محمد حيدار - دموع النغـم.. الفصل الأول من رواية

إلى روح الروائي المصري الكبيــر
الراحل محمد عبد الحليم عبد الله
دعاء بالرحمات واعترافا بصدقية الكلمة.

الكاتب


الفصل الاول

مقدمات اللعب بالنار:

العرّاف عجينة كحكيم صيني متقاعد، يدرك بكامل ثقة ان ما يجري حوله مجرد كومة من المتغيرات، قد تحملها قاعدة الحركة نحو محطة ما غير قابلة للرصد في خلوته هذه على الأقل. خطيرة هي المنعرجات التي تلف الطريق، ولكن الأكيد انها عكس الثبات الذي خُيّل لكثيرين انه أخذ مواقعه، لذلك كان العرّاف عجينة يستبد به ضحكه أمام أي طارئ دون أن يعلق بكلمة أو يعترض.

ما يُبشر به العرّاف يوحي الى سامعيه، انه يعني قيام الساعة لولا أن سي محمد أكد لجلاسه أن سمعها لا يُسترق.

على مدار سنوات لا تُحصى استطاع العرّاف (عجينة)، أن يبعث في قلوب مريديه الطمأنينة الى مستقبلهم، ربما لأنه قلما تنبأ بأمور تبعث على التشاؤم، وجلية هذه الخاصية أن ذوي الطالع السالب لا يفدون عليه عادة كما افتخر دائما.

منذ أعوام موسطاش استحالت تنبؤاته مجرد خوارق مغلقة عن الفهم؛ أسلوبه الخطابي المسجّع في لين تلون بألفاظ مرعبة، مخيفة للغاية، كالفيضان، الحريق، البركان، الحمى، الجراد، الموت، ماذا يريد؟!

واصل العرّاف عجينة ضحكه المتعب وهو يمسح دموعه بمؤخرة عمامته المزركشة اللون، وتساءل بدوره:

" عن أية حرب تسألون وقد امتد الدوي الى ضفاف الوادي من حولنا؟!"

وأيقن جلاسه أن العرّاف قد غزا حكمته هذيان، فمتغير السن غالبا ما يفسد توهج العبقرية.

قلائل هي اللحظات التي يخلو فيها مجلس العرّاف عجينة من الزوار، والأقل منها تلك التي ينفرد فيها بنفسه يحادثها أحيانا بصوت مسموع، أو يعود بها الى ماض سحيق سرعان ما تلتحم فيه ذاكرته القوية "بملهمه" الأول، الذي وفد عليه في المنام منذ عشرات السنين ليلقنه بعض أبجديات الحكمة.

انصرف العرّاف عجينة عن تأملاته بعد أن أظله خيال شاب منتصب أمامه في صمت، رشقه بنظرة ارتياب حيرى قبل أن يعتدل في جلسته وقلما فعل.

" انها بغية كل شاب في سنك!"

عملية التنجيم بالنسبة للعرّاف عجينة مزدوجة الأشكال؛ رملية و مقروءة.

في دخيلته لا يعلق كبير أمل على الثانية عكس الأولى، ففي أحضان الطبيعة يفرخ كل شيء، حتى الخطوط الملتوية تأخذ انحناءاتها في غاية اليسر والإيماء.

أدمن على النظر الى خطوط رسمها على الرمل منذ حين، تنهد أعرض عن النظر اليها، كان بصره سارحا عبر الأفق البعيد.

أمسك بيد الشاب وقد طرب لأمر ما مظهرا بشاشته أكثر من ذي قبل، قال في فرح طفولي:

" انظر ألا تراها معي تحلق في الأفق البعيد؛ كاعبا ترنو إليك في حنو"

هدأ روعه إثر ثورته تاركا " جمال" يحدق في الأفق منشدها، لا تستقر عيناه على شيء سوى على سحب راكظة تعارض الصفاء في تحد ظاهر، والعجب يكتسه بشدة، سأله:

" من هي؟!"

امتقع لون العرّاف عجينة، وأخذته رجفة معهودة فيه وأشار بأصبعه مستنكرا:

" لا تتكلم؛ لا تقاطع الفيضان ذر السيل ينهمر"

" ولكن من هي ؟!"

