كليلة و دمنة عبد اللطيف المصدق - كليلة ودمنة وحديث القنبلة النووية..!!

كليلة ودمنة
وحديث القنبلة النووية..!!
عبد اللطيف المصدق



جاء في مقدمة كتاب كليلة ودمنة أن السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز ملك الفرس (بروزيه) رأس الأطباء إلى بلاد الهند لاستخراج كتاب كليلة ودمنة، وما كان من تلطف (بروزيه) عند دخوله إلى الهند، حتى حضر إليه الرجل الذي استنسخه له سراً من خزانة الملك ليلاً، مع ما وجد من كتب علماء الهند. وقد ذكر الذي كان من بعثه (بروزيه) إلى مملكة الهند لأجل نقل هذا الكتاب، وذكر فيها ما يلزم مُطالعه من إتقان قراءته والقيام بدراسته والنظر إلى باطن كلامه؛ وأنه إن لم يكن كذلك لم يحصل على الغاية منه، وقد ذكر السبب الذي من أجله وضع بزر جمهر باباً مفرداً يسمى باب (بروزيه) الطبيب، وذكر فيه شأن (بروزيه) من أول أمره وأوان مولده إلى أن بلغ التأديب، وأحب الحكمة واعتبر في أقسامها….)

يفيد هذا الخبر الذي اقتطفناه من مقدمة( كليلة ودمنة) في نسختها العربية المتبقية التي يرجع الفضل في تجدد حياتها واستمرارها في معظم لغات العالم، إلى اليوم وإلى أن يشاء الله، إلى الكاتب الألمعي عبد الله ابن المقفع الفارسي الأصل الذي ترجمها إلى العربية في صدر الدولة العباسية، في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور.
وقد قتل ابن المقفع بسبب مضمون هذا الكتاب الذي تختلط فيه السياسة بالحكمة وبالفلسفة وبكثير من العقائد الأسيوية القديمة، الشيء الذي ثبَّت عليه تهمة الزندقة التي كان مآلها في ذلك الوقت الإعدام، من لدن أعدائه وخصومه الذين زينوا للحاكم قتله.

ولا نريد هنا أن ندخل في تفاصيل حقيقة هذا الكتاب و مترجمه وحكاياته الخرافية الممتعة، ومراميه البعيدة الضاربة في صلب علوم الأخلاق والتربية، وتدبير الشأن العام والخاص في حالتي السلم والحرب، ومعالجة الفساد والاستبداد…، ولكننا ننبه فقط إلى تلك الهالة الكبيرة التي أحاطت بهذا الكتاب، والأسرار والمخاطر التي حُفت به عندما عمد ملك الفرس، قديما، إلى استخراجه سرا وبالحيلة من بلاد الهند، رغم الطوق والحصار الذي ضربه الهنود على هذا الكتاب في لغتهم، ضنا منهم به على بقية الخلق حتى لا يتجاوز تأثيره وسحره حدود بلادهم، لاعتباره سرا من أسرارهم الخطيرة التي لا يمكن أن تتجاوز حدود بلادهم.

وعند ما تمت قرصنة هذا الكتاب بالطريقة التي أشرنا إليها سابقا صار تداول هذا الكتاب ممكنا على نطاق واسع حتى صار كتابا عالميا، وخاصة بعد الترجمة الجيدة المحكمة لابن المقفع التي لم تفقده شيئا من سحر بلاغته وعظيم فائدته ومضمونه، لاقتداره اللغوي، وموهبته الأدبية الفذة باللسانين معا: العربي والفارسي وحتى السرياني.

وإلى الآن لم تتغير نظرة الناس في العالم أجمع إلى هذا الكتاب الممتع، ولا زال الإقبال عليه كبيرا ومتزايدا في صفوف الصغار والكبار.

ولعل الذي ذكرني بهذا الكتاب اللغز والأسطورة ما يجري الآن بين إيران الفارسية والولايات المتحدة الأمريكية وبقية حلفائها من الدول الأوربية من لعبة شد الحبل وإرخائه بخصوص حديث القنبلة الذرية في نسختها الفارسية، ومشروع إقامة سلسلة من معامل التخصيب النووية المتكاملة على الأراضي الإيرانية.

لقد أصبحت إيران قاب قوسين أو أدنى من امتلاك سر مختلف التطبيقات النووية، بعد أن أظهرت حرصا وتعلقا كبيرا على إحراز هذا السر كاملا غير منقوص، بعدإعلان انضمامها إلى نادي البلدان النووية جهارا.
هذا السر النووي السحري الجبار صار اليوم بمثابة صمام الأمان للدول الحديثة تشمخ به عاليا، ويحق لها بفضله أن ترفع صوتها مدويا، ويمكنها من درء كل الأخطار والتهديدات الخارجية، ويضمن بقاءها في صفوف الدول الكبيرة إلى أمد بعيد.

ما أشبه سر كليلة ودمنة بحديث الأسرار النووية، في جوانب الحكمة والحياة والعزة والموت..!!

ترى، هل استفاد حكامنا من دروس كليلة ودمنة، أم تعلموا منها فقط دروس الإبادة ووأد أفكار الحرية، ونزع أنياب الفكر، وقلع أضراس البحث والتنمية بحجج واهية كالمس بالأمن أو الهوية ؟!!.

وأي وضع جديد سيتعاملون على أساسه، بعد الآن، مع جيرانهم الفرس الذين لا يمكن لأحد أن ينكر فضلهم على اللغة العربية، وعلى معظم حركة التأليف العربية والإسلامية التي أسهم فيها الفرس بالنصيب الأكبر كما أقر بذلك العالم الجليل ابن خلدون في مقدمته المشهورة؟!

وهل سيخذلونهم كما خذلوا حماس إذا ما كشرت أمريكا وحلفاؤها عن أنيابهم الوحشية التي لا زالت تقطر بدم العراقيين الأبرياء، أو إذا ما هددوا بضربها وقضمها ونهشها كما فعلوا بالعراق وأفغانستان؟؟!!.

وما أشبه عالمنا اليوم بمملكة الحيوان التي رسمها كتاب (كليلة ودمنة) لكن، حيث يمكن للأرانب الخائفة والحيوانات الضعيفة أن تتعلم وتقهر الظلم وتنتصر إذا أحكمت توجيه سلاح إرادتها وتصميمها في مقتل السباع الضارية.

ولا أملك هنا، إلا أن أحيل حكامنا من جديد على باب ( الحمامة المطوقة) من (كتاب كليلة ودمنة) إذا جازت لي تلك الإحالة، وهل أنا إلا ناعق بكلمات عابرة تضيع في صحراء قاحلة، وقد يرجع صداها إلي بما لا يطيقه حِملي وصبري واحتمالي!!


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...