يحيى حقي - قنديل أم هاشم.. النص الكامل للرواية

1
كان جدي الشيخ رجب عبد الله إذا قدم القاهرة وهو صبي مع رجال الأسرة ونسائها للتبرك بزيارة أهل البيت, دفعه أبوه إذا أشرفوا على مدخل مسجد السيدة زينب - وغريزة التقليد تغني عن الدفع - فيهوي معهم على عتبته الرخامية يرشقها بقبلاته, وأقدام الداخلين والخارجين تكاد تصدم رأسه. وإذا شاهد فعلتهم أحد رجال الدين المتعالمين أشاح بوجهه ناقمًا على الزمن, مستعيذًا بالله من البدع والشرك والجهالة, أما أغلبية الشعب فتبسم لسذاجة هؤلاء القرويين - ورائحة اللبن والطين والحلبة تفوح من ثيابهم - وتفهم ما في قلوبهم من حرارة الشوق والتبجيل, لا يجدون وسيلة للتعبير عن عواطفهم إلاّ ما يفعلونه: والأعمال بالنيات. هاجر جدّي - وهو شاب - إلى القاهرة سعيًا للرزق; فلا عجب أن اختار لإقامته أقرب المساكن لجامعه المحبب. وهكذا استقر بمنزل للأوقاف قديم, يواجه ميضأة المسجد الخلفية, في الحارة التي كانت تسمى "حارة الميضة". [كانت] لأن معول مصلحة التنظيم الهدام أتى عليها فيما أتى عليه من معالم القاهرة. طاش المعول وسلمت للميدان روحه, إنما يوفق في المحو والإفناء حين تكون ضحاياه من حجارة وطوب! ثم فتح جدّي متجرًا للغلال في الميدان أيضًا. وهكذا عاشت الأسرة في ركاب "الستّ" وفي حماها: أعياد "الستّ" أعيادنا, ومواسمها مواسمنا, ومؤذن المسجد ساعتنا.
اتسع المتجر وبورك لجدّي فيه - وهذا من كرامات أم هاشم - فما كاد يرى ابنه الأكبر يتم دراسته في الكتّاب حتى جذبه إلى تجارته ليستعين به. وأما ابنه الثاني فقد دخل الأزهر, واضطرب فيه سنوات وأخفق, ثم عاد لبلدتنا ليكون فقيهها ومأذونها. بقي الابن الأصغر - عمي إسماعيل آخر العنقود- يهيئه القدر واتساع رزق أبيه لمستقبل أبهى وأعطر. لعله خشي في مبدإ الأمر, عندما أجبره أبوه على حفظ القرآن أن يدفع به إلى الأزهر, لأنه يرى صبية الميدان تلاحق الفتية المعممين بهذا الهتاف البذيء:
- شدّ العمة شدّ, تحت العمة قرد.....
ولكن الشيخ رجب سلمه, بقلب مفعم بالآمال, إلى المدارس الأميرية, وعندئذ أعانته تربيته الدينية وأصله القروي, فسرعان ما امتاز بالأدب والاتزان وتوقير معلميه, مع حشمة وكبير صبر. إن حُرِم التأنق لم تفته النظافة. وهو فوق ذلك أكثر رجولة, وأقوم لسانًا, وأفصح نطقًا من زملائه "المدلعين" أولاد الأفندية المبتلين بالعجمة وعجز البيان, فما لبث أن بذّ الأقران وتلألأت على سيمائه نجابة لا تخطئُها العين, فتعلقت به آمال أسرته.
أصبح, وهو لم يزل صبيًّا, لا ينادى إلاّ بـ"سي إسماعيل" أو إسماعيل أفندي, ولا يعامل إلاّ معاملة الرجال. له أطيب ما في الطعام والفاكهة.
إذا جلس للمذاكرة خفت صوت الأب, وهو يتلو أوراده إلى همس يكاد يكون ذوب حنان مرتعش, ومشت الأم على أطراف أصابعها. حتى فاطمة النبوية - بنت عمه, اليتيمة أبًا وأمًّا - تعلمت كيف تكف عن ثرثرتها وتسكن أمامه في جلستها صامتة كأنها أمَة وهو سيدها. تعودت أن تسهر معه كأن الدرس درسها, تتطلع إليه بعينيها المريضتين المحمرتي الأجفان, وأصابعها تعمل في حركة متصلة لا تنقطع في بعض أشغال "التريكو". من ذا الذي يقول لإسماعيل: تنبه إلى هاتين اليدين كيف دبت فيهما خلسة حياة غريبة وحساسية يقظة, ولمس متعرّف? ألا تفهم ألا تفطن إلى أن دليل اقتراب عاهة العمى في السليم هو أن تبدأ يده في الإبصار?
- قومي نامي يا فاطمة.
- لسه بدري ما جاليش نوم.
بين حين وآخر تحيل دمعة مترقرقة شخصه إلى شبح مبهم فتمسحها بطرف كمها وتعود إلى تطلعها. الحكمة عندها تتمثل في كلامه إذا نطق.
يالله! كيف تحوي الكتب كل هذه الأسرار والألغاز? وكيف يقوى اللسان على الرطانة بلغة الأعاجم? وكلما كبر في نظرها انكمشت أمامه وتضاءلت. قد يعلق بصره بضفيرتيها فيتريث ويبتسم. هؤلاء الفتيات! لو يعلمن كم هي فارغة رؤوسهن!
إذا أوى إلى فراشه فعندئذ, وعندئذ فحسب, تشعر الأسرة أن يومها قد انقضى, وتبدأ تفكر فيما يلزمه في الغد. كل حياتها وحركاتها وقف على توفير راحته. جيل يفني نفسه لينشأ فرد واحد من ذريته. محبة وصلت من قوتها إلى عنفوان الغريزة الحيوانية. الدجاجة القلقة ذات النظرة المتجسسة الحذرة ترقد على بيضها مشلولة الحركة ذليلة العين, كأنها راهبة تصلي. هل هي هبات من فيض كرم? أم جزية جبار مستبد, إرادته حديد, له في كل عنق طوق, وفي كل ساق قيد? تعلق هذه الأسرة بولدها تعلق مسلوب الحرية والإرادة! فأين بربك جماله? جواب هذا السؤال عند قلبي. فما من مرة تمثلت فيها هذه الأيام البعيدة إلاّ وجدته يخفق بذكراها, ويبدو لي وجه جدي الشيخ رجب وحواليه هالة من وضاءة ونور. أما جدتي - الست عديلة- بسذاجتها وطيبتها, فمن السخف أن يقال إنها من البشر, وإلاّ فكيف إذن تكون الملائكة?! ما أبشع الدنيا وأبغضها لو خلت من مثل تسليمها وإيمانها!

2
سنة بعد سنة وإسماعيل يفوز بالأولوية, فإذا أعلنت النتيجة دارت أكواب الشربات على الجيران, بل ربما شاركتهم المارة أيضًا, وزغردت "ما شاالله" بائعة الطعمية والبصارة, وفاز الأسطى حسن - الحلاق ودكتور الحي - بحُلوانه المعلوم, وأطلقت الست عديلة بخورها وقامت بوفاء نذرها لأم هاشم. فهذه الأرغفة تُعَدُّ وتملأ بالفول النابت وتخرج بها أم محمد تحملها في مَقْطَف على رأسها: ما تهل في الميدان حتى تختطف الأرغفة, ويختفي المقطف, وتطير ملاءتها, وترجع خجلة تتعثر في أذيالها غاضبة ضاحكة من جشع شحاذي السيدة, وتصير حادثتها فكاهة الأسرة بضعة أيام يتندرون بها.
وكذلك نشأ إسماعيل في حراسة الله ثم أم هاشم. حياته لا تخرج عن الحي والميدان, أقصى نزهته أن يخرج إلى المنيل ليسير بجانب النهر أو يقف على الكوبري. إذا أقبل المساء, وزالت حدة الشمس, وانقلبت الخطوط والانعكاسات إلى انحناءات وأوهام, أفَاقَ الميدان إلى نفسه وتخلص من الزوار والغرباء. إذا أصختَ السمعَ وكنتَ نقي الضمير فطنت إلى تنفس خفي عميق يجوب الميدان لعله سيدي العتريس بواب الست - أليس اسمه من أسماء الخدم? - لعله في مقصورته ينفض يديه وثيابه من عمل النهار, ويجلس يتنفس الصعداء. فلو قُيِّضَ لك أن تسمع هذا الشهيق والزفير فانظُر عندئذ إلى القُبّة. لألاء من نور يطوف بها, يضعف ويقوي كومضات مصباح يلاعبه الهواء. هذا هو قنديل أم هاشم المعلق فوق المقام. هيهات للجدران أن تحجب أضواءه. يمتلئ الميدان من جديد شيئًا فشيئًا. أشباح صفر الوجوه منهوكة القوى, ذابلة الأعين, يلبس كل منهم ما قدر عليه, أو إن شئت: فما وقعت عليه يده من شيء فهو لابسه. نداءات الباعة كلها نغم حزين.
- حراتي يا فول.
- حلّي وع النبي صلّي.
- لوبية يا فجل لوبية.
- المسواك سُنّة عن رسول الله.