وبشدة انتهره:

" قلت لا تقاطع السيل، أتريد أن تغضب خدام الرمل؟!"

وأضاف:

" لن تجدها خلفك فموقعها الأمام"

" ولكن من هي؟!"

" لا تنتسب الا لمن يختارها"

ودون ان يكرر السؤال انصرف جمال محولا على كلمات العرّاف، كان الدوار(1) منذ أيام تقضت يمور بحركية غير عادية متعددة الأغراض، اتصلت فيها لقاءات أكبر قادته وطالت جلساتهم الى ساعات موغلة في الليل، على عكس عادة منهم.

لاريب ان دوار بوغريبة سيعرف أمرا يفوق طاقته هكذا قال جمال لدى لقائه بيعقوب صباح اليوم قبيل الإشراق.

الحطّابون يسعون أياما متعاقبة في جلب كريم الحطب من أعالي الجبال على ظهور الدواب، وكان على سالم الخبير في خصائص الاحتطاب ومنفرجات الأدغال أن يضحي بإحدى ساقيه ليصبح طريح الفراش يتقوت من سائل الرمث المضاد للسموم، والفصل قيظ والثعبان الذي نهش ساقه من كبريات زواحف الأدغال.

والحق ان أمر سالم لم يبلغ من الأهمية حدا يعطل المساعي الجارية، ففريق من رجالات الدوار ينهمكون في طحن أكياس البارود وهشمه، يشتغلون ضمن أكداس مكدسة من فحكم الدفلى ودقيق الكبريت، وذائب الرصاص الذي يعاد سبكه وفق قوالب جاهزة، من خليط هذه المواد تملأ الأطباق المصنوعة من سعف الحلفاء وتعرض للتجفيف بواسطة أشعة الشمس.

ولأن بوغريبة سبّاق كعادته الى تذوق كل شيء، فقد أخذ يحشو جعبة بندقيته بدقيق البارود محدثا طلقات نارية مروعة بين الحين والأخر، شدت أنظار الجميع لقوتها.

" والله خير من بارود البايلك"

" خبرة أربعين سنة"

" الدفلى حرة"

ومن بعيد وهو بمجلس الشيوخ ردد الشيخ المكي تلقائيا كلمة للشاعر محمد بالخير في هذا المعنى:

" دنّق جهد البارود قاع من صال عليه يصول"

مشاهير الفرسان على اختلاف الفنون التي يأخذون بها دعووا للمشاركة في إحياء وقائع الحفل، إذا كان يوم الثلاثاء من الشهر القادم؛ فلقد أرسل خصيصا في دعوة "علال بن التارقي" وحضور علال بن التارقي حدث يكتسي أكثر من معنى، فهو قد قاطع حفلات الأعراس والولائم ليختص بإحياء مثل هذه المناسبات الرسمية.

" إنه علال خطّاف التراب!"

" يوقف فوق ظهر العود!"

" فرقته بلباس واحد"

ورأى الشيخ مبارك نفسه معنى بزعامة فرقة الخيالة التي ستمثل الدوار المضيف، ورغم انه يعترف بالقصور عن اللحاق بمستوى علال ولد التارقي فان للدوار رجاله إذا جدّ الجد.

واقتضى الأمر ــ فيما اقتضاه ــ دعوة " بوسنة" زرناجي القرية المجاورة على أن يفد معززا بكامل أعضاء فرقته من نوابغ الدفوف، وإلا خلف غيابه انعكاسا جد خطير إذا علمنا أن الساحة ستخلو من رقصات شعبية شيقة.

جو الاحتفال يغمر الأنفاس، وسالم ينفرد بتأوهاته الموجعة الى جانب الخالة " الواشمة"، التي تتخيل المشهد مغايرا بالمرة، داميا محزنا مفجعا، مشيخة الدوار يتحلقون حول المصلى العام، يتشارون في أمر الحفل.

وجرى التفكير في عدد الخيم التي ينبغي إلحاقها ببعضها لتكوّن خيمة بالغة الضخامة، كفيلة باستيعاب الضيوف جميعهم، على أن تأخذ من مظاهر التزيين ما يجعلها مميزة.

