سيدي الشرقاوي بن زهرة - الدجاج والديك الرومي

كنتُ في الثامنة بل حوالي التاسعة من عمري حين كانت عائلتي تعيش في بيت صغير في ضواحي مدينة الرباط، في المغرب. كانت الضواحي في تلك الآونة حارّة وفقيرة ومليئة بالغبار. أما اليوم فيكسوها العشبُ والورود على جانبي الطريق، وهناك عددٌ جيد من الناس يعملون.. هذا تقدم. لم يكن ثمة الكثير حول بيتنا، عدا الغبار، والأحجار الصغيرة، وبعض البيوت الأخرى مربعة الشكل كبيتنا.
في منتصف النهار تكون الشمس حادّة على الغبار، وفي المساء تأتي الريح وتجرفه. كانت الضواحي تتوجه أكثر نحو الداخل منذ وعيت، والآن لم يعد بيتنا في ضاحية بل في قلب المدينة.
في صباح ما من تلك الأيام، أيقظتني أمي باكراً قائلة:
- سِيدي ابني استيقظ، وإلا ستتأخر في الذهاب إلى المدرسة. فركت عينيّ بسرعة واستيقظت.. لأنني إن لم أفعل ذلك ستشدّ إحدى أذني بقوة لأقوم.
توقظ أمي كل واحد حسب برنامجه الزمني، فهي توقظ الأطفال أولاً لأن المدرسة تفتح في السابعة. وبعد أن نذهب توقظ أبي الذي يفتح محل تصليح السيارات في الثامنة. وهي لا تفعل ذلك مع أخي الكبير لأنه دائمًا عاطل عن العمل. وإذا لم يقم باكراً فإن الشمس تتسرب من النافذة حوالي العاشرة وتوقظه.

تضع أمي القهوة بمقدار كف ممتلئة في إبريق وتملأه بماء المدينة. وتملأ إبريقاً آخر بالحليب وتضعهما على الموقد. أشتمّ وأختيّ رائحةَ القهوة بينما نغسل وجوهنا في الحمام بالماء البارد. كما نسمع صوت غليانها في الإبريق. كنا نستعمل أصابعنا كفرشاة أسنان لأننا لم نكن نملكها..ونستعيض عن القطن الخاص بتنظيف الأذن بأشياء مشابهة.
عندما يرتفع الحليب في الإبريق وتصل القهوة تركيزها المطلوب تطفئ أمي الموقد، وتصب الحليب والقهوة في أباريق أفخم، وتضع بعض مكعبات السكر وتخلطها ثم تصب كأساً لكل منا. كذلك تضع بعض الزبدة على قطع الخبز وترصفها بشكل تويجات الأزهار.