ما هذا الظلم الخفي الذي يشكون منه? وما هذا العبء الذي يجثم على الصدور جميعها? ومع ذلك فعلى الوجوه كلها نوع من الرضا والقناعة. ما أسهل ما ينسون! تتناول أيد كثيرة قروشًا وملاليم قليلة. ليس هنا قانون ومعيار وسعر, بل عرف وخاطر وفصالٍ وزيادة في الكيل أو طبّة في الميزان. وقد يكون الكيل مدلسًا والميزان مغشوشًا, كله بالبركة. صفوف تستند إلى جدار الجامع جالسة على الأرض, وبعضهم يتوسد الرصيف. خليط من رجال ونساء وأطفال, لا تدري من أين جاءوا ولا كيف سيختفون, ثمار سقطت من شجرة الحياة فتعفنت في كنفها. هنا مدرسة الشحاذين. حامل كيس اللقم يثقل الحمل ظهره ينادي:
- لقمة واحدة لله يا فاعلين الثواب, "جاعان".
والشابة التي تنبت فجأة وسط الحارة عارية أو شبه عارية:
- ياللي تكسي الولية يا مسلم, ربنا ما يفضح لك ولية!
صوتها الصارخ يجذب الوجوه للنوافذ, وعيناها الساحرتان تستهويان المطلات, فتمطر عليها أكوام من الخرق ورث الثياب. في لحظة واحدة تذوب وتختفي, فلا تدري أطارت, أم ابتلعتها الأرض فغارت.
وهذا بائع الدقة الأعمى الذي لا يبيعك إلاّ إذا بدأته السلام وأقرأك وراءه الصيغة الشرعية للبيع والشراء.
ينقضي النهار فيودّع "كرش" الطرشجي بقية براميله, وتترك أقدام الخراط عملها اليومي وأدواتها, لتعود بصاحبها إلى الدار. لا يزال الترام هنا وحشًا مفترسًا له في كل يوم ضحية غريرة. يتقدم المساء ينعشه نسيم ذو دلال. تسمع من القهاوي ضحكات غضة وأخرى غليظة "حشّاشي". وإذا دلفت من الميدان إلى مدخل شارع مراسينا سمعت ضجيج السكارى في خمارة أنسطاسي التي يلقبها أهل الحي بفكاهتهم خمارة "آنسْت". يخرج منها سكير هائج يتطوح ويتعرض للمارة:
- ورّوني أجعص فتوة .
- جتك لهوة يا بعيد.
- سيبوه في حاله دا غلبان.
- ربنا يتوب عليه.
أشباح الميدان الحزينة المتعبة يحركها الآن نوع من البهجة والمرح, ليس في الدنيا همّ. والمستقبل بيد الله, تتقارب الوجوه بود, وينسى الوجيع شكايته. ويبذر الرجل آخر نقوده في الجوزة أو الكتشينة وليكن ما يكون: تقل أصوات اصطدام كِفَف الموازين, وتختفي عربات اليد, وتطفأ الشموع داخل المشنّات, عندئذ تنتهي جولة إسماعيل في الميدان. هو خبير بكل ركن وشبر وحَجر, لا يفاجئه نداء بائع, ولا ينبهم عليه مكانه. تلفه الجموع فيلتف معها كقطرة المطر يلقمها المحيط. صور متكررة متشابهة اعتادها, فلا تجد في روحه أقل مجاوبة, لا يتطلع ولا يمل. لا يعرف الرضا ولا الغضب. إنه ليس منفصلاً عن الجمع حتى تتبينه عينه. من يقول له إن كل ما يسمعه ولا يفطن له من الأصوات, وكل ما تقع عليه عينه ولا يراه من الأشباح, لها كلها مقدرة عجيبة على التسلل إلى القلب, والنفوذ إليه خفية, والاستقرار فيه, والرسوب في أعماقه, فتصبح في كل يوم قوامه. أما الآن فلا تمتاز نظرته بأي حياة. نظرة سليمة, كل عملها أن تبصر.

(3)
اقتربت المراهقة وأخذ جسده يفور, وكأنه مرغم, فهو فريسة ممزقة بين قوي دافعة وأخرى جاذبة. يهرب من الناس ويكاد يجن لوحدته. بدأ يشعر بلذة غريبة في أن يندس بين المترددات على المسجد, ولا سيما يوم الزيارة. في هذا الزحام كان معنى اللباس عنده أنه فواصل بين الأجسام العارية, يحس بها من صدمة هينة أو احتكاك وامض. في وسط هذه الأجسام كان يشعر بلذة المستحم في تيارٍ جار لا يبالى نقاء الماء. روائح العرق والعطر لا تكربه, بل يتشممها بخيشوم الكلاب. لا يخلو يوم الزيارة من بعض المومسات - فسيدي العتريس مأمور أن لا يصدّ أحدًا عن الساحة - يفدن لتقديم شمعة للمقام أو للوفاء بنذر, عسى الله أن يتوب عليهن, ويمحو ما على الجبين من مقدر مسطور. كان يراهن من قبل فلا يفطن إليهن, أما الآن فهو يتبعهن وتعلق نظرته بهن وتتريث. واختص بانتباهه فتاة تأتي كل يوم زيارة. سمراء جعدة الشعر, رقيقة الشفتين. هذه هي نعيمة. تمتاز عن زميلاتها بصمتها وقوامها الأهيف. الكلُّ يمشي مشية المتخاذل المنحل غير مكترث. أما هي, فكأنما تسير إلى غرض, مالكة كيانها وروحها. ذراعاها ممدودتان إلى جانبها, يواجهك باطن كوعها ولو دققت النظر لما وجدت من مومس إلاّ ذراعين مكسورتين من أثر السقوط, وإن كانت الثنية عندها سر الخلاعة!
يبتسم إسماعيل عندما يرى الشيخ درديري - خادم المقام - وسطهن كالديك بين الدجاج. يعرفهن واحدة واحدة ويسأل عن الغائبات, يأخذ من هذه شمعتها, ويوسع لأخرى طريق صندوق النذور. يتبدل رضاه فجأة, فيزجرهن ويدفعهن دفعًا إلى الخارج. تأتي إليه أيضًا نسوة ورجال يسألونه شيئًا من زيت قنديل أم هاشم, لعلاج عيونهم أو عيون أعزائهم. يشفى بالزيت المبارك من كانت بصيرته وضاءة بالإيمان. فلا بصر مع فقد البصيرة. ومن لم يشْف فليس لهوان الزيت, بل لأن أم هاشم لم يسعها بعد أن تشمله برضاها. لعله عقاب آثامه, ولعله هو لم يتطهر بعد من الرجس والنجاسة, فيصبر وينتظر ويتردد على المقام. فإن كان الصبر أساس مجاهدة الدنيا, فإنه أيضًا الوسيلة الوحيدة للآخرة.
في هذا الزيت مورد رزق متسع للشيخ درديري, ومع ذلك لا تظهر عليه آثار النعمة; فجلبابه القذر هو هو, وعمامته الغبراء هي هي. وماذا يفعل بنقوده?! هل يكنزها تحت بلاطة? يتهمه زملاؤه أنه يحرقها في الحشيش, بدليل سعاله الذي لا ينقطع وبدليل ما في طبعه من ميل "للقفش" والتنكيت. والحقيقة أنه مزواج لا يمر العام إلاّ ويبني ببكر جديدة. عرفه إسماعيل من تردده على المقام, واعتاد أن يمر عليه في أغلب الليالي بعد صلاة العشاء ليتندر بحديثه. ومال الرجل للفتى واختصه بحنانه, هذا الحنان هو الذي حمله ذات ليلة على الإفضاء إليه بسر لم يفض به إلى أحد غيره:
- تعرف يا سي إسماعيل ليلة الحضرة يجيء سيدنا الحسين, والإمام الشافعي, والإمام الليث. يحفون بالسيدة فاطمة النبوية والسيدة عائشة والسيدة سكينة. وفي كوكبة من الخيل, ترفرف عليهم أعلام خضر, ويفوح من أردانهم المسك والورد, يأخذون أمكنتهم عن يمين الست وعن يسارها. وتنعقد محكمتهم وينظرون في ظلامات الناس. لو شاءوا لرفعوا المظالم جميعها ولكن الأوان لم يَئِنْ بعد. فما من مظلوم إلاّ وهو ظالم أيضًا, فكيف الاقتصاص له? في تلك الليلة, هذا القنديل الصغير الذي تراه فوق المقام, لا يكاد يشع له ضوء, ينبعث منه عندئذ لألاء يخطف الأبصار. إني ساعتها لا أطيق أن أرفع عيني إليه. زيته في تلك الليلة فيه سر الشفاء - فمن أجل ذلك لا أعطيه إلاّ لمن أعلم أنه يستحقه من المنكسرين.
كان إسماعيل غائب الذهن, يفكر في الفتاة السمراء التي تزم شفتيها. وانتبه إلى الشيخ درديري وهو يشير بإصبعه إلى القنديل: وسنان كالعين المطمئنة رأت, وأدركت, واستقرت. يضفو ضوءُه الخافت على المقام, كإشعاع وجه وسيم من أم تلقم رضيعها ثديها فينام في أحضانها. ومضات الذبالة خفقات قلبها حنانًا, أو وقفات تسبيحها همسًا. يطفو فوق المقام كالحارس مبتعدًا تبجيلاً. أما السلسلة فوهم وتعلة. كل نور يفيد اصطدامًا بين ظلام يجثم وضوء يدافع, إلاّ هذا القنديل. فإنه يضيء بغير صراع! لا شرق هنا ولا غرب. ما النهار هنا ولا الليل, لا أمس ولا غد.