إن المناسبة لجد عظيمة تتجاوز مقتضيات إحيائها ما يمتلكه شبان الدوار من عادي الألبسة، وهم لهذه الغاية يتقاطرون على متاجر القرية لاقتناء ما يليق بمظاهرهم إذا كان يوم الثلاثاء.

أيام قليلة وتسمو خيم الدوار وأكواخه الى مستوى يفوق استعداداتها؛ ستستقبل القايد (2)، الرجل الذي لا عازل بينه وبين باشاغا المدينة(3)، فرضاه يعني رضا الباشاغا فالمستاتور(4) ، ومن حاز ولاء هذه السلسلة من الأكابر فانه بالمجد لخليق، كذلك فكر الشيخان بوخلوة ومعلّى.

الكل يجهل موضوع الزيارة، ولا يود أن يتطفل بالسؤال، إنها بالنسبة لرجال الدوار ضيافة فحسب، أما الباقي فرسميات ضيقة النطاق ستقتصر على رؤساء البطون.

وقال بوغريبة ليعقوب وهما يستمران في طحن البارود على الطريقة التقليدية:

" 3 كباش ضيافة و3 غرامة!"

ومع الغروب تراءى للأعين فارس قد اتجه صوب الدوار، ليس هناك من شك لحظة واحدة في أن مقدمه على هذه الصورة، وفي مثل هذا الوقت يتعلق بزيارة القايد، فالدوار أصبح مذ اعتزامه هذا الأمر محط ركبان وافدة من مختلف الآفاق.

" قد يكون الكوراط ؟!"

" ربما أحد أعوانه؟!"

المهم كما قال الشيخ بوخلوة وقد اعتدل واقفا:

" إذا كان صديقا فسيسره صنيعنا"

أبرقت عينا سي محمد وقد حذق ما عناه الشيخ بوخلوة، فالعداء وراثي ملتهب بين الدوار وجاره دوار الشيخ الفُضيل.

الجواد الطائر بلغ ساحة الدوار، كان الكوراط فعلا ولم يتخلف هندامه عن الاحتفاء بالحدث، إنه كما يتضح على عجلة من أمره، فلقاؤه بالشيخ بوخلوة لم يطل كما توقع البعض، إذ امتطى صهوة جواده عائدا من حيث بدا، مخلفا الشيخ وقد حز في نفسه أن تسند مهام تتعلق بدواره الى كوراط مجاور.

ومع ذلك َاب الشيخ بوخلوة الى جمعه تسبقه علامات السرور، وبادر قبل أن يبلغ موقع مجلسه:

" لقد خُصّ دوارنا بما لم يُحظ به دوار قبله على الإطلاق "

" ماذا هناك يا شيخ؟"

" معالي الباشاغا والمستاتور سيصحبان القايد في زيارته هذه

ومعنى هذا أن كل الاستعدادات يجب أن تتضاعف أضعافا"

ورشقه الشيخ المكي بنظرة لاهبة وكأنه برم، وسبقه الشيخ معلى الى الكلام فقال:

" الحطب والبارود كافيان"

وأشار الشيخ مختار:

"" ألعاب الفروسية والأهازيج مهيأة"

وقال مراد:

" أما الغذاء فظني أن خمسين خروفا ستفوق طاقته"

ما يشد تفكير الشيخ بوخلوة هذه المرة هو أمر الشيخ المكي، هذا الرجل المتعنت ماذا دهاه؟! كلما شارف الدوار مجدا تلقاه عابسا؛ كان كذلك أيام موسطاش ولايزال متجهما قد أرهقته التناهيد المجانية.

" وزوج السيد المستاتور لابد لها من هدية ثمينة"

أكد الشيخ بوخلوة في صدق.

تناول الشيخ المكي علبة تبغه الحديدية الصدئة، وأخذ يلفّ واحدة من سجائر الشعرة الفاخرة، وهو الوحيد من بين شيوخ الدوار الذي كان يتعامل مع التبغ كما يتعامل الأطفال مع قطع الحلوى، وأفجعه انه ولا أحد يستشف الزيارة من جوانبها الاخرى، فالمُلحّ هو أن يتبارى الجميع في تهيئة أسباب الضيافة كما تقرها أصول الكرم البدوي وكفى.

