عبد العزيز بركة ساكن - طفلان و باتريشيا

(1)
كل من في الحي الصغير ،بقشلاق السجون في مدينة القضارف ، تلك الأيام، يتحدث فقط عن السكان الجدد،الذين استغلوا البيت الفارغ، المجاور لبيتنا مباشرة،بيننا باب جيران صغير فتحه الساكنون القدامى، أولاد المرحوم جمال عباس الشايقي.
أسرة صغيرة، تتكون من زوج فقط، تعمل الزوجة جاويشا بالسجن،يقال أن الزوج يمتهن صناعة كراسي الخيزران، طالما لم يكن بالقضارف خيزران ،فإنه لا يعمل شيئا، سيبقى عاطلا عن العمل، إلي أن يتم تجنيده بشرطة السجن.
(2)
أخي الأكبر و أنا ، صغيران، هكذا يتم وصفنا من حين لآخر، ننصح دائما بألا نستمع لونسة الكبار و تعليقاتهم، مما يحرمنا الاستمتاع بالمعلومات القيمة عنهما،لذا، كنا نحاول جهدنا أن نتحصل علي الأخبار بأنفسنا، مباشرة من المصدر: الزوج سانسو و باتريشيا.
و ذلك عبر الباب الصغير، التصنت من خلال صريف القصب القديم، عن طريق خرم الجرو ، قدة الكديس أو كسرة الشباك.
(3)
الحوارات في الغالب، تجري بلغة محلية صعبة ، عرفنا فيما بعد أنها لغة الباريا، لكنا دائما ما نجد معني لما لم نفهم، معني نفهمه، أما الأفعال، فما كانت تحتاج جهدا كبيرا لفهمها.
(4)
إلتقط أخي بأذنيه الوطواطتيتين،قولا- لعطا المنان مقدرة خارقة في سماع حتي ما يهمس به-قال لي ،
- الليلة باتريشيا عاملة شكلة مع سانسو.
- كيف عرفت؟
- أمي قالت لأبوي : باتريشيا مشاكلة سانسو.
بإشارة نستخدمها دائما،نطلقها من عيوننا، مصحوبة بحركة من الشفتين و رفسة سريعة من قدم لقدم، تعني : أرح نشوف. إتخذنا مواقعنا ، أنا عند قدة الكديس، عطا المنان عند خرم الجرو ، لأنه الأكبر فهو دائما ما يحتفظ لنفسه بالمكان الأفضل.
(5)
البيت هاديء، لا ينتج شيئا مفيدا،لا ،حتي مجرد همسات قد تؤول إلي مقصد لذيذ بقدر بسيط من إعمال الخيال،لا حياة، فجأة خرج سانسو من القطية ، في فمه كدوسه، كدوسه الكبير الشهير، ظلّ واقفاً،يدخن في قلق،يرسل خيوطاً من الدخان في الهواء بهدوء حذر، إلي أن أتت باتريشيا، وضعت كرسي الخيزران خلفه مباشرة،جلس دون أن يطلق صوتاً، وضع رجلاً علي رجل ، استمر في مهمة إطلاق الدخان،جاءت باتريشيا بكوب ماء، قدمته إليه بناء علي طلبه- هكذا ظنّ أخي – أو من تلقاء نفسها – ظننت أنا – ليّ و له مبرران مختلفان، لنا شكّ واحد، عندما تناقشتا في الأمر وقد أصبحنا رجلين كبيرين: إنه طقس سري سحري،لم تتح لنا فرصة التعرف إليه إلى الآن.
أمسك بالكوب ، نظر في وجهها، كان أسود لامعاً، به عينان كبيرتان، كبيرتان : كل الناس يقولون ذلك،ألقي بالماء كله في وجهها في دفعة واحدة،رمي بالكوب بعيداً: رطن جملة قصيرة أدخلت الخوف في نفسينا، لولا إصرار عطا المنان علي البقاء و متابعة الحكاية للآخر ، لهربت مهرولاً، لم تقم برد فعل ما يظهر غضبها، دخلت القطية، عندما عادت ، كانت تحمل عوداً غليظاً، هبّ سانسو واقفاً،و بدأت المعركة، في لمح البرق تجمعت نساء الجيران، في متعة معروفة في تلك الأنحاء،كنّ يشاهدن العراك العنيف، الذي يدور بين الساكنين الجدد، لم يقض علي متعتهن في إصدار الأصوات، التي لا تعني شيئا، إلا حضور أبي و جارنا مرجان كافي إلي ساحة المعركة، قضيا علي العراك بالفصل بين الزوجين ، منقذين سانسو – كما بدأ لنا – من جلدة ساخنة.