وانتفض إسماعيل, لا يدري ما هذا الذي مس قلبه!

(4)
ووافقت المراهقة سنة البكالوريا . وخرج إسماعيل من الامتحان وقلبه واجف مفعم بالشكوك. وأعلنت النتيجة فإذا به يفوز ولكن في ذيل الناجحين.
لقد كان أمله ورجاء الأسرة كلها أن يدخل مدرسة الطب, فإذا بها تصده عن أبوابها. واقترب العام الجديد ولم يستقر على قرار. ليس أمامه إلاّ أن يدخل مدرسة المعلمين إن شاء, أو أن يدرس للبكالوريا من جديد, ويضيع سنة من عمره, وكلا الأمرين بغيض إلى نفسه. لم يكن الشيخ رجب بأقل من ابنه قلقًا وحيرة, ولكم توقع بعض معارفه أن يكتفي بتعليم ابنه إلى الحد الذي بلغه ويوظفه بالبكالوريا, إن لم يكن للمساعدة, فللتخفيف عنه. آه لو علموا كيف عقد الشيخ رجب نيته على أن يدفع بابنه إلى الصفوف الأولى!! يذهب هنا وهناك يسأل عن حل. لا أدري من الذي قال له:
- لماذا لا ترسل ابنك إلى أوربا?
بات الشيخ رجب ليلته يتقلب على جنبيه.
علم أن هذا الحل سيكلفه من عشرة إلى خمسة عشر جنيهًا في الشهر, غير ما يلزم لابنه في أول الأمر من نفقات الطريق وثياب تقيه برد الشمال? أيفارق ابنه? وهل ترضى أمه? أم سيقف حنانها في سبيل مستقبل إسماعيل? وهل يقوي على دفع هذا المبلغ بانتظام كل شهر? إنه لو فعل لما بقي للأسرة كلها إلاّ ما تعيش به على الكفاف والشظف. وإلى متى? ست سنوات أو سبعًا, والزمان قاس يدور دورة عكس. كما سمع أذان العشاء سمع أذان الفجر, ثم أخذته غفوة هتف به خلالها صوت رقيق:
- توكل على الله ...
استيقظ من نومه وقد عقد عزمه. وفهمت الأم أن لا مهرب من الفراق, فرضيت صامتة وإن لم ينقطع بكاؤها. إلى أين? بلاد برة! كلمة لها رنين وسحر, تتسلل كروح مبهمة لا يطمئن لها, إلى المنزل الذي لا تنقطع فيه تلاوة القرآن, وحيث الشرع هو الحق والعلم جميعًا. وثوت هذه الروح في ركن صغير من الدار وغطت رأسها وتمطت. ونامت منتصرة قريرة العين. "بلاد بَرّه!" ينطق بها الأب كأنها إحسان من كافر لا مفر من قبوله لا عن ذلة, بل للتزود بنفس السلاح. أما الأم, فمنذ الآن تركبها رعدة المحيط وتأخذها رجفة البرد. تتصور (بلاد بره) في نهاية سلم عالٍ ينتهي إلى أرض تغطيها الثلوج, ويسكنها أقوام لهم حيل الجن وألاعيبهم. أما فاطمة النبوية فقلبها واجف تسمع أن نساء أوربا يسرن شبه عاريات وكلهن بارعات في الفتنة والإغراء. فإذا سافر إسماعيل, فلا تدري كيف يعود إن عاد!
وجمع الأب كل ما استطاع جمعه من مال, وباعت الأم حليها, واشتريت تذاكر السفر والملابس الثقيلة التي تقي من برد أوربا, واقترب موعد السفر وحل الوداع.
واجتمعت الأسرة صامتة حزينة. قلوب خافقة, وعيون دامعة. وأنشأ الأب يقول لابنه:
- وصيتي إليك أن تعيش في "بلاد برّه" كما عشت هنا, حريصًا على دينك وفرائضه, وإن تساهلت مرة فلن تدري إلى أين يقودك تساهلك, ونحن يا بني نريدك أن ترجع إلينا مفلحًا لتبيض وجوههنا أمام الناس. أنا رجل قد أوشكت على الكبر, وقد وضعت كل آمالنا فيك وإياك أن تغرك نساء أوربا, فهُنَّ لسنَ لكَ وأنتَ لستَ لهنَّ.
ثم صمت الأبُ قليلاً وعاد يقول:
- واعلم أن أمك وأنا قد اتفقنا على أن تنتظرك فاطمة النبوية, فأنت أَحقُّ بها وهي أحق بك. هي بنت عمك وليس لها غيرك. وإن شئت قرأنا الفاتحة معًا يومنا هذا, عسى أن يصحب سفرك البركة واليمن.
لم يسعه إلاّ القبول. فوضع يده في يد أبيه, وقرأ الفاتحة, بينهما أم تبكي, وفتاة حيرى بين الأسى والفرح.
كان إسماعيل يعلم أن هذه الفاتحة ستأتي في يوم, ولكنه لم يتوقعها في تلك الليلة. فلقد نشأ مع فاطمة النبوية أخوين, وقلما نظر إليها كما نظر إلى فتاته السمراء.
قرأ الفاتحة وهو شارد اللب. إرضاء لأبيه, وقلبه يقول له: "احفظ عهدك!" فيجيبه: "لماذا? لماذا?!" كل هذه أشياء غامضة, لأنه حتى اليوم ما يزال طاهرًا عفيفًا, لم يقترب من امرأة. وإنه لكاذب - وإسماعيل لا يكذب - إذا أنكر أنه جوعان إلى فتاته السمراء, إلى النساء جميعًا, ولا سيما أخيرًا: إلى نساء أوربا.

(5)
وخرج إسماعيل يودع بعض أصدقائه, ثم انتهى إلى الميدان وقد اقترب الغروب. تتلقف آذانه ما أمكنها من نداءات الباعة التي ألفها, وخيل إليه أن في الميدان حركة غير التي عهد. كأن القوم أصبحوا أسرع مشية. ما لهم لا يلوون على شيء? أفليست الحياة إلاّ سباقًا? كم ودّ لو وقف واحد من المندفعين وبادله الحديث. لم يلتفت إليه أحد. في الميدان حركة النمل تتعارض وتتحاذي وتضرب في كل اتجاه. قادته قدماه إلى المقام, فوجده ساكنًا على غير عادته. الشيخ درديري واقف مطأطئ الرأس, كأنما هو متعب أو تسلط عليه خوف ورهبة. دار إسماعيل حول المقام, حتى إذا جاء للسور الذي يفصل مكان النساء عن الرجال, انتبه إلى شبح واقف وراءه. هي فتاته السمراء ألصقت جبينها على السور. سمِّر إسماعيل في مكانه وسمعها تقول هامسة:
- يا أم هاشم: يا ستارة على الولايا, لا تغضي عينيك ولا تشيحي بوجهك. تمد إليك يد مسترحمة فخذيها. إن الله طهرك وصانك وأنزلك الروضة. وإن قلبك لرؤوف. إذا لم يقصدك المرضى والمهزومون والمحطمون, فمن غيرك يقصدون? إذا نسينا فاذكري أنت! متى يُمحى المقدر علي? أيرضيك أن جسدي ليس مني, فما أشعر بالألم وهو ينهشه نهشًا, ها هي روحي على عتباتك تتلوى وتتمرغ مصروعة. تريد أن تفيق, منذ غادرني رضا الله وأنا كالنائم يركبه الكابوس, يقبض في يد واحدة على الموت والحياة! رضيت لحكمه وأسلمت نفسي, ولن أضيع وأنت هنا معنا. أفيطول الأمد, أم رحمة الله قريب? نذرت لك يوم يتوب المولى عليّ أن أزين مقامك الطاهر بالشموع. خمسين شمعة, يا أم هاشم يا أخت الحسين!
ووضعت الفتاة شفتيها على سور المقام. ليست هذه القبلة من تجارتها, بل من قلبها. ومن ذا الذي يجزم بأن أم هاشم لم تسع إلى السور وقد هيأت شفتيها من ورائه لتبادلها قبلة بقبلة?
