وليد الزوكاني - فيلسوف.. قصة قصيرة

انظروا إليه، يتحدث كممسوس، يختبئ خلف نظارته الطبية كوطواط، ما الذي سيحدثكم عنه؟

امرأته تجلس في صحن مكسور، وأطفاله الأربعة، يسكنون في ثلاجة يسميها غرفة، ولديه سقيفة مليئة بالكتب والمجلات العتيقة، والفئران.

فئرانه قرضت كل المجلات التي لم يستطع قراءتها في حياته، حتى كتبه الفلسفية الضخمة لم تسلم، مما أكسبها مناعة ضد السموم، ولم تعد تقع في المصائد التي تشتريها زوجته، ربما لأنها قرضت سلسلة الكتب، المسماة (تجارب الشعوب)، التي كان يتباهى باقتنائها.

أمضى نصف عمره يفر من التجنيد، ومن فضول العسكر، وفي النصف الثاني سكن حفرة آخر الدنيا، وراح ينقب عن كلمات لا تشبه أحد.

مولع بكل جديد وغريب، يدافع عن كل ما يستعصي على الفهم، ما الذي سيفعله بعد أن تورط إلى هذا الحد.

لشدة نزواته الإبداعية، لم يعد يفهم نفسه أبداً، تحول إلى طلسم يمشي على قائمتين، حتى امرأته لم تعد تفهم، لماذا لا يريد أن يدفع إيجار الثلاجة ـ أقصد البيت؟ وهو يشكو بالطبع، من أنها لا تفهم حاجاته الفلسفية، تفهم فقط في الباذنجان الذي لا يحبه، حين يحدثها عن ابن خلدون، تظن أنه بقال في الحارة المجاورة.

- ابن خلدون عالم كبير ومؤلف كتب مشهور، ويعتبر أول ……

- أعرفكَ.. كلما تعرفت إلى أحد جعلت منه مثقفاً ومشهوراً، أبو فواز بائع الخضار الذي يصطادك بلسانه ليبيعك نفاياته تعتبره فيلسوفاً، من يشتري بصلاً تعفّن ونبتت أوراقه في دكان أبو فواز هذا.. من؟؟

جرب السياسة، وتحدث كثيراً مع المهتمين أمثاله، تحدث حتى جف لسانه، صادق الجميع وانتظر حتى اهترأت ثيابه، لكن الثورة لم تأت، لم تأت الثورة، الثورة خذلته!، فراح ينظف جيوبه من العناكب، وحلقه من الحيوانات المفترسة.

لو جرت الأيام كما تمنى لها أن تجري، لصار على الأغلب وزير دفاع، أو تاجر أسلحة، أو تاجر ملابس داخلية مثلاً …لصار منظراً أو فيلسوفاً …لصار مقهى أو منتزه !!..

بعد أن راقب الصراصير واكتشف ذكائها، فكر أن يربي شاربيه، وحين رأى صورة لسلفادور دالي، اقتنع أن التفكير في الشوارب من سمات الإبداع، فمن غير المعقول أن تكون كل صراصير الدنيا، وسلفادور دالي على خطأ، وهو على صواب!.

دائماً جاهز للدفاع عن نفسه بمنطق شرس. لقد كان واحداً من أولئك الذين يخون المنطق نفسه لأجلهم، ويتحول بين يديهم إلى ما يشبه الرغوة.

قرأ كانْت، وهيغل، فرويد، لوكاتش،…حتى عمر الخيام لم يسلم منه، وتمترس على رف المكتبة –أقصد السقيفة كمصاص دماء.

من آرائه التي يكررها أمام كل زائر جديد، أن الفن تخلص أخيراً من المضامين غير الفنية، ومن المفاهيم الدخيلة عليه التي أعاقت تطوره طيلة التاريخ البشري:

الحرب –السلام –الجوع –الخبز –المرأة –المستقبل –الماضي –التراث –الحاضر –العالم –نزع السلاح –موت الذئب الأبيض …الخ.

يتنفس الصعداء، وكأنه تخلص من أمعائه، وصارت جمجمته نظيفة تماماً بعد أن تخلص الفن من كل شيء، وصار قنينة فارغةً، إذا نظرت إليها من كل الجهات، لا ترى سوى فلينة، فلينة يمكن أن تسد بها أي شيء.

كان يحلم في صغره أن يصبح قبطاناً، يجوب بحار الدنيا، ومع أنه لا يجيد السباحة ويخاف البلل، إلا أن الأمنية مازالت بين وقت وآخر، تطل عليه في مناماته.

مرة تحدث عن أحلامه البائدة، وكيف حاول أن يصبح طياراً، وكيف كان يغمض عينيه ليرى نفسه ريشة في مهب الفضاء الأزرق، اغرورقت عيناه بالدهشة واليأس.. ضحك أحدهم واقترح عليه أن يشتغل لقلقاً، فغادر ولم يعد.!!
التفاعلات: حنان عبد القادر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...