" قطيع بكامله سيذبح؛ كل خيمة دفعت خروفا بل كبشا! في فرنسا لو زار المتصرف المدني قرية ما ذبحوا له دجاجة!!!"

علق بوغريبة هازئا.

" لكل دوار تقاليده"

ردد الشيخ بوخلوة في زهو، وتمتم بوغريبة:

" المسكين يتخيل فرنسا مجرد دوار يحتفل بمستاتور طاغ!"

إن من قضى بعض عمره خارج هذا المحيط، سرعان ما تفقد ذاكرته شعائر متشابكة هي الحياة في منطقها المحلي، ظنا منه أنها مجرد هوامش لا طائل من الإنصات الى إيقاعها المتعب، الممل.

فبوغريبة يعيش نوعا من الانفصام غير الواضح الأعراض، يجهل بالمرة أي الطورين يحتل منطقة شعوره؛ المهجر أم الدوار؟!

ما يعتقده أن العهدين لا ترابط بينهما، يتعايشان دائما في انشطار بالغ الفواصل.

إن القضية لماثلة النقيض لدى يعقوب مثلا، فهو يمتعض فقط لمظاهر التكلف في الحياة التي يتبناها ساسة الدوار رغم إقراره بمشروعيتها، كالتزامات يجب ان تُؤدى على أكمل وجه والا اهتزت صورة الكمال التي عُرف بها الدوار.

فالخيمة الكبيرة هي تلك التي تعودت على البذل، دون أن يعرف الأخرون مصدر قدرتها على العطاء.

قرر ساسة الدوار أن تنطلق مراسم الحفل قبل موعد الزيارة بيوم كامل، ما الذي يحول دون ذلك وقد نزل بالدوار مبكرا " علال بن التارقي" و " بوسنة" بأفراد فرقتيهما؟!

وارتأت رقية انه من الحكمة أن تستهل العهد الجديد بزغرودة تعيد الى الفضاء المتجهم انشراحه، فطلبت من بوغريبة أن يهيئ بندقيته لتتجاوب مع زغرودتها التي ينتظرها الجميع بصبر يشتد خواؤه، واخترقت أجواء الغروب متعالية تدريجيا في نبرات تكتسح طحالب الصدور، وأبى جمع من فتيات الدوار إلا أن يمددن في إيقاعها بعد أن نفذ الصوت الرخيم، وكان على بوغريبة أن يختتم المشهد الصوتي بطلقتين من بندقيته.

وإذ انطلقت الأهازيج كما أراد لها شيوخ الدوار، فان أنغام الزرنة ــ عكس ألعاب الفروسية ــ لا يحدها ظلام الليل الكاسح، بل على النقيض منها بسكينته ووحشته يمنح الأنغام سر نفاذها الى القلب فتعود بكل ذي ذكرى الى ماضيه.

تصدّر حلقة الرقص بوغريبة، يعقوب ومراد فاكتسحت عباءات الطيسور دمن الحلفاء.

وبلغ المشهد قمة فتنته بانضمام الشيخ بوخلوة شخصيا الى حلقة الرقص وقد زايله وقاره المعهود، غير أن حركاته الفنية وما أضفاه عليها من خفة مفتعلة، ظلت تثبت انتماءها الكلي الى مدرسة انقرضت، ولاحظ الجميع غياب بنت النمر.

وبنت النمر أرملة جسور استطاعت ان تحافظ على مكانتها المرموقة في الدوار كواحدة من فواتنه، رغم انها أثنت كل من طلب يدها؛ فهي زوج موسطاش الذي كان من بين ضحايا المعتقل في أواخر الثلاثينيات.

مات كواحد لعب بالنار، قيل انه كان ينتسب الى قوم سموا أنفسهم حزبا مناهضا للقايد والمستاتور.

ومع انها لا تنتسب الى الدوار فقد أصبحت منذ عهد مبكر جدا كما لو انها المفوض الكامل لنسائه.

الدوار في مناسباته المفرحة والمترحة على السواء لا يسمح باي لون من ألوان الاختلاط، فالناس أشراف ولو خبلوا، وأمام هذا الوضع الوراثي كان على النساء أن يفجرن طاقاتهن الفنية ضمن تجمعات داخل الخيم، ولا باس أن يراقبن استعراضات الرجال وهن يتطلعن الى الساحة بـأعينهن من شقوق ممتدة عبر ستور الخيم وأسجافها.

