وديع العبيدي - سميثا.. قصة قصيرة

رأيتها، وهي تعبر الممرّ عبر الواجهة الزجاجية إلى غرفة الاستعلامات، ومنها إلى حجرة منزوية.. توقفت قليلاً في حجرة الاستعلامات وقلبت بعض الأوراق.. ثم رفعت رأسها فالتقت نظراتنا قبل أن تستكمل طريقها وتغادر الحجرة.. فرحت وأنا أتأكد من وجودها، بعد أن لمحت فتاة ثانية ذات ملامح هندية تنادي على الأسماء وتأخذهم إلى حجرة رقم -2-. ذلك أمر مطمئن بحدّ ذاته، ولكنني كنت أخشى أن أدعى إلى حجرتها. كانت أقصر من سميثا، وأقلّ بدانة. وجهها ريفي جداً ولا يحمل أية تعابير . لها جديلة طويلة تتدلى وسط ظهرها هي كل ذخيرتها الأنثوية. نادت على ثلاثة أسماء، وفي كل مرة كانت تفتح باب الممرّ، تنادي بخجل، تحييهم ثم تسير أمامهم إلى الحجرة الثانية وتغلق الباب. هذه هي المرة الأولى التي أراها. عندما جئت لتسجيل الموعد على يوم الجمعة.. تردّدت الكاتبة وهي تنظر في شاشة الكمبيوتر وقالت: الجمعة لن تكون موجودة.. الأربعاء والخميس. فقلت لها : الخميس!.. ولو أنها لم تكن موجودة ما سجّلت لي الموعد. ومن غير المعقول أن تعطيني موعداً وترسلني إلى شخص آخر. طبعاً ممكن، عندما تحكم الظروف، ولكنه غير جيد من الناحية الأدبية. ثم ماذا تعني الظروف؟.. هل نحن في مالطا، مثلاً.. أم نحن في القرن التاسع عشر. حكومة لا تتدبر أمر موعد طبي بسيط، ما هو امتيازها للبقاء!.. عبرت حجرة الاستعلامات وهي تلقي عليّ نظرة أطول هذه المرة وتعود إلى حجرتها التي تحمل الرقم -3-. كنت منشغلاً بقراءة مانشيت طويل باللون الأحمر انبعجت بعض كلماته وانعكس غيرها عكس مصدر الضوء فأجتهدت في قراءته. الموضوع يخصّني ولا بدّ أن أفهمه جيداً. انفتحت السماعة وذكر إسمي إلى الحجرة رقم -3-. قمت بفرح وابتهاج نسيت في خضمهما الآلام التي حملتني للمجئ لهذا المكان. دفعت باب الممرّ كأنه باب بيتي واتجهت على الفور إلى الحجرة الثالثة التي أحفظها عن ظهر قلب.. كان الإطار الخشبي للباب يحتضن عازلاً زجاجياً مزخرفاً، بدت من خلاله جالسة على الكرسي ووجهها للباب.. طرقت طرقتين مثل خفقتي جناحي طائر فرح.. جاء صوتها بهدوء.. أدرت أكرة الباب ودخلت.. وجدتها واقفة فألقيت عليها تحية الصباح وعلى وجهي ابتسامة لم أستطع مداراتها.. كانت ساهمة وحركتها ثقيلة.. عادت نحو كرسيها بينما تقدمت لأجلس قبالتها.. وجهها راكد مثل بحيرة هجرتها العصافير.. وبشاشتي لا تزال تبحث عن أفق تتوحد به وتتواصل.. لم تنظر في الكمبيوتر ولم تفتح الصفحة الخاصة بي.. ربما كانت فعلت ذلك قبل وصولي.. لم أنتبه لذلك ولا يهمني منه شيء .. يهمني غلالة الحزن التي حاصرت ملامحها الوادعة.. لقد كنت في المستشفى.. ماذا حصل.. وحرّكت يدها اليمنى على جانب جسدها الأيمن من القدمين نحو الأعلى.. أين تشعر بالألم.. أشرت إلى رأسي.. ثم قرّبت مجلسي أمامها مشيراً بإصبعي إلى مكان العملية.. وضعت