(6)
أخي، عطا المنان و أنا ، انتظرنا بعيداً قرب المرحاض العام المهجور ، بالرغم من خوفنا منه، حيث أنه مسكون بالشياطين، إلا أنه كان النقطة الأمثل لمتابعة مابعد المعركة مع تجنب الوقوع في قبضة أحد الكبار ، خاصة جارنا العم مرجان كافي، أو أبي، و فوق ذلك كله يتيح لنا رصد تحركاتهما.
(7)
باتريشيا تغسل رجليها الطويلتين وهي جالسة علي كرسي من الخيزران عالي،تلبس ذات الفستان الذي أدارت به المعركة ضد زوجها، كانت صامتة،تتجاهل تماما سانسو الجالس علي كرسي الخيزران الآخر، قد إعتدل مزاجه، فعاود إطلاق الدخان مرة أخري، عندما فرغت من غسل ساعديها و وجهها ،مسحت شعرها ، قالت ليّ:
- تعال.
دقّ قلبي بشدة،هرب عطا المنان إلي جهة لا أدريها، قد لا يدريها هو نفسه،أما أنا فقد تسمرت في مكانيّ من هول المفاجأة،لأنني ما كنت أظنها ترانا،قلت لها بفم جاف،لسان ثقيل و شفتين باردتين، ما معناه
- أنا ؟
- أيوا، إنّت يا ود مريم.
و دون تفكير،أدخلت رأسي كلها في قدة الكديس، زحفت إلي أن مرّجسدي كله عبر الخرم،ثمّ نهضت ، نفضت التراب و القش عن ملابسي، أمامها فيما يعني : أنا تحت الطلب.
أخرجت من بين ثنيات شعرها ، جنيهاً، قالت لي
- أمشي الدكان، جيب لي حجار بتاع بطارية، يديك أبو كديس، أوعك تجيب أبو نمر سامع؟ أبو كديس.
انطلقت في سرعة البرق، نحو دكان صالح اليماني، خلفي عطا المنان، الذي لا أعرف من أي جب خرج، قلت له بين أنفاس متلاحقة،
- و قالت لي شيل الباقي كمان.
(8)
أجلستنا علي عنقريب عجوز، تفوح منه رائحة حبال السعف، تحت الراكوبة ، ليس ببعيد عن سانسو، الذي كلما خلص تباكو كدوسه ، عبأه مرة أخري ،قدمت لنا طبقاً مملوءة بالسمسم المطبوخ بالسكر، ثمّ أدارت الأسطوانة في أغنية جالوا،اختفت لبعض الوقت ثمّ عادت تلبس فستاناً جميلاً قصيراً جداً، حذاء له كعب عاليٍ ، قبل أن نتمكن من أن نندهش ، أخذت ترقص بجدية و جمال رهيبين،همس أخي في أذني ، خائفاً،
- أرح نمشي البيت،
نهضنا في لحظة واحدة، متجهين ناحية الباب، لكنها تقدمت نحونا،وهي ترقص وفي فمها ابتسامة كبيرة، تبدو من خلالها أسنانها البيضاء: بيضاء، أمسكت كل منا بيد و أخذت تطوعنا علي رقص أنغام الجالو ، مشجعة ايانا بصوتها القوي ، مما ذاد مخافات عطا المنان،أخذنا نجاريها في الرقص ، الذي لم يكن غريباً علينا، حيث أن كل من في قشلاق السجون يجيد رقص الجالو، و لكن تخيفنا مناسبة الرقص ، الغامضة، أنها لم ترق لأخي كثيراً ، حيث أنه أخذ يعرق بشدة، قبل أن يتمكن من إنتزاع يدة من بين أصابع باتريشيا الطويلة، و يختفي نهائياً، قالت لي برفق ، وهي ترقص مقربة وجهها من وجهي ، مما جعلني أحس بنفسها دافئاً،في جبهتي ، و رائحة عرقها تملأ أنفي تماما، رائحة غريبة لم أشمم مثلها في حياتي، ربما ، هي التي تحكمت في ردي،
- عايزة تمشي أنت برضو؟
قلت و أنا استنشق الهواء المشحون برائحتها ،
- لأ،
قالت وهي تقترب أكثر من وجهي،
- حترقصي مع باتريشيا؟
قلت،
-أيوا،
و أخذنا نرقص الجالو،كانت طويلة جداً،لا أدري كم يرتفع رأسها من سطح البحر، أنا كنت قصيراً، صغيراً، ربما في العاشرة من عمري، وقد لا أكون قد تجاوزت االمتر طولاً،بالكاد يوازي رأسي وسطها، لذا كانت تنحني بين فينة و أخري،مشجعة إياي قائلة،
- هيا........هبا هبا ....سوا ...سوا .