وحسب الزغاريد المتعالية والأهازيج النسائية المنبعثة من الخيم أن تُحدث شعورا معنويا بالاختلاط لدى الرجال والنساء معا.

ولأن شعورا على هذه الشاكلة من الكبت الواعي يلهب الرغبات يتصاعد احتدامه، فان تأكيد الذات لا يتحقق في مثل هذه المناسبات الا بقدر ما تسهم به من جهد عضلي، في ساحات الغناء والرقص والفروسية والزغاريد.

فالقضية قضية إلفات نظر ليس إلا، وبأسلوب لا يرحب بتاتا بالمباشرة.

وهكذا أعربت المنافسة في تعاطي الرشاقة عن نفسها بين باقي أقطاب حلبة الرقص، إذ الكل يمني النفس بنظرة ولو عابرة من لدن حليمة ملكة جمال الدوار على الاطلاق، إلا بوغريبة الذي يعترف باحتقاره لتقنيات الانجذاب كما يقرها الدوار.

اعتزل الشيخ بوخلوة الرقص غير آبه بما قوبل به موقفه من صياح جماعي اضطره الى الاحتجاج، فمركزه كمكلف بمهمة من لدن الكوراط يقتضي منه التفرغ لأمور أكثر أهمية.

وأسفر الموقف عن ذروة الدهشة فيه حين حاول بوغريبة أن يستدرج سي محمد الى حلقة الرقص، لكن شيوخا فضلوا الجلوس بعيدا انتهروه في قسوة لاذعة، فالسي محمد مهما كان الأمر يمثل ضمير الدوار، والضمير منزه عن الخوض في سخريات اللهو.

مع الصباح لم يعد الأمر مجرد تمارين قابلة للتعديل، فالدوار يعيش يومه الرسمي بالفعل، وعليه أن يكون في مستوى اللحظة وإلا افتقد نفوذه كدوار له خطره بين دواوير القبيلة.

وتوقع الشيخ بوخلوة أن القايد لحكمة يراها، ربما اصطحب قائد الحامية فالمنطقة عسكرية بحكم موقعها، والقايد أذكى من أن يغفل أمرا كهذا.

لقد ارتأى بوخلوة صوابا؛ فالسيارة التي تتوسط القافلة المتجهة نحو الدوار مع الإشراق عسكرية ذات طلاء رمادي داكن.

" خمس سيارات دفعة واحدة يا للمفاجأة!"

صاح الشيخ بوخلوة وهو يسارع بمعية جمع من الشيوخ الى حيث ينتهي الطريق المحفّر غير المعبّد، ليصطفوا الى جانب الكوراط للاستقبال؛ أخذت السيارات تتوقف واحدة تلو الأخرى وكان أول من غادر أمامية السيارة الأولى القايد وقد أعدّ لليوم عدّته، من نصاعة لباس وخيوط حريرية لفت عمامته في تشابك عجيب، والجسم الممتلئ يعطي الهندام الفاخر أبعاده، في حين اكتفى المتصرف المدني بقميص قصيرة أكمامه وبنطلون يقاسمه ذات اللون، أما الضابط فنزل بكامل بزته الميدانية بما فيها المسدس

بينما فضل سائق السيارة العسكرية أن يصطحب رشاشه الملقى على ظهره في رفق.

وتسابق نسيم البوادي الصباحي على مداعبة جدائل حرم المتصرف المدني، التي برزت من بعيد في مظهر أعاد الى بوغريبة مشاهد تستقر بأعماقه كلون من محفوظات الصغر.

لقد أبدع علال بن التارقي الى حد جعل الضيوف يفضلون الوقوف بعيدا من خيمة الضيافة، للاستمتاع بلقطاته الرائعة؛ فجواده يستجمع الأنظار، والشيخ بوخلوة يؤلف حلقة رقص الى جانب حلقة بوغريبة.

