نعمات البحيري - سرقة امرأة وحيدة.. قصة قصيرة

عقد الفضة الذي خرجت به يده من عمق الدولاب هو غلة هذا النهار منذ بدايته. بدا له العقد القديم مثل صفقة فكتم غيظه وتحرك وسط ركام الفوضى التي أحدثها دأب بحثه في حجرة النوم، واتجه نحو مرآة التسريحة القديمة، وبقلم أحمر شفاه عتيق كتب كلاماً بذيئاً.

تكبد شهرا وأكثر وهو يراقب المرأة، حاسباً الوقت والزمن عند خروجها وعودتها وحسابات أخرى.

كان يترصدها وهي تسير بمفردها لمسافات طويلة كي تجد سيارة عامة في منطقة آهلة بالبشر، ويرى جيرانها الذين يقطنون معها العمارة يركبون السيارات الفارهة وينفقون ببذخ على مظهرهم، فأدرك بحذق الفاهم أن المرأة من هواة الاكتناز ولن تخرج غلة يومه عن ذهب أو نقود أو ما شابه.

والآن لا يجد شيئا ذا وزن عدا مسجل قديم بلا راديو أو ماركة واضحة، يرقد مثل قبو صغير وسط مجموعة من شرائط كاسيت قديمة لعبدالحليم وأم كلثوم وعبدالمطلب.

وأطاحت قدمه بكل ما يعتري طريقه بين ركام الفوضى التي أحدثها. أحذية وحقائب جلدية وأوان فخارية ملآنة بالزهور ووسائد من نسيج الكروشيه وشرائط كاسيت، وتعاظمت لديه مشاعر الغيظ والكراهية فبدا كمن يثأر لكرامته المهنية كلص محترف. قذف بقدمه علبة صغيرة من الصفيح ملونة تكتظ بشرائط كاسيت أخرى لشادية وليلى مراد، وسلة من القش تحوي كرات من الصوف الملون، وإبرا للتريكو والكروشيه. الصور القديمة للمرأة على الجدران تنظر إليه وتحاصره.

استراح قليلاً على مقعد متهالك ليدخن سيجارة وينفث فيها قدراً من مرارة الحسرة بدت له من خلف زجاج الصور كمن تلاحقه من كل الاتجاهات.

كانت الصور لها في شتى مراحل عمرها. وهي طفلة بضفائر وشرائط ومريلة المدرسة تقبع على حجر أمها، ثم وهي صبية بشعر قصير مهوش ثم وهي شابة يافعة بين رفقاء الجامعة، رآها بنفس النظرة المتوثبة للأفق الممتد في جميع الصور، وابتسامة عذبة بطزاجة الأمل والزمن. شعر بعينيها من تحت زجاج الصور تتابعانه وتسخران منه. وكأنه يحاول التملص من نظراتها الساخرة، راح يمسح بقية أرجاء الشقة بعينيه، دولاب قديم للفضية، مكتبة خشبية تحوي كتبا قديمة وحديثة وجرائد ومجلات، مائدة للطعام مفروشة بمفرش قطيفي قديم ذي نمنمات ملونة وشراشيب معقودة. والمطبخ الواسع يبدو مفتوحا دون باب عدا ستارة رقيقة من نسيج الكروشيه، مرسوم عليها أطفال بأجنحة وأحصنة تطير، وفراشات حطت على أكتاف الأطفال وظهور الأحصنة.

من خلال الستارة رأى أثاث مطبخ من معدن الإيديال وثلاجة قصيرة من نفس الماركة، وبوتاجازا من إنتاج المصانع وأواني نحاسية وفخارية على أرفف خشبية مزدانة بمفارش من كتان مشغول.

بدا وكأنه دخل ليسرق شقة في فيلم عربي أبيض وأسود وتخيل أنها ستقفز من بين زجاج الصور لتعبر إليه من زمنها الفائت.

تذكر أن المرأة التي يراها على مشارف الأربعين ما زالت تحمل ملامح وجوه الصور ونضارتها وتلك الابتسامة الغامضة، تقطع مسافات طويلة بحيوية شابة صغيرة، داهمه صوت مياه تسقط بإيقاع منتظم، كانت من المطبخ تشي بعطل في السباكة، تجاهله وراح يواصل بحثه في دولاب الفضية القديم ذي المرايا والأرفف الزجاجية.

أكواب بللورية من زجاج ياسين، متراصة بجوار بعضها وفناجين البيشة الصينية وأوان نحاسية مشغولة بنمنمات مفرغة، بدت جميعها في نسق جميل مثل تحف ثمينة. على الرف العلوي طبق صيني كبير، مزركشة حوافه بماء الذهب وألوان شتى. كان مكسورا وقد عالجته بمادة بنية لاصقة، فبدا مثل شرخ يتلوى. بحث داخل الفناجين والسكرية وبراد الشاي والأكواب واللتانة ولم يجد شيئا.

داهمه صوت سرسوب آخر من الماء فسار يتعثر وسط فوضى الأشياء نحو المطبخ، كانت الحنفية مربوطة بمنديل حريمى مبلل. ضغط على رأسها بقبضة يده فانطلقت المياه أكثر من ذي قبل.