يدها في ذلك المكان وراحت أناملها تجوس خلال الشعر.. أنها توجعني.. قلت لها وأنا أمدّ يدي ثانية وأقود أصبعها إلى مكان الجرح.. هناك خيوط.. أجل.. أجل.. وجدتها.. تعال إلى السرير.. دفعت كرسيي للخلف قليلاً ثم وقفت وقد تسللت روحي غلالة حزنها.. وبدلاً من المضي وجدتني واقفاً أنظر إليها.. قامت هي الأخرى واتجهت إلى تلك الزاوية.. اخلع حذاءك.. راحت ترتدي قفازات بلاستيكية ولم أنظر إليها بعد ذلك.. وضعت إستي على طرف السرير وأنا أنظر نحو الأمام في انتظار الإشارة التالية.. اقتربت مني.. شعرت باقترابها دون أن أنظر.. الأفضل أن تستلقي على السرير.. نظرت إليها نظرة تلقائية وأنا أطوي ساقيّ وأرفعهما على السرير.. تمددت على الظهر.. على البطن قالت.. في المرة السابقة عندما طلبت ذلك.. ضغطت في شفتي على ابتسامة خجلى وطويت إحدى ساقيّ عند الركبة.. ولكنها كانت تقف قرب قدمي وقالت مباشرة.. أبسطها بجانب الثانية.. فأفلتت ابتسامتي .. ومددت ساقي كاملة .. ثم لففت قدمي اليمني على اليسرى.. فأمسكت بهما بيديها ووضعتهما الواحدة جنب الأخرى.. وظلت تمسك بهما متلاصقتين خشية أن أعيد الكرة.. وتصاعد نسغ سريري خلل الساقين نحو الأعلى.. فلم أتمالك نفسي من ضحك صامت.. في المرة السابقة طلبت مني أن أخلع جواربي.. وقد أسعدني ذلك، فقد كان في اتجاه الأصبع الكبير ثقب في كل منهما.. كيف كان سيكون حالي لو كانت تقف عند قدميّ وتمسك كلا منهما بإحدى يديها.. وذلك الإصبع يمدّ رأسه المدور مثل فأر.. وحتى أمنع نفسي من الضحك أو الابتسام أو أية حركة غير متوقعة.. طويت مرفقي حول جبيني وتشاغلت بمراقبة الإضاءة في سقف الحجرة.. انقلبت على بطني ماداً ساقيّ على استقامتهما.. ملصقاً ذراعي اليمنى بجانبي.. فيما وضعت اليسرى أمام وجهي على حافة السرير حيث وقفت تنبش في رأسي بأصابعها.. كانت تلتصق بحافة السرير مقتربة ببطنها من وجهي الملتفت نحوها.. فتحت عيني على اتساعهما في ذلك المدى المنفتح مثل فراديس متلاصقة يكمل أحدهما الآخر.. كنت مسترخياً مثل طفل على فخذ أمه.. وجهي نائم باطمئنان لولا أن عينيّ كانتا مفتوحتين.. وقد تعمدت تركهما كذلك لأنني أردت أن أراها.. وأن ترى أنني أريد أن أراها.. سميثا.. التي قرأت عينيّ جيداً وفكت ألغاز سطورهما.. وهي تقرب كرسييها مني في كل لحظة.. وتجعل وجهها قرب وجهي وتقول.. أنت تتحدث بصوت خافت .. وتتحرك بهدوء مبالغ فيه .. قل لي ماذا أستطيع أن أقدم لك.. ماذا تطلب مني أن أقدم لك.. فأبتسم بخجل وعرفان مثل طفل أمام معلمته.. وتضع كفها على ركبتي مرتين وهي تشجعني وتقول أنني أتقدم في العلاج.. لماذا ظلت تكرر ذلك حتى انكسر إناء الخزف الذي في داخلي وامتنعت عن الكلام.. وشيئاً فشيئاً اختلط عليّ النظر وتجمعت دمعة كبيرة في عيني.. بقيت تتكلم وأنا أنظر إليها بوجوم وحزن.. وقد ضغطت على شفتي حتى لا تسقط