هم إسماعيل أن يخرج من المسجد ليلحقها ويكلمها, فلم تتحرك قدماه. أراد أن يفضي لها بكل ما في نفسه, إن لحظة الانتزاع من الأسرة والوطن, لمواجهة الغربة والوحدة والمجهول تضني أعصابه وتهصر قلبه, لماذا يهتز لمرآها دون سائر النساء? أَواهم هو? إلاّ أن صوتًا خفيًّا يريد أن ينطق في قلبه ويتكلم ويرشده إلى السر, ولكن هناك ألف غطاء وغطاء تكتم هذا الصوت وتخفته, ولعل الفتاة لم تره ولم تشعر به. وهرب إسماعيل من حيرته إلى الشيخ درديري وحديثه الثرثار ينزل بلسمًا على فؤاده. وقفته في صمت أمام المقام وتحت ضوء القنديل, ويده معلقة بالسور تارة, ماسحة على وجهه تارة أخرى, هي آخر ما يذكره عن رحيله من القاهرة. فكل ما حدث له بعد خروجه من المقام شمله من أخمص قدميه إلى رأسه, كالتيار المندفع العنيف, يتأرجح فيه ملقى القياد, مقلوب الوضع, فقد خلاله الزمن ترتيبه, والمرئيات اعتدالها, والأصوات صدقها وفروقها. وداع الأسرة, وما أمره! في الدار وسط النحيب والبكاء, والمحطة, والقطار ثم الميناء وحركته والباخرة المجهولة وصفيرها. إني أتخيله صاعدًا سلم الباخرة شابًّا عليه وقار الشيوخ, بطيء الحركة, غرير النظرة, أكرش, ساذجًا, كل ما فيه ينبئ أنه قروي مستوحش في المدينة. أقسم لي عمي إسماعيل فيما بعد أنه كان يحمل في أمتعته قبقابًا, فقد سمع الشيخ رجب أن الوضوء في أوربا متعذر لاعتياد الناس لبس الأحذية في البيوت. كما وصف لي وهو يبتسم سراويله وطولها وعرضها وتكتها المحلاوي . وكان معه أيضًا سلة ملأى بالكعك و"المنين" من عمل أمه وفاطمة النبوية.
وسافرت الباخرة.

(6)
ومرّت سبع سنوات, وعادت الباخرة.
من هذا الشاب الأنيق السمهري القامة, المرفوع الرأس, المتألق الوجه, الذي يهبط سلم الباخرة قفزًا? هو والله إسماعيل بعينه. أستغفر الله! هو الدكتور إسماعيل, المتخصص في طب العيون, والذي شهدت له جامعات إنجلترا بالتفوق النادر, والبراعة الفذة. كان أستاذه يمزح معه ويقول له:
- أراهن أن روح طبيب كاهن من الفراعنة قد تقمصت فيك يا مستر إسماعيل. إن بلادك في حاجة إليك, فهي بلد العميان.
رأى فيه دراية كأنها ملهمة, وصفاء هو سليل نضج أجيال طويلة, ورشاقة أصابع هي وريثة الأيدي التي نحتت من الحجر الصلد دمًى تكاد تحيا.
أقبل يا إسماعيل, فإنّا إليك مشتاقون. لم نرك منذ سبع سنوات مرت كأنها دهور. كانت رسائلك المتوالية, ثم المتراخية, لا تنفع في إرواء غلتنا. أقبل إلينا قدوم العافية والغيث, وخذ مكانك في الأسرة, فستراها كالآلة وقفت بل صدئت لأن محركها قد انتزع منها. آه! كم بذلت هذه الأسرة لك! فهل تدري?
لم يَنم إسماعيل ليلة الوصول إلاّ غرارًا. قفز إلى ظهر الباخرة مع الفجر يريد ألاّ يفوته أول ما يبدو من شاطئ الإسكندرية لا يرى شيئًا على الأفق, ولكن خياشيمه تتشمم في النسيم رائحة لم يألفها من قبل, أول من لقيه من وطنه, مخلوقٌ الكون كله وطنه, طائر أبيض منفرد يحوم حول السفينة, طليق متعال نظيف, وحيد. لماذا تتعمد البواخر كل هذا التلكؤ عند الوصول, وما كان أسرعها عند الفراق? إنها تتهادى بدلال العودة, فما لها وللركاب وما يشعرون! كتم إسماعيل عن أهله موعد الباخرة حتى لا يكلف أباه الشيخ مشقة السفر للإسكندرية. في عزمه أن يبرق إليهم بموعد وصول قطاره للقاهرة, هذا هو الفنار المتمنطق, وهذا هو الشاطئ الأصفر يكاد يكون في مستوى الماء. أنت يا مصر راحة ممدودة إلى البحر لا تفخر إلاّ بانبساطها. ليس أمامك حواجز من شعاب خائنة, ولا على شاطئك جبال تصد, أنت دار كل ما فيها يوحي بالأمان.. ها هو أول قارب يظهر, فيه شيخ قد وخط الشيب لحيته, مقوس الظهر, أَقْعَى كالقرد في مقدم قاربه يصطاد, جلبابه الأزرق, أو الذي كان أزرق, ممزق مرقع. وقعت نظرة إسماعيل على سيدة مصرية وقفت بجواره, فرآها مطلة على الصياد مغرورقة عيناها بالدموع وسمعها تتمتم:
- مصر! مصر!
كيف ينتبه لها الصياد, وهو لم ينتبه للباخرة كلها?! مثلها كثيرات داخلات خارجات تكاد تصدم قاربه, ولكن هيهات لها أن تصدم عالمه المقفل. عالم يجري على وتيرة واحدة متكررة يومًا بعد يوم. هم إسماعيل أن ينادي هذا الشيخ ويلقي عليه السلام أو يلوح له بمنديل. كيف تسقط المقاييس وينهزم المنطق في مثل تلك اللحظات التي تتأجج فيها العواطف وتصفو القلوب! ورنّ جرس إيذانًا بموت الباخرة, فأصبحت جثتها فريسة لجيش من النمل البشري يهاجمها. جنود وضباط, وإخواننا المحتلون ولو أنهم أخلاط مطربشون, وحمالون وصيارفة وزوار. ثم اندلق الزحام والتدافع, وتعالت النداءات, وكثر العناق والتقبيل. وإسماعيل وسط التيار غير مغمور يلتقط بنهم كل ما يصل إليه. وعلى شفتيه ابتسامة حلوة مطمئنة. له أذن فارزة واعية, ونظرة حية يقظة تريد أن ترى كل شيء, وتفهم كل شيء. إذا دققت النظر إليه وجدت تكورات وجهه قد زالت, وشُدّ شدقاه في أخدودين, كانت شفتاه مرتخيتين, قلما تنطبقان, أما الآن فقد ضمهما عزم ووثوق. يجتاز الجمارك. وفي العربة يستمع لوقع عجلاتها بين الأسفلت والبلاط, فيذكره تنافر النغم وتناوبه بيوم السفر. كم يبدو له هذا اليوم مترديًا في هوة من ماض بعيد. بعيد كالحلم.... كيف تقوى ذكرى هذا اليوم على البقاء بعد سبع سنوات قضاها في إنجلترا قلبت حياته رأسًا على عقب? كان عفًّا فغوى, صاحيًا فسكر, راقص الفتيات وفسق. هذا الهبوط يكافئه صعود لا يقل عنه جدة وطرافة. تعلم كيف يتذوق جمال الطبيعة ويتمتع بغروب الشمس - كأن لم يكن في وطنه غروب لا يقل عنه جمالاً - ويلتذ بلسعة برد الشمال.
إن لم يكن له في هذه الفترة سوى "ماري" زميلته في الدراسة لكفى بها في نسيان ماضيه. لقد أخذ هذا الفتى الشرقي الأسمر بلبها فآثرته واحتضنته. عندما وهبته نفسها, كانت هي التي فضّت براءته العذراء, أخرجته من الوخم والخمول إلى النشاط والوثوق, فتحت له آفاقًا يجهلها من الجمال: في الفن, في الموسيقى, في الطبيعة, بل في الروح الإنسانية أيضًا.
قال لها يومًا:
- سأستريح عندما أضع لحياتي برنامجًا أسير عليه.
فضحكت وأجابت:
- يا عزيزي إسماعيل, الحياة ليست برنامجًا ثابتًا, بل مجادلة متجددة.
يقول لها: "تعالي نجلس", فتقول له: "قم نسِر". يكلمها عن الزواج, فتكلمه عن الحب. يحدثها عن المستقبل, فتحدثه عن حاضر اللحظة. كان من قبل يبحث دائمًا خارج نفسه عن شيء يتمسك به ويستند إليه: دينه وعبادته, وتربيته وأصولها, هي منه مشجب يعلق عليه معطفه الثمين. أما هي, فكانت تقول له: "إن من يلجأ إلى المشجب, يظل طول عمره أسيرًا بجانبه يحرس معطفه. يجب أن يكون مشجبك في نفسك". إن أخشى ما تخشاه هي: القيود. وأخشى ما يخشاه هو: الحرية. كانت هبتها له في مبدإ الأمر محل حيرته, فكانت حيرته محل سخريتها. كان يتجافى الناس ويقدر احتمالات وُدِّهم, ويهتم كيف يكون حكمهم عليه, وإذا لقي من تريحه المجاملة لا يجد بأسًا في مجاملته, وقلبه غير مشارك. التعارف عنده اصطدام بين الشخصيات يخرج منه ظافرًا أو خاسرًا. أما هي, فتهيم بالناس جميعًا, ولا تهتم بهم جميعًا. التعارف عندها لقاء, والودّ متروك للمستقبل, ومع تساوي وُدِّها للناس جميعًا, كانت بتارة في إقصاء الضعيف, والسخيف, والمتعالم, والرذل, والحزين, والمنافق. فلما تخلصت من هذه الأوشاب, أصبحت لا ينجذب إليها إلاّ من تطمئن لصحبتهم.