تقوم أمي بعملها هذا كل يوم كأنها مبرمجة كالساعة. تفحصُ أذنيّ بدقة وتنظر إليّ من فوق إلى أسفل وتبتسم قائلة.. كن ولداً جيداً واحترم أستاذك. وبينما تقوّم ياقة قميصي الأبيض تنصحني ثانية : انتبه من السيارات.. انظر يميناً ويساراً قبل أن تقطع الشارع.. انتظر حتى تمر السيارات ثم اقطعه.. لا تلتقط شيئاً من الشارع وعد إلى البيت فوراً بعد خروجك من المدرسة. لا تلعب بالكرة مع الأولاد.. عد فوراً.
- بالتأكيد يا أمي.. أكذب وأهز رأسي. ألتقط حقيبتي المدرسية الجلدية الثخينة وأتجه في الممر إلى المطبخ. كان المطبخ واسعاً ومرتفع السقف لكنْ خالياً من النوافذ. أفتح سلة مصنوعة من القش، وأتناول قطعة كبيرة من خبز الحنطة.. أتفحصها ملياً من العفن وأضعها في جيبي. كنت أحتفظ دائماً ببعض الخبز في جيوبي.
أفتح الخزانة بهدوء بينما تحضّر أمي أختيّ، وأتناول علبة السكر وآخذ أربع قطع. أدفع واحدة في فمي لأطحنها.. وأضع الأخريات في أحد جيوب قميصي الأبيض. أفتح الباب بعدئذ وأنطلق وأتركه مفتوحاً. في الخارج الهواء منعش والسماء زرقاء صافية، كخلفية شاشة كمبيوتر. تكون الشمس مختفية خلف المدى والبيوت المربعة في الأفق. ويبقى التراب الأحمر تحت قدميّ ملتصقاً وبارداً من ندى الصباح.
أسير أبعد من عشر إشارات ضوئية في الطريق الوسخة قبل أن أصل إلى ساحة واسعة فارغة. ندعوها ساحة أبو حنبل. رغم أن لا أحد يعرف من هو أبو حنبل . وقد لعبت بالكرة مرات عديدة هناك. كان ثمة وادٍ عميق من جهة وجدارٌ إسمنتي عالٍ من الجهة الأخرى.. كان الجدار متصدعاً كله بفعل الشمس وبعض الحجارة ملقية قربه يجلس عليها الأولاد ليتفرجوا على المباريات. وأحياناً عندما لا يكون لدينا كرة للعب نقف جميعنا هناك أمام الحائط ونستمني.
كنت أتابع سيري عبر الساحة أرفس الحصى عندما صفّق بجناحيه شيء كبير أسود قربي. كان ديكاً رومياً كبيراً. تمثال ضخم من الريش والأقدام المخلبية. حدق الديك فيّ.. وجمدت عيناه بخوف مظلم.. وانفتحت أرياشه كأنه شعر بما سيحدث له. رميت بحقيبتي فجأة على الأرض المغبرة، وطاردتُ الديك كما يطارد القرد غزالاً. تأرجح الديك وأثار الغبار وقفز وهز رأسه وضرب الهواء بجناحيه القصيرين دون فائدة. كان يقترب من الوادي أكثر فأكثر عندما ارتميت عليه وأمسكت برجليه بإحكام في غيمة من الغبار. كانت رجلاه قاسيتين كقضبان جافة عندما تلمستهما بأصابعي، وكان عنقه طويلاً وقبيحاً.
وقد اضطررت أن أرفع يديّ لأتمكن من سحب الديك الطويل والثقيل كي لا يتمرغ رأسه في الغبار.
قررت أن آخذه إلى البيت لأنني أعرف أن أمي سوف تفرح بأكل لحمه الأبيض اللذيذ مع البرغل. قرعت الباب ففتحته أمي بسرعة.. وحدقت في الديك. امتلأت عيناها دهشة عندما رأت ذاك الطير الكبير ذي الثلاثين رطلاً معلقاً على يدي.
من أعطاك هذا الديك؟ صرخت أمي بعينين واسعتين.
- لقد وجدته يا أمي.. قلت.. ممسكاً بالديك بيديّ الاثنتين الآن، وحقيبتي مرمية على الحائط قرب الباب.
جاء أخي الكبير ونظر من خلف كتفي أمي. كانت عيناه منتفختين من النوم. رفع أحد حاجبيه وتفحص الديك باهتمام ثم عاد إلى الداخل. لم يكن أخي يحب المفاجآت.
سألت أمي: أين؟
- في ساحة أبو حنبل
- هل كان أحد بالقرب يراقب؟
- لا يا أمي
- كيف تعرف ذلك؟
- نظرت حولي قبل أن أمسكه
- هل أنت متأكد؟ كانت عيناها سوداوين تلمعان بالشك
- بالطبع يا أمي.. أنا متأكد.. أقسم
- قلت لك أن لا تحلف..وانتشلت أمي الديك من يديّ الصغيرتين ودخلت به وهو يصرخ ويتلوى دون جدوى .
لحقت بأمي البدينة إلى المطبخ لأرى ماذا ستفعل بهذا الديك المسكين. فتحت أمي جاروراً وأخرجت بعضاً من خيط القنب.
- حسناً يا سيدي.. قالت
ووضعت الديك على الرقاقة العربية وربطت رجليه بخيط القنب بإحكام
اختلج الديك على الأرض فضغطت أمي عليه بركبتها لتهدئه، ثم رفع رأسه محاولاً دفع نفسه للأعلى لكن أمي ضغطت بثقل أكثر مائلة للأمام. فتح الديك فمه كأنه ينوي أن يقول شيئاً مهماً لكنه أغلقه وأغمض أجفانه.. كانت عيناه مليئتين بالغضب واليأس عندما انتهت أمي من ربطه.
انتصبت والدتي وهي تتنهد بعمق
- ابنٌ صالح.. قالت مبتسمة مداعبة شعري البني المجعد وهي ما تزال تتنفس بعمق
وراحت تتمايل يمنة ويسرة خارجة من المطبخ إلى الغرفة الشرقية وتبعتها كما يتبع فرخ البط أمه.
- رشيد .. صاحت لأخي
- نعم.. رد أخي من داخل غرفته بصوت ممتلئ نعاساً وبطالة
- اذهب وادعُ عمتك فاتنة وأولادها.. وأخبرهم أن أخاك وجد ديكاً كبيراً.. سأطبخه الآن مع البرغل
ألا تستطيعين أن ترسلي سيدي-
- اذهب وادعُ عمّتك ! قاطعته أمّي، متجهّمة في وجهه. وجد أخوك ديكاً روميّاً، وماذا وجدت أنت..كوسا!!
انحنى أخي على حذائه المغبرّ والتقطه . تهذّب، نظر بحدّة إليّ . مشى إلى عتبة الغرفة الغربيّة وجلس واضعاً حذاءه أمامه . كان رأسه يتدلّى مثل بطّيخة كبيرة، والشّعر البني المستوي يهتزّ بينما يعقد رباط حذائه. كانت كتفاه طريّتين، بيضاوين كالحليب، لكنّ ساعديه كانتا صلبتين لوحتهما الشمس.
فتّشت أمّي للحظة في صدرها خلف القفطان وأخرجت ورقة نقدية 100 ريال (100 ريال تساوي 40 سنتاً أمريكيّاً تقريباً) ناولتني الورقة قائلة: اذهب إلى بابا سالم (صاحب دكان الرّكن)
واشترِ بعشرة ريالات بهاراً، وثوماً بخمسة عشر ريالاً ، ونصف كيلو بصل جيّد، وحمّصاً جافّاً بثمانية ريالات، وبعد أن حقّقت داخل المطبخ لبرهة، ولا تنسَ إعادة الباقي
- بالتّأكيد، يا أمي.
كانت الورقة دافئةً عندما أمسكتها. خرجت إلى المحلّ وخرج أخي لدعوة العمّة فاتنة. كان للعمّة تسعة أطفال، ثلاث إناث وستّة ذكور. كان أكبرُهم صبيةً في العشرين، و أصغرهم طفلة في الرابعة.