المتصرف المدني يلتفت الى القايد الساهم ليسأله في عجب:

" أيوجد الرقص الصامت هنا أيضا؟"

وانبرى القايد شارحا كما لو كان ينتظر أن يطلب منه القيام بشيء كهذا:

" هذه رقصة تفضل الصمت الذي تتخلله طلقات البارود، إنها أكثر أنواع الرقص البدوي عراقة"

والمتصرف يشعل سيجارته:

" ولكن يبدو انها قصر على الشيوخ؟"

" غالبا، وهم لا يرتادون حلبات الرقص إلا في الأيام العظيمة كيومنا هذا"

"شكرا"

الطلقات الجماعية الموحدة يختلط دويها بزغاريد النساء وأنغام بوسنة، وأمام كل هذه الألوان اتسعت مهمة القايد في تفسير ما يشاهده الضيفان.

أما الضابط العسكري فكان همه الأوحد؛ أن يركز على تفاصيل صنع البارود وكيفيات اقتناء البنادق؛ ولكم أذهله أن يعلم أن هذه البنادق البدائية تستخدم لصيد الوحوش الكاسرة، وأن رصاصة منها كافية للقضاء على أسد أو نمر أو انسان.

أنهى بوغريبة الرقصة وانصرف محاولا الاقتراب من جمع الضيوف، إنه على مسبق علم أن مجرد دنوه منهم سيثير غضب الشيوخ، لكنه رجل المغامرة، توقف، أخذ يتفرس في وجوههم كمخبر يستعرض أشخاصا مشتبها في أمرهم.

إنها شديدة الشبه بسوزان لولا فارق في السن واضح، همسات زوجها إليها تتكاثر، خيل الى بوغريبة أن المتصرف أعرض عن تتبع الحفل ليتفرغ كلية للاهتمام به.

عاد بوغريبة الى حلقة الرقص دون ان يتمادى في الانقياد وراء شطحات حدسه، وكأنه قرر أن يفوض الحاضر إزالة الماضي.

من المتوقع جدا أن تنهي جميع الفرق عروضها الصباحية لينتقل الاهتمام بذات الدرجة الى وجبة الغذاء، سيما وأن الخيمة الضخمة على اتساع مجالها قد ضاقت بشرا.

الضيوف شرعوا في تناول مقدمات المأدبة، والعيون جماعيا مشدودة الى منطقة الشواء وهي تمطر الأفق بسحب داكنة من دخان الخروب الكثيف.

انبرى مبارك وقدور ومراد يقدمون أطباق الملفوف(5) الى الضيوف الأكابر وارتأى بوغريبة ان عليه أن يساعدهم فأسرع غير مأذون نحو المتصرف المدني وشقرائه الجالسة في وقار إمبراطورة شرقية حاملا طبقا من الملفوف قد اختار لفائفه في بالغ عناية، اقترب من السيدة وقال:

" تفضلي سيدتي"

ورشقه المتصرف بنظرة حيرى، مطولة مركزة نارية مستنفذة وهو يهمس الى زوجه، وقبل أن تعير همسات زوجها اهتماما شدت على سفود الملفوف وهي تقول في كلفة:

" شكرا"

وأعربت عن تساؤلها صراحة هذه المرة، فوجدت زوجها يندفع الى التصريح:

" الشواء على الحطب لذيذ"





وهو يحدج بوغريبة بنظرات ثابتة التصويب، وقد تولى القايد مهمة الترجمة فابتسم بوغريبة تعليقا على هذا الفضول المكشوف، قالت:

" ما اسمك؟"

" بوغريبة"

وتمتم المتصرف:

" حقا انه لذوغرائب"

أدرك بوغريبة مغزى مقولة المتصرف التي اختار القايد اهمالها عن قصد أثناء الترجمة، واستطرد المتصرف:

" ولو على هذه الصورة المبسطة وهذا الهندام الموغل في البداوة "

وقال بوغريبة وكأنه يمعن في طمأنة المتصرف:

" مرحبا بكم "

" الكرم هنا أفضل أليس كذلك؟"

وتنهد بوغريبة:

" لكل أرض خصائصها"

وقالت زوجته والاستغراب يعتصر أنفاسها:

" بصراحة لقد راقني منظر الفروسية"

وتدخل بوغريبة مبعدا ترجمة القايد هذه المرة:

" ورقصتنا ألم ترقك سيدتي؟"

وشرقت بضحكتها:

" أه نعم بلى بلى "

معلومات الدوار ولأمر أراده هو، لا تتجاوز كون بوغريبة طرد من فرنسا لسبب علاقة غير شرعية مع امرأة يقال لها سوزان، حادث غريب في حياة المغتربين ربما لهذا سمي بوغريبة.