الدموع.. متناسياً أنها تنظر اللحظة في عيني وتقرأ انكسار الحروف والكلمات وعلامات الاستفهام فيهما.. بقيت تتكلم وتجيب على نفسها وتعدد الاحتمالات دون انتظار إجابة مني.. ثم استدارت نحو شاشة الكمبيوتر وراحت تكتب شيئاً.. وعندما رفعت أصابعي ومسحت جفوني.. متلفتاً نحو المنضدة.. امتدت يدها القريبة وقرّبت علبة المناشف الورقية بحميمية، دون أن تنظر تجاهي.. سحبت ورقتين مرة واحدة ومسحت بها وجهي وأصابعي.. قامت من مكانها وقالت.. سأطبع لك نسخة من التقرير.. وخرجت تاركة إياي لوحدي أتأمل أرجاء المكان.. وفي نفسي شعور وإكبار يتزايد نحو سميثا.. فرح طفولي للالتقاء بمثلها.. كم سميثا يلزم العالم ليصبح جديراً بالحياة.. يا نعوم تشومسكي وفوكوياما.. الانسان جبل.. لكننا لا نراه إلا عندما يتهاوى على بعضه.. جبل.. بكل ما للجبل من معاني ودلالات وجمال وأبهة.. فأي معنى كان سيكون للأرض بلا جبل.. ذلك الذي يمنح الوادي معناه والنهر مجراه.. بالكاد يراه أحد أو يفكر به.. لكننا ننوح ونرثي لبشاعة العالم.. العالم الذي لم نفعل شيئاً للإنتصار لجماله.. كم من البشر لديهم القوة للمحافظة على جمالهم وأبهتهم السامية.. هؤلاء الذين يقطرون الأمل على جوع القلب وتصحّر الروح وانكسار العين.. في تموز 1969 كتبت كوليت خوري " أمشي إلى الحلبة ليحضنني بين ذراعيه، ويضمّني إلى صدره، ويجري يديه على جسدي، ويقرّب وجهه من عنقي، وينفخ في شعري أنفاسه الدافئة../جئت لألفظ المرحلة خارج عيني فأنام. جئت لأشعر بأنني كالآخرين وأني في الثلاثين وأني ما زلت أحيا."/ ص 66/ 47 على التوالي (المرحلة الصعبة). تمنيت أن تبقى بجانبي في تلك اللحظة.. وأبقى مستلقياً بين يديها وتحت عنايتها.. لعلّي أتحرر من طوق العزلة وأنياب الوحشة هذه دقائق قليلة.. لو أن أصابعها تتمادى فتنزلق إلى العنق والكتفين.. أنظر إلى أصابع كفي اليسرى المضمومة كطفل مولود لتوّه.. أخشى أن تتحرك ذراعي فتحتكّ ببطنها.. ماذا تقول يا ترى في نفسها.. لا شكّ أنها أفضل مني بكثير.. ربما تنظر لي بعطف.. أو تخطط لمغامرة بريئة.. أو تنتظر مني مبادرة .. وإلاّ.. لماذا طلبت مني أن أنام.. أو الاستلقاء على البطن.. كان يمكن أن أستلقي على الجنب.. هكذا تسيطر علي غريمها أفضل.. ماذا لو تحركت أصابع كفي اليسرى وهي تمسك المقصّ في لحمة رأسي.. وبدلاً من معالجة الجرح.. تفتح جرحاً جديداً.. في هذه الوضعية.. يكون الذي في الأعلى مسيطراً.. وهي الآن في الأعلى.. بيدها كل شيء.. وأنا أفتقد كل شيء.. أليست هي التي قالت.. كيف أستطيع مساعدتك.. ماذا تريد أن أفعل لك.. لماذا ظلت تكرر ذلك حتى انكسر إناء الخزف الذي في داخلي.. فلم أتمالك نفسي من حنوها .. وكرمها فبكيت.!.

•كوليت خوري – المرحلة الصعبة – قصص طويلة- منشورات الفارسة – دمشق - ط2/ 2002 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...