فيندفع نحوي نفسها دافئاً، لذيذاً و غريباً،
(9)
سانسو، يرسل الدخان في الفراغ، متجاهلاً رقصنا و ايقاعات الجالو الصاخبة،بدأ لي بارداً ، بل لحد ما حزيناً، لكنه فجأة أصدر صوتا غليظاً، نحي صخب الجالو جانباً، اخترق أذني، في بحة ثقيلة،
- يا ود مريم، يلا أمشي بيتكم، بلاش كلام فارغ معاكي،
نفض كدوسه و اتجه نحونا، قلت له بتحد و أنا أتمسك بأصابع باتريشيا الطويلة،
- ما ماشي؟
رمقني بنظرة شريرة
- يا ود مريم أسمعي الكلام.
أخذتني باتريشيا في صدرها، غمرتني رائحة من جسدها ، عظيمة، قالت
- أمشي البيت خلاص يا ود مريم. الأسطوانة خلاص انتهت، يوم تاني نجيب حجار بتاع بطارية، و نرقص سوا سوا،
قلت و أنا إلتصق بصدرها بشدة،
- ما ماشي البيت.
دون أن تقول كلمة واحدة ،مشت بي نحو الباب الصغير الفاصل ما بيننا،و فعلت فعلة شنيعة، حيث أنها نادت أمي، طالبة منها أن تأخذني، عندها سمعت صوت أبي ، يهتف بغلظة طالباً من أمي أن تسلمني له و معي الحزام، لكني قفزت من صدر باتريشيا هربا عبر باب الشرع إلي حيث لا يدركني أبي.
(10)
جاء إليّ عطا المنان، وجدني جالساً علي مسطبة الماسورة القدية المتعطلة، عند الخور، جوار المدرسة الثانوية، أحاول جاهدا ًإيجاد تفسير لما فيما مضي من أحداث مرت كالبرق، في الحق كنت أتتبع بقايا رائحة جسدها في أنفي ، حيث بدأت واهنة ، بعيدة غالية، وجدني اتشمم الهواء مثل جرو صغير يبحث عن الاتجاه الذي ذهبت إليه أمه، قل لي مندهشاً،
- قاعد تعمل كدا ليه؟
- الريحه؟
قال وهو لا يفهم شيئاً أو متجاهلاً،
- دخلوا جو القطية.
- متين؟
- هسّع، أرح نشوف بكسرة الشباك، أمي قالت لأبوي : سانسو حيضبح مرتو؟؟ أبوي قال ليها : بطريقتم.
(11)
عبر قدة الكديس، دخلنا،علي أطراف أصابعنا تسللنا إلي الداخل، من كسرة الشباك رأينا:
سانسو جالساً علي كرسي خيزران ، يرسل الدخان بعيداً، باتريشيا ترقص الجالو، بدون موسيقي فعلية، كانت تغني هي بنفسها و ترقص، استطعنا أن نري،البيكاب مرمياً علي الأرض،حوله تتناثر الأسطوانات لامعة جميلة و مهملة، قلت لعطا المنان،
- إذا طلّق سانسو باتريشيا، أنا حأتزوجها.
قال لي دون مبالاة،
- لكنها طويلة؟ طويلة شديد و سمينة؟
لم اهتم بحجته الواهيه ، التي لا تخلو من حسد،لأنني كنت واثقاً من أنني سوف أكبر و أصبح طويلاً مثلها و سميناً، قلت له:
- الطول ما مشكلة بس كيف سانسو دا يطلقها لي ؟ أنا أكرهو، أنت بتكرهو ولا لأ؟
(12)
لم أشعر باقتراب الكارثة إلا عندما إلتفت إلي أخي عطا المنان ، حيث كنت انتظر منه اجابة ما، ولم أجده،لقد استخدم أجهذة انزاره المبكر وهرب في الوقت المناسب، تاركني لأبي الذي : بيدٍ خشنةٍ قويةٍ،بغضبٍ، بصمتٍ كريهٍ، سحبني من خلف الشباك ، قابضاً علي أذنيّ، بقسوةٍ، و مثل تيسٍ عاقٍ، جرني عبر بوابة الجيران الصغيرة إلي البيت:
و باقي القصة معروف لديكم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...