رأته يطيل جلسته بجانب الضعفاء من مرضاه, ويخصّ بعطفه من يلحظ فيه آثار تخريب الزمن للأعصاب والعقول - وما أكثرهم في أوربا, يجلس صامتًا ينصت لشكواهم. وكان أكبر كرم منه أن يماشي منطقه منطقهم المريض. لحظته "ماري" وحلقة المرضى والمهزومين تطبق عليه يتشبثون به. كل يطلبه لنفسه. فأقدمت وأيقظته بعنف:
- أنت لست المسيح بن مريم! "من طلب أخلاق الملائكة غلبته أخلاق البهائم!" و"الإحسان أن تبدأ بنفسك". هؤلاء الناس غرقى يبحثون عن يد تمد إليهم, فإذا وجدوها أغرقوها معهم! إن هذه العواطف الشرقية مرذولة مكروهة; لأنها غير عملية وغير منتجة, وإذا جردت من النفع, لم يبق إلاّ اتصافها بالضعف والهوان, إنما هذه العواطف قوتها في الكتمان لا في البوح!
كانت روحه تتأوه وتتلوى تحت ضربات معولها. كان يشعر بكلامها كالسكين يقطع من روابط حية يتغذي منها, إذ توصله بمن حوله. واستيقظ في يوم, فإذا روحه خراب لم يبق فيها حجر على حجر. بدا له الدين خرافة لم تخترع إلاّ لحكم الجماهير, والنفس البشرية لا تجد قوتها, ومن ثم سعادتها, إلاّ إذا انفصلت عن الجموع وواجهتها. أما الاندماج فضعف ونقمة.
لم تقْو أعصابه على تحمل هذا التيه الذي وجد نفسه غريقًا وحيدًا في خلائه, فمرض وانقطع عن الدراسة, وافترسه نوع من القلق والحيرة, بل بدت في نظرته أحيانًا لمحات من الخوف والذعر.
وكانت "ماري" هي التي أنقذته, أخذته في رحلة إلى الريف بإسكتلندة, يجولان بالنهار مشيًا أو على الدراجة بين الحقول أو يصطادان السمك, وبالليل تذيقه من متعة الحب أشكالاً وألوانًا. من حسن حظه أنه استطاع أن يجتاز هذه المحنة التي يتردى فيها الكثيرون من مواطنيه الشباب في أوربا وخلص منها بنفس جديدة مستقرة ثابتة واثقة. إن اطرحت الاعتقاد في الدين فإنها استبدلت إيمانًا أشد وأقوى بالعلم. لا يفكر في جمال الجنة ونعيمها, بل في بهاء الطبيعة وأسرارها. ولعل أكبر دليل على شفائه أنه بدأ يتخلص من سيطرة "ماري" عليه. أصبح لا يجلس بين يديها جلسة المريد أمام القطب, بل جلسة الزميل إلى زميله. لم يدهش, ولم يتألم كثيرًا, عندما رآها تبتعد عنه وتنصرف إلى زميل من جنسها ولونها. إنها ككل فنان يمل عمله حين يتم. شفي إسماعيل ففقد كل سحره, وأصبح كغيره ممن تعرفهم, فلتجرب إذًا صديقها الجديد. على أن إسماعيل لم يقْو على مغادرة إنجلترا دون أن يسعى إلى لقائها لآخر مرة. دعاها فلم ترفض وجاءته. ولم يسأل نفسه: أعلى عِلمٍ من صديقها الجديد, أم على غفلة منه? ووهبت له نفسها مرةً أخرى, فهذه العلاقة ليست عندها بذات بال ولا خطر. كانت ضمّتها له نوعًا من المصافحة وسلام الوداع,
وهتفت به وهي تنصرف على دراجتها:
- آمل أن أراك في مصر يومًا من الأيام, ومن يدري? فإلى اللقاء إذًا, ولا أقول وداعًا.
نساء العصر الحديث! كم ذا يواجهن الاحتمالات بقلوب ثابتة. شجرة الحياة أمامهن مثقلة بالثمر منوّعته. لهن شهية مفتوحة فلم التأسي والبكاء على ثمرة, والشجرة مفعمة?

( 7 )
والظاهرة العجيبة التي لا أستطيع تفسيرها أن إسماعيل أفاق من حبه "لماري" فوجد نفسه فريسة حب جديد. ألأن القلب لا يعيش خاليًا? أم أن "ماري" هي التي نبهت غافلاً في قلبه فاستيقظ وانتعش? كان إسماعيل لا يشعر بمصر إلاّ شعورًا مبهمًا, هو كذرة الرمل اندمجت في الرمال واندسّت بينها, فلا تمييز منها, ولو أنها مع ذلك منفصلة عن كل ذرة أخرى. أما الآن فقد بدأ يشعر بنفسه كحلقة في سلسلة طويلة تشده وتربطه ربطًا إلى وطنه. في ذهنه مصر عروس الغابة التي لمستها ساحرة خبيثة بعصاها فنامت. عليها الحلي, و"دواق" ليلة الدخلة. لا رعى الله عينًا لم تر جمالها, ولا أنفًا لا يشم عطرها! متى تستيقظ? متى? وكلما قوي حبه لمصر, زاد ضجره من المصريين. ولكنهم أهله وعشيرته, والذنب ليس ذنبهم. هم ضحية الجهل والفقر والمرض والظلم الطويل المزمن. إنه حدق في الموت مرارًا, وجس المجذوم, واقترب فمه من فم المحموم. ترى هل ينكص الآن عن لمس هذه الكتلة البشرية التي لحمه من لحمها ودمه من دمها? قد عاهد نفسه في حبه لمصر ألاّ يرى منكرًا إلاّ دفعه. علمته "ماري" كيف يستقل بنفسه, وهيهات لهم بعد ذلك أن يجرعوه خرافاتهم وأوهامهم وعاداتهم. ليس عبثًا أن عاش في أوربا وصلّى معها للعلم ومنطقه. علم أن سيكون بينه وبين من يحتك بهم نضال طويل, ولكن شبابه هوّن عليه القتال ومتاعبه. بل كان يتشوق إلى المعركة الأولى. وسرح ذهنه فإذا هو كاتب في الصحف أو خطيب في أحد المجتمعات يشرح للجمهور آراءه ومعتقداته.
وتحرك القطار بإسماعيل ولم يرسل برقيته, لا يدري لماذا ضعف عن لقائهم بالمحطة وسط الضجيج والضوضاء وعلى أعين الناس, وربكة المتاع. إنه يود أن يلقى أعزاءه في دارهم, وعلى نجوة من الغرباء. ولم يقدّر وقع المفاجأة على أبيه وأمه العجوز. ذكرهما فوجف قلبه. هل يستطيع أن يؤدي لهما بعض ما هو مدين به? إنه قادم مزود بنفس السلاح الذي أراده له أبوه, وسيشق لنفسه بهذا السلاح طريقه إلى أول الصفوف. وسيعرض عن خدمة الحكومة ويفتح عيادة في أرقى أحياء القاهرة. وسيدهش القاهريين أولاً ثم المصريين جميعًا بما أتقنه من فن واكتسبه من خبرة. فإذا تدفق عليه المال أعفى أباه الشيخ من العمل, واشترى له أرضًا في بلدهم ليعيش مستريحًا. ثم وجم إسماعيل. لقد تذكر أنه لم يأت معه من أوربا بهدية لأسرته, وسُرِّي عنه إذ قال لنفسه:
- ماذا في أوربا كلها يصلح لأبي وأمي?
وفاطمة النبوية? ذكراها تثير في نفسه بعض الاضطراب لم يزل مرتبطًا بوعده, وقد عاد حرًّا, فلا عذر له إذا اعتذر. هذه مسألة معقدة فلنتركها للمستقبل.
وأطل من النافذة فرأى أمامه ريفًا يجري كأنما اكتسحته عاصفة من الرمل, فهو مهدم معفر متخرب. الباعة على المحطات في ثياب ممزقة, تلهث كالحيوان المطارد, وتتصبب عرقًا.
ولما سارت العربة من المحطة, ودخلت شارع الخليج الضيق الذي لا يتسع لمرور الترام, كان أبشع ما يتصوره أهون مما رآه: قذارة وذباب, وفقر وخراب, فانقبضت نفسه, وركبه الوجوم والأسى, وزاد لهيب الثورة في قرارة نفسه, وزاد التحفز.
ووقف أمام البيت, وتناول مطرقته, وتركها تسقط, فاختلطت دقتها بدقات قلبه. سمع صوتًا رقيقًا ينادي بلهجة نساء القاهرة:
- مين?
- أنا إسماعيل! افتحي يا فاطمة!

( 8 )
يا إسماعيل. ما أقساك! وما أجهل الشباب!
كادت أمه يغمى عليها, وانعقد لسانها وهي تضمه وتقبل وجهه ويديه, تشهق وتبكي. يا لله! كم شاخت وتهدلت وضعف صوتها وبصرها! إن الغائب في وهم, يتوقع أن يعود لأحبابه فيجدهم كما تركهم منذ سنوات. صوت يهمس في قلبه:
- ليست لها من الشخصية نصيب! ليست إلاّ كتلة من طيبة سلبية.
وجاءه أبوه تفيض عليه ابتسامة هادئة. اشتعل شيبه وإن لم تنحن قامته, في عينيه نظرة مشوبة من إعياء وصبر, من راحة ضمير وشعور بالحمل الثقيل. سيعلم إسماعيل فيما بعد أن الأزمة كوته بنارها فانتكست أموره, ومع ذلك لم يتأخر في يوم ما عن موعد إيداع النقود بالبنك لابنه. لم يذكر لإسماعيل ما يعانيه أو يدعوه إلى الاقتصاد أو يستعجله للعودة. يلهو إسماعيل في إسكتلندة مع رفيقته, يأكل البفتيك, وأبوه قعيد داره, عشاؤه طعمية أو فجل.