في طريق عودتي من محلّ البقالة، رأيت أمّي تجلس على الأرض فوق خشبة منصدعة قديمة، بجانبها قدر ماء ساخن. كان الدّيك الرّوميّ ميّتًا. قد أجهزت عليه بسكّين. كان يستلقي أمامها، ساكناً دون حراك، وكانت قدماه حرّتين، لكن فوق بعضهم البعض. صبت الأمّ الماء السّاخن على ذبيحتها ثمّ نتفت ريشه، مجموعة إثر أخرى. انخلع بعض الرّيش بسهولة، وكان عليها أن تبرطم و تتجهّم لنتف الجزء الآخر. كانت تقذفه من يد إلى أخرى بوحشية، وتعريه من ريشه. صار الآن أبيض ومضروباً في كلّ مكان. بعدها انتزعت أكبر سكّين في البيت و دفعتها في أمعائه. اهتزّ الدّيك الرّوميّ من التّأثر وبقيت عيناه منغلقتين. فتحته، كسرت قفصه الصّدريّ، وسحبت أمعاءه. انتشرت الأبخرة السّاخنة إلى الخارج مع رائحة أمعاء غريبة استقرّت في البيت بكامله. دفعت الأمّ أمعاءه في كيس بلاستيكيّ وحرّكته ملطّخاً بالدّماء إلى الجانب، ويداها ممتلئتان بالكتل الصّغيرة..
- لا تقف هناك !صاحت عليّ . اذهب قشّر البصل ! نسيت الأمّ أننيّ لم أذهب للمدرسة
يا أمي.. وأسرعت إلى المطبخ- بالتّأكيد،
خلال لحظات قليلة، دخلت أمي المطبخ ورمت الدّيك ليرتطم على الطاولة. لوّحت بالسّكّين الكبير على جسمه و فجأة طعنته بين أحد رجليه و الصّدر.
بدأت بتقطيعه إلى قطع صغيرة. الرجلان أولاً، الجناحان ثانياً، ثمّ الجذع. رشّت الملح والفلفل على القطع وقلّبتها، ثم رشّت بعض البقدونس عليها. بعد ذلك سحبت مجموعةً من حقائب بلاستيكيّة صغيرة من الجارور وفتحتها للوصول إلى توابلها السّرّيّة. صبّت زيت الزّيتون على القطع ورشّتها بتلك التوابل السّرّيّة. غسلت يديها أخيرًا. كانت قطع الديك جاهزةً أن تُلْقَى في القدر للطّبخ.
رقصت قطع الدّيك الرّوميّ والخضار بسرور في القدر. لعقت نارُ الموقد قاعَ الوعاء بنهم. كان المطبخ ساخنًا ورطبًا من الطّبخ، ووجه أمّي يتعرق.
بعدها صار الدّيك والبرغل جاهزين أن يُوَزَّعَا عندما جاء أخي، والعمّة فاتنة، العمّ بوشتا، وبعض من أطفالهم. ازدحم البيت كله بالنّاس الجائعين . اقترب العمّ بوشتا مني وداعب شعري بيده الصّلبة وقال: عمل جيّد، أيها الولد. ثم ذهب إلى المطبخ للتّكلّم مع أمي. قرّبت العمّة خدي وطبعت قبلة قوية.. ولدٌ شاطر! قالت، وقرصت خدي إلى درجة الألم تقريباً. راقبها أولاد عمومي بحسد.

