنا واحد من هؤلاء! وا أسفاه! لو كنت أعلم أنّها هكذا، لما التحقت بها!

فسأله أحد الأصدقاء الأوفياء يدعى (عبد الرؤوف) : "وما بها هذه الصفحة؟ ما الذي لا يعجبك فيها يا سيدي؟"

فقال الرجل الغريب: "أنا لا أرى فيها شيئاً يسرّني على الإطلاق! إنّي قصدت هذه الصفحة لأطلع فيها على أخبار الأدب وجديد الأدباء، فما وجدت فيها أدبا ولا أدباء!... وراح يتهجَّم على الصفحة حيناً وعلى صاحبها وأعضائها أحياناً بغير حق على مرأى من كلّ الأعضاء...

-لكن ما شأنه! الصفحات الأدبية لا تُعدّ ولا تُحصى، فمن لم تعجبه صفحة ما عليه إلاّ أن ينسحب منها ويلتحق بغيرها!

-هذا ما خطر ببالي في بادئ الأمر. فأبلغته أنّه ليس مرغماً على البقاء فيها إن لم تعجبه. لكنّ الرجل ظلّ غاضباً مستاءً لا يكفّ عن التذمّر. فاستحضرت ذاكرتي ألفاظا وعبارات بذيئة ألفتُ سماعها آنفاً قريباً. وسرعان ما أدركت أنّ هذا الرجل الغريب لم يقصد صفحتي في سبيل الأدب وابتغاء المعرفة والمنفعة كما كان يدعي وإنَّما سعيا لتشويه سمعتي وسمعة صفحتي. وعلمتُ أنّه في واقع الأمر ليس برجل غريب كما كنت أتصور، فأنا أعرفه وهو يعرفني حقّ المعرفة!

-ماذا؟! تعرفه؟!

-أجل ،أعرفه يا وفاء! إنّه خصمي العنيد عبد الله الشقي متنكّر!

-يا إلهي! لا أصدّق! أصحيح ما تقول؟!

-أجل، يا صديقتي! إنَّه عبد الله الشقي عينه! خصمي اللدود الذي حاربني طويلا من أرضه ها هو اليوم يتسلل إلى ترابي كما يتسلل العساكر إلى أرض الخصوم على غفلة من أهلها لا يبغون فيها غير سفك الدماء والعداء!

-يا حرام! أيصل به الأمر إلى هذا الحد! كيف يجرؤ!

-وما الغريب في ذلك! فمن يجرؤ على خداعك مرة، يجرؤ على خداعك ألف مرة! بالأمس، طردني من صفحته ورماني منها برماحه القاطعة، وها هو اليوم يرميني بوابل من النار، في عقر داري، بين أهلي وأحبابي الأبرار!

-يا حول الله! ويحه! أحذفه وأرح بالك منه، فقد أدركتَ الآن حقيقته، وكما يقول المثل العربي 'النافذة التي يتسرّب منها الريح، سدّها واسترح'!

-والله حثّني خاطري على ذلك، لكنّ ضميري صدّني عنه. فهو الآن عندنا ضيف، والضيف يُضيّف ولا يطرد.

-ماذا تقول؟! ضيف! لا، لا! أي ضيف هذا! الضيف من أتاك يحمل لك بيده وردا، لا من يحمل لك في قلبه حقدا!!

-أفهم ما تقولين، لكنّي قلتُ في سرّي إنَّه الآن في بيتي ولعلّ هذه أفضل فرصة للتواصل معه والسعي لإقناعه بالمصالحة وإنهاء هذا الخلاف الطويل الذي لا طائل منه. فقلتُ له: "لا تستغرب يا سيدي إن قلت لك أنّي أعرف من تكون! مرحبا بك سيدي المحترم عبد الله الشقي في مجموعتي "الرواية ال******ة" فصاح: "وما أدراك أنّي هذا الرجل الذي ذكرت اسمه إن كان لي اسم مختلف؟!" فقلتُ: "وهل تخفى عنّي نبرة صوتك أو طريقة تفكيرك؟!. " وأضفت: "لقد عاشرتني فكنتُ لك مخلصا، وشاورتني فكنتُ لك نصيحا، واستعنتني فكنت لك خير معين، واجتهدتُ ما استطعتُ لخدمتك وإرضائك، فما لقيت منك في آخر الأمر لسوء حظّي غير الجفاء والعداء! فقال: "أنت الذي بدأت، فقد اختلست مني "الرواية ال******ة" ! "الرواية ال******ة" فكرتي ومن تصميمي، فهي لي وليست لك! فاللّوم عليك لا على غيرك!".