لإسماعيل نظرة من طرف عينيه تطوف في الدار, فإذا هي أضيق وأشدّ ظلمة مما كان يذكر. أما يزال ضوءُهم من مصباح البترول? قطع الأثاث بالية متناثرة تبدو - رغم مر السنين وطول الصحبة - كأنها مهاجرة في دار غربة, ولماذا هم على البلاط? وأين البساط?
هذه أم محمد ترتبك كعادتها بين الأطباق والحلل وهي تزغرد فيزجرها ويقول لها:
- بس بلاش خوْته , يا وليه اعقلي.
ولكن أين فاطمة النبوية? أقبلت, فإذا أمامه فتاة في شرخ الصبا. ضفيرتاها, وأساورها الزجاجية الرخيصة, وحركاتها, وكل ما فيها وما عليها, يصرخ بأنها قروية من أعماق الريف. هل هذه هي الفتاة التي سيتزوجها? علم منذ اللحظة أنه سيخون وعده وينكث عهده, وما لها معصوبة العينين? فهي ترفع ذقنها لتستطيع أن ترى وجهه. لم يدعها الرمد منذ سافر وساء حالها يومًا بعد يوم.
وأُعِد العشاء وجلسوا, ولعلهم جلسوا من أجله حول مائدة لهم من الخشب الأبيض, لم يأكل عليها أحد. لم يأكلوا هم من حدة الفرح, ولم يأكل هو من صدمة اليقظة. اعترف لي إسماعيل فيما بعد بأنه - حتى في اللحظة التي كان يجب أن تشغله سعادة العودة إلى أحضان والديه عن القياس والمقارنة والنقد - لم يملك نفسه عن التساؤل! كيف يستطيع أن يعيش بينهم?! وكيف يجد راحته في هذه الدار?!
وأعد الفراش. وأبي الشيخ رجب إلاّ الانصراف إلى غرفته ليترك ابنه يستريح من عناء السفر. وهذه أمه تجذب نفسها جذبًا وتهم بتركه, ولكنها تشير إلى فاطمة وتقول:
- تعالي يا فاطمة, قبل أن تنامي, أقطر لك في عينيك.
ورأى إسماعيل أمه وفي يدها زجاجة صغيرة, وترقد فاطمة على الأرض وتضع رأسها على ركبة الأم, فتسكب من الزجاجة في عينيها سائلاً تتأوه منه فاطمة وتتألم.
سألها إسماعيل:
- ما هذا يا أمي?
- هذا زيت قنديل أم هاشم, تعودت أن أقطر لها منه كل مساء.
لقد جاءنا به صديقك الشيخ درديري. إنه يذكرك ويتشوق إليك. هل تذكره? أم تراك نسيته?
قفز إسماعيل من مكانه كالملسوع. أليس من العجيب أنه - وهو طبيب عيون - يشاهد في أول ليلة من عودته, بأية وسيلة تداوى بعض العيون الرمداء في وطنه?
تقدم إسماعيل إلى فاطمة فأوقفها, وحلّ رباطها, وفحص عينيها, فوجد رمدًا قد أتلف الجفنين وأضر بالمقلة, فلو وجد العلاج المهدئ المسكن لتماثلت للشفاء, ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي,
فصرخ في أمه بصوت يكاد يمزق حلقه:
- حرام عليك الأذية. حرام عليك. أنت مؤمنة تصلين, فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام?
وصمتت أمه وانعقد لسانها, تحاول أن تتمتم ولا تبين.
ورأى إسماعيل شبح أبيه على الباب, في جلباب أبيض قصير وعلى رأسه طاقية تحتها وجه مربد. هل يتوقع قلبه الحنون مكروهًا? ماذا? لعل في تصرفات إسماعيل وحركاته ونظراته ما أيقظ في نفسه منذ اللحظة الأولى بعض الريبة. ما هذا الصراخ? ماذا حدث?
ونطقت أمه أخيرًا تستعيذ بالله وتقول له:
- اسم الله عليك يا إسماعيل يا ابني. ربنا يكملك بعقلك هذا غير الدوا والأجزا. هذا ليس إلاّ من بركة أم هاشم.
وإسماعيل كثور هائج لوحت له بغلالة حمراء.
- أهي دي أم هاشم بتاعتكم هي اللي حتجيب للبنت العمى, سترون كيف أداويها فتنال على يديّ أنا الشفاء الذي لم تجده عند الست أم هاشم.
- يا ابني ده ناس كثير بيتباركوا بزيت قنديل أم العواجز جربوه وربنا شفاهم عليه. إحنا طول عمرنا جاعلين تكالنا على الله وعلى أم هاشم. ده سرها باتع.
- أنا لا أعرف أم هاشم ولا أم عفريت.
هبط على الدار صمت مقبض. في هذا البيت تعيش قراءة القرآن والأوراد, وصدى الأذان. كأنها جميعًا استيقظت وانتبهت, ثم أطرقت وانطفأت, وحل محلها ظلام ورهبة. لا عيش لها مع هذه الروح الغريبة التي جاءت لهم من وراء البحار.
وسمع صوت أبيه كأنما يصل إليه من مكان سحيق:
- ماذا تقول?! هل هذا كل ما تعلمته في "بلاد بره"? كل ما كسبناه منك أن تعود إلينا كافرًا?
كل ما فعله إسماعيل بعد ذلك يدل على أن المرض العصبي القديم قد عاوده فجأة, وانفجر بشدة من جديد. فقد وعيه وشعر بحلقه يجف, وبصدره يشتعل, وبرأسه يموج في عالم غير هذا العالم; شب على قدميه واقفًا. لا شك أن في نظرته ما يخيف, فقد تضاءلت الأم أمامه, وابتعد الأب عن طريقه. هجم إسماعيل على أمه يحاول أن ينتزع منها الزجاجة, فتشبثت بها لحظة ثم تركتها له. فأخذها من يدها بشدة وعنف, وبحركة سريعة طوح بها من النافذة.
وكان صوت تحطمها في الطريق كدوي القنبلة الأولى في المعركة.
ووقف إسماعيل حائرًا لحظة, له نظرة تجوب ما حوله وتنتقل من وجه أمه وفاطمة إلى وجه أبيه. وجد إشفاقًا وعطفًا ولم يجد تسامحًا وفهمًا. ربما استشف في نظرتهم بعض الرعب, فتزايد هياجًا وانطلق إلى الباب. وفي طريقه وجد عصا أبيه فأخذها ثم هرب من الدار جريًا. لن ينكص عن أن يطعن الجهل والخرافة في الصميم طعنة نجلاء - ولو فقد روحه.

9)
أشرف على الميدان, فإذا به يموج كدأبه بخلق غفير ضربت عليهم المسكنة, وثقلت بأقدامهم قيود الذل. ليست هذه كائنات حية تعيش في عصر تحرك فيه الجماد. هذه الجموع آثار خاوية محطمة كأعقاب الأعمدة الخربة, ليس لها ما تفعله إلاّ أن تعثر بها أقدام السائر. ما هذا الصخب الحيواني? وما هذا الأكل الوضيع الذي تلتهمه الأفواه? يتطلع إلى الوجوه فلا يرى إلاّ آثار استغراق في النوم كأنهم جميعًا صرعى أفيون. لم ينطق له وجه واحد بمعنى إنساني. هؤلاء المصريون: جنس سمج ثرثار أقرع أمرد, عار حاف, بوله دم, وبرازه ديدان. يتلقى الصفعة على قفاه الطويل بابتسامة ذليلة تطفح على وجهه. ومصر? قطعة "مبرطشة" من الطين أسنت في الصحراء, تطن عليها أسراب من الذباب والبعوض, ويغوص فيها إلى قوائمه قطيع من الجاموس نحيل. يزدحم الميدان ببائعي اللب والفول, وحب العزيز , ونبوت الغفير , والهريسة والسمبوسكة , بمليم الواحدة. في جنباته مقاه كثيرة على الرصيف بجوار الجدران, قوامها موقد وإبريق وجوزة . أجساد لم تعرف الماء سنين. الصابون عندها والعنقاء سواء. تمر أمامه فتاة مزججة الحواجب, مكحلة العينين, شدت ملاءتها لتبرز عجيزتها وطرف ثوبها, وتحجبت ببرقع يكشف عن وجهها. وما معنى هذه القصبة التي تضعها على أنفها? أف! ما أبشع رياء هذا المنظر وما أقبحه! سرعان ما بدأ الناس يتحككون بها كأنهم كلاب لم يروا في حياتهم أنثى! هنا جمود يقتل كل تقدم وعدم لا معنى فيه للزمن, وخيالات المخدر, وأحلام النائم والشمس طالعة.
لو استطاع إسماعيل لأمسك بذراع كل واحد منهم وهزه هزة عنيفة وهو يقول:
- استيقظ. استيقظ من سباتك وأفِق, وافتح عينيك. ما هذا الجدل في غير طائل? والشقشقة والمهاترة في سفاسف? تعيشون في الخرافات, وتؤمنون بالأوثان, وتحجّون للقبور وتلوذون بأموات!