- ماذا يجري؟ قال أبي عندما دخل البيت. جاء متعباً من العمل، يعلوه الزيت والغبار
- وجد سيدي ديكاً روميّاً كبيراً.. قالت الأمّ. وجده في ساحة أبو حنبل. ولد شاطر..
اقترب أبي مني و شدّ شعري المجعّد بقوة، وجعل رأسي يهتزّ تحت يده الخشنة. ابن جيّد!! قال،
ونظر فيّ بعينيه البنّيّتين الكبيرتين وابتسم برضا. كانت أسنانه صفراء من التّدخين، وعيناه رغم كبرهما، متعبتين من العمل الشّاقّ. تنبعث من أبي دائماً رائحة الدّخّان، ودهان السّيّارة والشّحم، حتّى بعد استحمامه.
صرت فخوراً بنفسي عندما داعب شعري وابتسم لي. كنت في الرابعة عندما داعبني آخر مرة. أردت الخروج في تلك اللحظة إلى الساحة ثانية لأمسك بديك روميّ آخر.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* سِيدي الشرقاوي بن زهرة من مواليد الرباط، المغرب. هاجر إلى الولايات المتحدة منذ ربع قرن ودرس الفيزياء. يعمل حالياً أستاذا للفيزياء في جامعة نورث داكوتا. يكتب القصة القصيرة والرواية.


Author Bio

Sidi Cherkawi Benzahra
Sidi Cherkawi Benzahra is a professor of physics at the Joint Science Department of the Claremont Colleges. He obtained his PhD in high energy physics from the University of Minnesota in 2001 and taught physics at Wittenberg University, North Dakota State University, California polytechnic State University, and at the Claremont Colleges

* مقطع من قصة طويلة من مجموعة "قصص مغربية"
نقلها إلى العربية لطفي حداد*
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...