فقلتُ له: "عيبك يا صديقي هو سعيك لتملّك الرواية وتوهّمك إنّها شيء لك ولأصحابك، وهي أكبر من أن تكون ملكا لك أو لغيرك! الرواية ليست ملكية خاصة نتصرّف فيها كما تملي علينا ضمائرنا، أو بضاعة نتاجر فيها كما يحلو لنا. الرواية ملك لكل من يكتبها! الرواية لنا جميعاً! فقال: "لكني أوّل من أنشأ صفحة بهذا الاسم! هذا الاسم لي وليس لك، فكيف تجرؤ على اختلاسه مني؟!" فقلتُ: "أنظر حولك في هذا العالم الافتراضي وسترى عشرات الصفحات المماثلة التي وإن اشتركت في الاسم، فإنّ لها ما يميّزها من بعضها. فهذا "الأدب الإنجليزي" تشترك فيه عشرات الصفحات! وهذا "الأدب الفرنسي" يشترك فيه ما لا يحصى من الصفحات! ولم يقل قائل منهم هذا الاسم لصفحتي لا يشاركني فيه أحد! أبعد ما يكون عن حب التملك والاحتكار والتعصّب! عيبك أنك لا تفرق بين اسم العلم واسم الجنس، فاسم العلم يدل على معين دون قرينة مثل أسماء البلاد والعباد، أما اسم الجنس فهو الذي لا يختص بواحد دون آخر من أفراد جنسه مثل 'رجل' و 'شجرة' و 'رواية'.

ثمّ، ماذا صنعت عندما أشرفت على صفحة 'الرواية' لا تنافسها أي صفحة أخرى؟! فتحت أبواب الصفحة لثلّة من أصحابك، كنت لهم خادما وعن مصالحهم مدافعاً، لا نكاد نرى فيها غيرهم ولا تكاد تنشر فيها غير مؤلفاتهم! وأوصدتها في وجه الأقلام الجديدة وفي وجه منشوراتنا بغير حقّ! وتركت المسائل الشخصية تغشى بصيرتك، وتطمس عينك، وتحيد بك من سبيل الصواب والمنطق، فأجريت مسابقة لأفضل رواية أقصيت فيها روايتي من غير حقّ! وأي مصداقية لنتائج مسابقات جوائز أدبية تفوز بها أعمال أدبية في غياب مؤلفات أدبية أخرى موجودة ولا تحظى بالمشاركة في مسابقات الجوائز الأدبية؟!

لا تلم غير نفسك يا سيّدي! فأنت، بجشعك وطغيانك، دفعتني إلى انتزاع حقي بيدي، وأكثر من ذلك وأخطر منه بكثير، حكمت على "الرواية ال******ة" بالانقسام والسير في اتجاهين مختلفين. فها هو شطر منها بين يديك، مكرِّس للقديم، محتكر للأدب، منغلق على نفسه، مغرور بمنزلته لا يرى في الدنيا غير ذاته، لا حياة لمن هو جديد بجواره، مستبدّ بأفكاره، كالحزب الواحد في السياسة الذي يحكم الأقطار، بالحديد والنار.

وها هو شطرها الآخر اليوم بين يدي أردته أن يكون منفتحا، متسامحا، عادلا، لا فرق فيه بين هذا وذاك إلا بالاجتهاد وجودة العمل.

لشدّ ما يحزنني الانفصال ولو أنّ الحياة قد علّمتني أنّه لا مناص لبني آدم منه في بعض الأحيان حينما يستبدّ الإخوان، ويسرفون في الظلم والعدوان.

سعيك لاحتكار الأدب وما تلاه من إقصاء وحقد وظلم أضرم سعير حرب ضروس مزقتنا، وشغلت بالنا، وأهدرت وقتنا، وبددت طاقتنا، وأزعجت أصدقاءنا، وهزت أركان الدنيا من حولنا.. معارك طاحنة ما زالت مشتعلة امتدّ لهبها إلى صفحات الأصدقاء وشتى وسائل التواصل الاجتماعي والصحف والمجلات... وحتى إن أرخت الحرب سدولها يوما فإنّ أثارها لن تزول على الإطلاق. سترسخ في سجل التاريخ وستذكرها الأجيال الآتية باسم 'حرب الرواية ال******ة'

وإن كنتَ قد أسأت بي فإنّي سأتغافل عنك وأعدل عن سبيلك هذا، سبيل السوء والغدر والكراهية. سأمضي في سبيلي، في درب مرسوم بألوان الخير والمعروف والإحسان الزاهية. ورغم ما لقيته من جفاء وسوء منك، فإنّي سأحسن إليك ولن أنتظر منك مقابلا.. أجل، سأمضي في سبيلي. لكن ليس قبل أن أهديك هدية لن يهديك مثلها أي اسم من الأسماء العظيمة التي تدافع عنها..."



بقلم: مولود بن زادي كاتب جزائري مقيم في بريطانيا

الجزء الخامس والأخير من فصل حرب الرواية الجزائرية تأتيكم في مثل هذا اليوم الأسبوع المقبل)



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...