هذه المرة لجأ إلى المكتبة ليبحث بين صفحات الكتب، متذكراً أيام كان يدخر نصف مصروفه في كتاب عزيز لديه، بعيداً عن الحصالة المعدنية التي يسهل فتحها بظهر ملعقة أو لبيسة الأحذية. لم يجد بين صفحات الكتب التي صارت أهراماً كل الأرض غير صورة لشاب وسيم، ورسائل غرامية يرجع تاريخها إلى أكثر من عشرين عاماً، وبنفسجة يابسة ومنديل رجالي مطبق.

نحى ركام الكتب جانباً ودخل إلى الحمام ليغلق الحنفية التي انطلقت هي الأخرى بسرسوب آخر فصارت أصوات المياه مثل أسراب ذباب عنيد تصيبه بتوتر زائد.

كانت محاولاته في إحكام غلق الحنفيات قد باءت جميعها بالفشل، الأمر الذي ألهب في نفسه حمية البحث من جديد وسط ركام الفوضى وأصوات الحنفيات.

دبلتان مبرومتان من الذهب، كل منهما في مواجهة الأخرى داخل علبة قطيفة حمراء. قرأ الاسمين والتاريخ ثم دسهما في جيبه وتوهج في نفسه الأمل فراح يواصل البحث في دأب ومثابرة.

بين الكتب عثر على مظروف قديم يحوي صوراً (أبيض وأسود)، تناولها واحدة فأخرى وهو يمعن النظر. صورة لها وهي تتسلم كأسا وشهادة وتصافح عبدالناصر وثانية وهي على خشبة مسرح صغير تمثل دورا في مسرحية.

وثالثة وهي تخطب في مظاهرة وسط لفيف من الطلبة والطالبات. مجموعة أخرى من الصور في مظروف أبيض شابه اصفرار القدم.

نفس الشاب الوسيم يرافقها في أماكن عديدة. صورة لهما وهي تتأبط ذراعه عند كورنيش النيل وعلى شاطىء البحر وفي القناطر الخيرية وأماكن عديدة لم يتعرف على ملامحها. ابتلع ريقه وهو يحدق في الصور ويبتسم ابتسامة فرح وكأنها أعادت إليه زمناً جميلاً. انفرجت أسارير وجهه وراح يحدق في صور الجامعة.

بين الكتب عثر أيضا على مظروف كبير يحوي قصاصات من جرائد ومجلات قديمة وحديثة.

كانت صورة لها ومانشيت أسود في جريدة قديمة أصفرّ ورقها:

"أول آنسة تلعب لعبة الرجال "

والصورة لها وهي في ثياب الرياضة وبين قدميها كرة قدم

قصاصة أخرى من جريدة ليست بنفس القدم، ومانشيت أسود: "القبض على امرأة تحرق العلم الإسرائيلي بمعرض الكتاب

وقصاصة من مجلة حديثة وصورة ملونة لرجل ذي أناقة مفرطة يقص الشريط في افتتاح مشروع كبير. كان الرجل يحمل نفس ملامح ذلك الشاب الذي كان يرافقها في الصور القديمة، وتذكر أنه هو نفسه رجل الأعمال الشهير الذي يطل عليه بوجه مستفز من جهاز التلفزيون وبرفقته امرأة تبتسم ابتسامة بلهاء، انتبه إلى صورها على الجدران فبدت ابتسامتها الغامضة حانية، وتذكر أنه يراها دائما بمفردها ولا تتحدث إلى أي من الجيران الأمر الذي سهل له المهمة.

عثر على حفنة أوراق مطبوعة داخل مظروف آخر.

"قرار بترقية لا يحوي اسمها"

"وقرار بنقلها إلى أسوان ثم آخر إلى القاهرة"

وقصاصة من جريدة عن إضراب العاملات في شركة كبيرة تقودهن موظفة.

تذكر أنه يراها تحمل أوراقا كثيرة وهي خارجة وعند العودة

فجأة رآها أمامه.. صورة كبيرة لعبدالناصر فتساءل في نفسه عما ألهاه فلم ير الصورة من قبل، وتذكر سنوات تعليمه ومذاكرته وأيام الجامعة والاعتصام داخل أسوارها، كما تذكر أباه العامل الذي علمه ثم مات وعلى شفتيه ابتسامة.

تحرك في الشقة ليعد فنجانا من الشاي ودخن سيجارة وهو يستشعر راحة غريبة لم تعرف طريقها إليه منذ زمن.

كانت رائحة الشاي الدافىء غريبة وكأنها ذكرته بشيء عزيز. وحين نظر إلى ساعة الحائط أسرع مهرولاً نحو غرفة النوم، يمسح بفوطة مبللة بذاءة الكلمات التي كتبها بأحمر الشفاه على المرآة.

بعدها أعاد ترتيب الشقة إلى حالتها الأولى وهو يتوخى مزيدا من الرقة والحذر مع تذكارات المرأة، ثم شمر عن ساعديه ليستدعي معلوماته القليلة ليصلح ما فسد في السباكة. بعد قليل جلس لينتظر عودة المرأة الوحيدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...