وعثرت قدمه بطفل ملقى على الرصيف, والتف حوله جموع من الشحاذين يعرضون عليه عاهات يرتزقون منها رزقًا حلالاً. كأنها من نعم الله عليهم, أو مِهَن وصناعات.
وشعر إسماعيل بأن هذه الجموع أشلاء ميتة تطبق على صدره وتكتم أنفاسه, وتُبهِظُ أعصابه. يصطدم به بعض المارة كأنهم عُمْي يتخبطون. هذا الرضا عجز, وهذه الطيبة بلاهة, وهذا الصبر جبن, وهذا المرح انحلال.
انفلت إسماعيل من الزحام, وجرى إلى الجامع ودخله واجتاز الصحن إلى الحرم. المقام يتنفس بدل الهواء أبخرة ثقيلة من عطور البرابرة. هذا هو القنديل قد علق التراب بزجاجه واسودّتْ سلسلته من "هبابه". تفوح منه رائحة احتراق خانقة. أكثر ما ينبعث منه دخان لا بصيص ضوء. هذا الشعاع إعلان قائم للخرافة والجهل. يحوم في سقف المقام خفاش اقشعر له بدنه. حول المقام أناس كالخشب المسندة وقفوا مشلولين متشبثين بالأسوار. فيهم رجل يستجدي صاحبة المقام شيئًا لم يفهمه إسماعيل وإنما وعى أنه يستعديها على خصم له, ويسألها أن تخرب بيته وتيتم أطفاله. والتفت إسماعيل إلى ركن في المقام فوجد الشيخ درديري يناول رجلاً معصوب الرأس بمنديل نسائي زجاجة صغيرة في حرص وتستر. كأنما هي بعض المهربات. لم يملك إسماعيل نفسه. فقد وعيه, وشعر بطنين أجراس عديدة, وزاغ بصره, ثم شب, وأهوى بعصاه على القنديل فحطمه وتناثر زجاجه, وهو يصرخ:
- أنا... أنا... أنا..
ثم لم يستطع أن يتم جملته. (ومن يدري ماذا كان سيقول?) هجمت عليه الجموع, وتهدمت فوقه, فخرّ على الأرض مغمى عليه. ضربوه, وداسوه بالأقدام, وجرح رأسه, وسال الدم على وجهه, ومزقت ثيابه.
علمنا بعد ذلك أنه أشرف على الموت تحت الأقدام لولا أن تعرف عليه الشيخ درديري, فأنقذه واستخلصه من غضب الناس وعنفهم, وهو يقول:
- اتركوه! إنني أعرفه. هذا سي إسماعيل ابن الشيخ رجب من حتتنا . اتركوه. ألا ترون أنه "مريوح" ?!.
واحتمله إلى الدار, ووضعوه على الفراش, واجتمعت الأسرة في ليلة الفرح بعودته تبكي صوابه المفقود.
لعن الله اليوم الذي سافرت فيه يا إسماعيل! ليتك ظللت بيننا ولم تفسدك أوربا فتفقد صوابك, وتهين أهلك ووطنك ودينك.
صكت الأم وجهها, وتأوه الأب وكتم ألمه وغيظه وسكبت فاطمة دموعها مدرارًا.

10)
ومرت أيام كثيرة وإسماعيل لا يغادر الفراش. ركبه العناد فأدار وجهه للجدار لا يكلم أحدًا ولا يطلب شيئًا. ولما أفاق قليلاً بدأ يفكر: هل يعود إلى أوربا ليعيش وسط أناس يفهمون الحياة? إن الجامعة عرضت عليه منصب مساعد أستاذ فرفضه بغباوة, ولعلهم يقبلونه الآن إذا طلب. ولم لا يتزوج هناك, ويبني لنفسه أسرة جديدة بعيدًا عن هذا الوطن المنكود? لماذا ترك إنجلترا بريفها الجميل, وأمسياتها الهنية, وقسوة شتائها الجبار, وجاء لبلد يفرون فيه من بعض الرذاذ كأنما تحيق بهم نكبة أو يدهمهم طوفان? أما يدرون أن هناك وجوهًا صامتة ونظرة ثابتة, تسير تحت المطر والثلوج, تقاوم الأعاصير? وما فائدة الجهاد في بلد كمصر ومع شعب كالمصريين,
عاشوا في الذل قرونًا طويلة فتذاوقوه واستعذبوه?
ثم أخذته غفوة, واختلط عليه الأمر. إنه كالطير قد وقع في فخ, وأدخلوه القفص, فهل له من مخرج? يشعر بجسمه وقد شد إلى هذه الدار التي لا يطيقها, وربط إلى هذا الميدان الذي يكرهه, فمهما حاول فلن يستطيع فكاكا.
واستيقظ إسماعيل ذات صباح وهو يشعر بنشاط عجيب. في مثل هذه الأحوال يقفز الشخص من النقيض إلى النقيض فجأة وبلا سبب ظاهر. وخرج من الدار مبكرًا, وعاد يحمل حقيبة, ملأى بالزجاجات والأربطة والمراود, وبدأ علاجه لفاطمة كما يقتضيه طبه وعلمه. لقد عالج في أوربا أكثر من مائة حالة مثلها فلم يخنه التوفيق في واحدة. فلماذا لا ينجح مع فاطمة أيضًا? وسلمت الفتاة إليه نفسها مطمئنة, لا يهمها مرضها بقدر ما يهمها أن تكون بين يديه, موضع عنايته ورفقه. وتجنبه أبوه وأمه ولم يعودا يعارضانه في شيء إشفاقًا على صحته.
في الصباح تجلس فاطمة بين يديه وقبل النوم. ومر يوم وثان وثالث ورابع, وأسبوع وآخر, وعيون فاطمة على حالها. ثم إذا بها تسوء فجأة وتلتهب, ويختلط سوادها بالبياض.
ضاعف إسماعيل عنايته, وكرر أنواع الأدوية, وقلب جفونها ومسّ, وقطر ومرهم, وكشط ومسح, فما أجدى طبه نفعًا. إنه ليس بالجاهل, يرى أمامه فاطمة اقتربت من العمى ولا ينقذها في علمه حيلة.
أخذها إلى زملائه في كلية الطب, وعرضها على الأساتذة فوافقوه على طريقته في العلاج, ونصحوه بالاستمرار.
فقاوم وثابر, وأخيرًا استيقظت فاطمة على صباح وهي تفتح عينيها ولا ترى. لقد انطفأ آخر بصيص تتعزّى به.

(11)
هرب إسماعيل من الدار, لم يستطع الإقامة فيها وفاطمة أمامه, وعماها دليل على عماه. عيون أبيه وأمه تلومانه. ما الذي حدث? لماذا أخفق? إنه لا يفهم شيئًا. أين يذهب? لم يبدأ بعد عملاً, ولا هو بقادر ولا راغب في الالتجاء للحكومة لتعيينه في إحدى القرى النائية. باع كتبه وبعض الأدوات التي أحضرها معه من أوربا, وسكن في غرفة ضيقة في بنسيون مدام إفتاليا, وهي سيدة يونانية بدينة أخذت تستغله منذ أول وقوعه في يدها حتى لتكاد تضع في كشف الحساب تحية الصباح, أو تستقضيه خطوتها إذا قامت وفتحت له الباب. حاسبته مرة على قطعة سكر استزادها في إفطار. يحس بابتسامتها أصابع تفتش جيوبه. أهداها بعض الفطائر والسجائر فأخذتها نهمة متلهفة, وفي الصباح سألته ألا يطيل السهر في غرفته حرصًا على الكهرباء. لا شك في أن الإفرنج في مصر من طينة أخرى غير التي رآها في أوربا. كان يحبس نفسه في غرفته, فطردته هذه المعاملة إلى الشوارع يجوبها من الصباح إلى منتصف الليل. وفي كل ليلة يجد نفسه - ولا يدري كيف - وسط ميدان السيدة يجوب حول داره, يتطلع إلى نوافذها, يريد أن يرى وجه فاطمة أو يسمع صوتها. فاطمة ضحيته, ومع ذلك لم تثر... لم تشك... لم تلمه. أسلمت إليه نفسها عن رضا فأوردها التلف, فما قالت لذابحها تريث. وهكذا يظل واقفًا في الميدان, ساعات طويلة, سارح الذهن شارد اللب, تتسرب إلى أذنه النداءات القديمة. هي هي لم تتغير, ماذا? لعل كل والد أورث ابنه مهنته وصوته وموضعه في الميدان: مساكين! كل مَن خدمهم مَنَّ عليهم واستعجلهم الجزاء أضعافًا مضاعفة. لم يخدمهم أحد لله أو حبًّا فيهم, ومع ذلك جروا وراء كل من توهموا فيه الإخلاص وتشبثوا بأذياله, ورفضوا أن يروا ضعفه أو خيانته. هذا شعب شاخ فارتد إلى طفولته. لو وجد من يقوده لقفز إلى الرجولة من جديد في خطوة واحدة, فالطريق عنده معهود والمجد قديم, والذكريات باقية.
تساءل إسماعيل: هل في أوربا كلها ميدان كالسيدة زينب? هناك أبنية ضخمة جميلة, وفن راق, وأناس وحيدون فرادى, وقتال بالأظافر والأنياب, وطعن من الخلف واستغلال بكل الوسائل. مكان الشفقة والمحبة عندهم بعد العمل وانتهاء النهار, يروحون بهما عن أنفسهم كما يروحون عنها بالسينما والتياترو.