كان الموقف داخل خيمة الضيافة قد عرف من التعقيد ما يجهله بوغريبة بالمرة؛ فالشيخ بوخلوة لايزال قائما بالقرب من السجاف يعقد حاجبيه الكثين في غرابة واضحة، وقد صرفته فاجعة المشهد عن التزاماته كشيخ دوار مضيف.

وارتأى الشيخ معلى في الأمر ما يدعوه للانصراف دون تحديد وجهة معينة، بينما اكتفى الشيخ مبارك بابتلاع حيرته في صمت قاتل.

الراعي بوغريبة يحادث المستاتور كما لوكانا صديقين؟!!

أحقا يصل دهرنا من الاتضاع حدا كهذا؟! تساءل الشيخ بوخلوة في مرارة وحنق.

لم يفقد المشهد طابعه الجنائزي في نفس شيخ الدوار الذي يبدو أشد حساسية من زملائه كلهم، فهم يرون فيه عرفا مقلوبا وقواعد آلت قداستها الى التمييع، بينما يستشف فيه هو حلمه المصيري وقد ركبه اهتزاز فجائي عنيف.

منصب القائم بمهمة الكوراط؛ حلم أربعين سنة يتبخر يتدنى، ينهار ليصير بيد راع كل فضائله انه أحسن التسكع بأزقة باريس ذات مرة! ولكن

يبدو أن الخبيث قد أدرك بوابة الدهليز، فلئن كانت معرفة عابرة بالمتصرف المدني خليقة أن تبلغه غاياته، فما بالك بمعرفة من الخصوبة بحيث يطيل معه الحديث الى مدة كهذه، بل لم يبق الا أن يتخذ له بجانبه مكانا للجلوس، هل قدر للمتصرف أن يهتم فقط ببوغريبة؟

وفي غمرة هواجسه الثائرة في تضارب مكشوف كشائعات في آوان حرب نسي الشيخ بوخلوة أن يجيب عن تساؤلات القائمين على الشواء منساقا وراء القول تحت وطأة ما يمخر عباب أفكاره:

" دونكم بوغريبة فاستفتوه"

وكاد أن يطلب الى بوسنة أن يوقف نقيق زرناه بعد أن فقد الحفل أبعاده، إنه يود للدوار أن ينخرط في بكاء جماعي ترحما على مجده المنهار.

الخبر اللغز تطاير عبر الخيم لا تحده الآكام الصخرية أو كثبان الرمال العديمة الطلح؛ من بين ما أشيع أن زوج بوغريبة

الفرنسية قد لحقت به تنشد الوفاق، وأن جولة أولى من التراضي توشك على الانقضاء.

واحتجت زهرة لرأيها ان زوج بوغريبة، لم تكن سوى ابنة المستاتور، ومعنى هذا أن نفوذ بوغريبة سيعم الدوار وما حوله.

وتساءلت حليمة واجمة في دهشة:

" زوجته الرومية؟ هراء، إنها خليلته فقط "

وقاطعتها الخالة الزانة أم زينب:

" وما الفرق في بلاد النصارى يا غبية؟!"

" سيصير قايدا إذن أو كوراطا على أقل تقدير؟!!"

قالت رقية زوج الشيخ معلى في ذهول.

وضحكت زينب وهي تسر الى حليمة:

" أراك شاردة! نحو من هذه المرة يا ترى؟"

وقالت حليمة مداعبة:

" اخرسي يا وقحة"

برنامج الإطعام اعتراه اختلال واضح، والأهازيج أخذت تنخفض حدتها، والشيخ بوخلوة يريد من خلال هذا أن يوحي الى الضيوف الأفاضل ان شيئا ما قد حدث.

الانقطاعات الطارئة على الحفل، دفعت بالقايد الى مغادرة مجلسه صوب الخارج معتلكا غيظه، وفور أن انفصل عن الخيمة اتضح انه يعتزم عقد مجلس خاص لساسة الدوار، ينهي الى علمهم سوء عاقبة الصنيع.

.../...


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...