ولكن. لا. لا. لو أسلم نفسه لهذا المنطق لأنكر عقله وعلمه. من يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها, وذل الشرق وجهله ومرضه? لقد حكم التاريخ ولا مردّ لحكمه, ولا سبيل إلى أن ننكر أننا شجرة أينعت وأثمرت زمنًا, ثم ذوت.
يفر إسماعيل من الميدان إلى غرفته, ويقضي ليلته يفكر كيف يهرب لأوربا من جديد, ولكنه لا يلبث أن يعود إلى موقفه المعهود بميدان السيدة في مساء الليلة التالية.

(12)
وجاء رمضان, فما خطر له أن يصوم. ابتدأ يطيل وقفته في الميدان ويتدبر: في الجو, في الهواء, في المخلوقات, في الجمادات كلها شيء جديد لم يكن فيها من قبل. كأن الوجود خلع ثوبه القديم واكتسى جديدًا. علا الكون جو هدنة بعد قتال عنيف.
يحدث إسماعيل نفسه: لماذا خاب? لقد عاد من أوربا بجعبة كبيرة محشوة بالعلم, عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة, ليس لديها على سؤاله جواب. هي أمامه خرساء ضئيلة, ومع خفّتها فقد رآها ثقلت في يده فجأة.
ودار بعينيه في الميدان. وتريثت نظرته على الجموع فاحتملتها, وابتدأ يبتسم لبعض النكات والضحكات التي تصل إلى سمعه فتذكره هي والنداءات التي يسمعها بأيام صباه. ما يظن أن هناك شعبًا كالمصريين حافظ على طابعه وميزته رغم تقلب الحوادث وتغير الحاكمين. "ابن البلد" يمر أمامه كأنه خارج من صفحات "الجبرتي". اطمأنت نفس إسماعيل وهو يشعر بأن تحت أقدامه أرضًا صلبة. ليس أمامه جموع من أشخاص فرادى, بل شعب يربطه رباط واحد: هو نوع من الإيمان, ثمرة مصاحبة الزمان والنضج الطويل على ناره. وعندئذ بدأت تنطق له الوجوه من جديد بمعان لم يكن يراها من قبل. هنا وصول فيه طمأنينة وسكينة والسلاح مغمد. وهناك نشاط في قلق وحيرة, وجلاد لا يزال على أشده والسلاح مسنون. ولم المقارنة? إن المحب لا يقيس ولا يقارن وإذا دخلت المقارنة من الباب, ولى الحب من النافذة.
وحلت ليلة القدر. فانتبه لها إسماعيل, ففي قلبه لذكراها حنين غريب. ربي على إجلالها والإيمان بفضائلها, ومنزلتها بين الليالي, لا يشعر في ليلة أخرى - حتى ولا ليالى العيد - بمثل ما يشعر به من خشوع وقنوت لله. هي في ذهنه غرة بيضاء وسط سواد الليالي. كم من مرة رفع فيها بصره إلى السماء فبهره من النجوم جمال لا يراها تنطق به بقية العام.
وغاب لحظة عن أفكاره, فإذا به ينتبه على صوت شهيق وزفير عميقين يجوبان الميدان. هذا هو سيدي العتريس ولا ريب رفع بصره. القُبّة في غمرة من ضوء يتأرجح يطوف بها. انتفض إسماعيل من رأسه إلى أخمص قدميه. أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهرًا? مرحبًا بك! لقد زالت الغشاوة التي كانت ترين على قلبي وعيني. وفهمت الآن ما كان خافيًا عليّ. لا علم بلا إيمان. إنها لم تكن تؤمن بي, إنما إيمانها ببركتك أنت وكرمك ومَنِّك. ببركتك أنت يا أم هاشم.
ودخل إسماعيل المقام مطأطئ الرأس فأبصره يرقص عليه ضوء خمسين شمعة زينت جوانبه, والشيخ درديري يتناولها واحدة واحدة من فتاة طويلة القامة سمراء اللون, جعدة الشعر. هي نعيمة! قد زال انطباق شفتيها وبدت لها أسنان. وإن تكلمت فصف من أسنان بيض كاللؤلؤ. تكفي النظرة إليها أن تنسي وجود كل قبيح.
لقد صبرت وآمنت, فتاب الله عليها, وجاءت توفي بنذرها بعد سبع سنوات. لم تقنط, ولم تثر, ولم تفقد الأمل في كرم الله.
أما هو - الشاب المتعلم, الذكي المثقف - فقد تكبر وثار وتهجم وهجم, وتعالى فسقط.
ورفع إسماعيل بصره, فإذا القنديل في مكانه يضيء كالعين المطمئنة التي رأت, وأدركت, واستقرت. خيل إليه أن القنديل. وهو يضيء, يومئ إليه ويبتسم.
وجاءه الشيخ درديري يسأله عن صحته وأخباره, فيميل عليه إسماعيل يقول:
- هذه ليلة مباركة يا شيخ درديري, أعطني شيئًا من زيت القنديل.
- والله أنت بختك كويس. دي ليلة القدر? وليلة الحضرة كمان.
وخرج إسماعيل من الجامع وبيده الزجاجة وهو يقول في نفسه للميدان وأهله:
- تعالوا جميعًا إليّ! فيكم من آذاني, ومن كذب عليّ, ومن غشّني, ولكني رغم هذا لا يزال في قلبي مكان لقذارتكم وجهلكم وانحطاطكم, فأنتم مني وأنا منكم. أنا ابن هذا الحي .. أنا ابن هذا الميدان. لقد جار عليكم الزمان, وكلما جار واستبد, كان إعزازي لكم أقوى وأشد.
ودخل الدار ونادى فاطمة:
- تعالى يا فاطمة! لا تيأسي من الشفاء. لقد جئتك ببركة أم هاشم! ستجلي عنك الداء, وتزيح الأذى, وترد إليك بصرك فإذا هو حديد...
وشدّ ضفيرتها واستمر يقول:
- وفوق ذلك, سأعلمك كيف تأكلين وتشربين, وكيف تجلسين وتلبسين, سأجعلك من بني آدم.
وعاد من جديد إلى علمه وطبه يسنده الإيمان. لم ييأس عندما وجد الداء متشبثًا قديمًا, يجادله بعناد ولا يتزحزح. ثابر واستمر ولاحت بارقة الأمل. ففاطمة تتقدم للشفاء على يديه يومًا بعد يوم, وإذا بها تكسب في آخر العلاج ما تأخرته في مبدئه, فهي تقفز أدواره الأخيرة قفزًا.
ولما رآها ذات يوم أمامه سليمة في عافية, فتش في ذهنه وقلبه عن الدهشة التي كان يخشاها, فلم يجدها.

(13)
وافتتح إسماعيل عيادته في حي البغالة بجوار التلال, في منزل يصلح لكل شيء إلاّ لاستقبال مرضى العيون. الزيارة بقرش واحد لا يزيد. ليس من زبائنه متأنقون ومتأنقات, بل كلهم فقراء, حفاة وحافيات, والغريب أن شهرته استقرت في القرى المجاورة للقاهرة دون القاهرة ذاتها, فاكتظت داره بالفلاحين والفلاحات, يجيئون بهدايا من البيض والعسل والبط والدجاج.
كم من عملية شاقة نجحت على يديه, بوسائل لو رآها طبيب أوربا لشهق عجبًا. استمسك من علمه بروحه وأساسه, وترك المبالغة في الآلات والوسائل. اعتمد على الله, ثم على علمه ويديه, فبارك الله في علمه ويديه. ما ابتغى الثروة ولا بناء العمارات وشراء الأطيان , وإنما قصد أن ينال مرضاه الفقراء شفاءهم على يديه.
وتزوج إسماعيل فاطمة, وأنسلها خمسة بنين وست بنات.
وكان في آخر أيامه ضخم الجثة, أكرش, أكولا نهما, كثير الضحك والمزاح والمرح, ملابسه مهملة, تتبعثر على أكمامه وبنطلونه آثار رماد سجائره التي لا ينفك يشعل جديدة من منتهية. وأصيب بالربو, فاحتقن وجهه وتندى العرق على جبينه, وانقلب تنفسه إلى نوع من الموسيقى. وأصبح من يشاهده لا يدري أهو متعب أم مستريح. فلما احتبست ضحكاته في حلقه, اجتمعت في عينيه, فليس هناك عيون أقوى على التعبير من عيون المصدورين يكاد يقفز منها إليك شيطان لعوب, كلها حب وفهم, فيها خبث وطيبة, وتسامح وإعزاز, وكأنها تقول لك قبل كل شيء:
- ليس كل ما في الوجود أنا وأنت, هناك جمال وأسرار ومتعة وبهاء. السعيد من أحسها, فعليك بها عليك...
إلى الآن يذكره أهل حي السيدة بالجميل والخير, ثم يسألون الله له المغفرة. مم? لم يفضِ إليّ أحد بشيء, وذلك من فرط إعزازهم له. غير أنني فهمت من اللحظات والابتسامات أن عمي ظل عمره يحب النساء, كأن حبه لهن مظهر من تفانيه وحبه للناس جميعًا.
رحمه الله
[ 1939 - 1940 ]
(انتهت الرواية)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...