نقوس المهدي - قرية لمزيندة.. حيرة الكائن بين الواقع والإخلاص للأمكنة الضائعة

* (يكفي لمزيندة فخرأ انها انجبت الأخوين مبارك وعبدالقادر وساط)

*****

"ويحدث أن أكون بمكان
وقلبي بمكان آخر !!"
شمس التبريزي

***

"أعيش وأشتغل في المغرب.هذا البلد يمتلك قوة حية.أنا مدين له بولادتي، باسمي وبهويتي الأولى.كيف لا يمكن أن أحبه بعطف! عطف بناء ويقظ.البلد ليس هو مكان الازدياد فقط ولكنه اختيار شخصي يقوي الإحساس بالانتماء."
عبدالكبير الخطيبي

*****

أمران يحار المرء في الحديث عنهما: شيء يعجز عن الكلام عليه، وشيء لا يستطيع اختصار ما يعرفه عنه. هكذا يبدو الحال ونحن بصدد التحدث عن المكان الأول، حيز زمكاني اكتسب هويته مما اكتنزه من رصيد الوفاء والمحبة، وأطياف الذكريات، وصدى الحنين، جغرافيا وتاريخ وإمكانات أنطولوجية محدودة، لكنها حميمية وغائرة في أعماق الوجدان، نستشعر معها دفء الحياة في العشيرة كما يقول الروائي الطيب صالح في نهاية الفقرة الاولى من رائعته (موسم الهجرة إلى الشمال)، قرية علمتنا الإخلاص والوفاء للصداقات الثمينة، مثلما تعلمنا من آبائنا الكادحين التصبر والقناعة والتواضع والكبرياء ونكران الذات الذي لقنته إياهم صلابة الصخور، وعتمات المغاور، وطرقات الفؤوس والرفوش..

الإنسان جماع ماضيه، أفراحه ومآسيه، هذا ما لقنتنا إياه علوم الأنثربولوجيا، مما يجرنا إلى تمثل المدينة المثالية الفاضلة كما تصورها المعلم الثاني، وقبله أفلاطون، وكما جسمها قبلهما المهندس المعماري الإغريقي هيبوداموس إبان القرن الخامس قبل الميلاد،

ويروي ابن الفقيه الذي عاش خلال القرن العاشر الميلادي في (كتاب البلدان) عن مدينة، ( لم ير الراؤون مثلها ولم يسمع السامعون بمثلها)، مكتفيا بالإشارة إلى أنها من عجائب الأندلس
في ما بعد بستة قرون سينحت البريطاني توماس مور مصطلح "اليوتوبيا"، وهي لفظة تكاد تقترن بكلمة (الطوبى) وهي من نوادر الجموع لكلمة طيّب، وتعني الغبطة والسعادة والحظ والخير وما شاكل ذلك من المترادفات، ليصف عبرها قصة جزيرة تعرف نمطا من العيش مخالف تماما لإقطاعيات الأزمنة المظلمة

نأتي على ذكر هذه الحقائق شبه الأسطورية، لنلخص في شئ من العجالة تاريخ قرية "لمـــزيندة" التي يذهب أبناؤها إلى وصفها تجاوزا بالمكان الأكثر هدوءا في العالم، والإشارة لنمط الحياة الهادئة الهنيئة، وروح الألفة والتآزر والتكافل الذي يؤلف بين قلوب ساكنيها، وتوفير السكن لساكنيها مع الماء الصالح للشرب والكهرباء مجانا. واستحضار أسماء العائلات الكثيرة التي تعاقبت منذ بداية خمسينيات القرن الماضي، وتبوأ أبناؤها أسمى مناصب المسؤولية، وأسماء أشخاص آخرين بصموا الحياة فيها، وتحتاج الكتابة عنهم الكثير من الصفحات (صالح أوقربيلا، باي العروبة، زايدة المرأة الحديدية، عنتر، امحيمد مول الصاكة، عليلة، باماكو، بلخير وآخرون)، زيادة إلى أن الغريب فيها ليس كغريب المتنبي (غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ) بل يتوفر له المأوى المجاني بكل مستلزماته الضرورية وفيوضا من العناية والحنان والترحاب، قد لا يجدها إلا في مدينة فاضلة مما ذكرنا

" لمزيندة" القرية الاكثر هدوءا في العالم

في الحقيقة لا نعرف شيئا عن مصدر ومعنى اسم (لمزيندة) ، فالاسم يحيلنا على الكلمة الدارجة "الزناد" التي تعني الحجر الصلب الذي ينتج شرارة لدى حكه ببعض ، بالمقابل نجد الاسم نفسه يشترك مع اسم مكان آخر ، شبه قفر وخال تابع للحوض المنجمي بالجنوب الشرقي التونسي وهي منطقة فوسفاطية أيضا، ولاغرو أن يكون الاسم قد جاء من هناك مع المستكشفين الفرنسيين
فهي قرية منجمية فوسفاطية نموذجية شيدت لتستقبل المستخدمين المشتغلين بمورد 3، خلال عقد أربعينيات القرن الماضي، وبدأت تستقبل ساكنيها الجدد ببداية الخمسينيات، تحديدا حسب بعض المعطيات سنة 1953، أي بعد اليوسفية التي ابتدأت فيها أشغال البناء سنة 1931، وبعد سنين قليلة من قرية مول الواد القريبة من المورد 2، وتقع على بسيط شبه منحدر بمنطقة الكنتور، على تماس الحدود بين قبيلتي احمر والرحامنة -أولاد ليم سابقا-، بحيث تشرف على العديد من الأماكن وتظهر للرائي على بعد مسافة طويلة ، بيوتاتها مبنية على شكل تصميم موحد، على شكل مستطيلات منفصلة 8ء8 و 6ء6 بحسب إطارات ( ايكوشار Ecochart)، ببنية تحتية أساسية وضرورية (مدرسة، مطحنة، مسجد، مستوصف، مقتصدية، مكتب نقابة، فرن، أزقة مسفلتة، سقايات، شبكة لتصفية المياه العادمة، مركب رياضي لجميع الرياضات (كرة قدم، كرة يد، كرة سلة، مضمار لألعاب القوى)، حديقة، تشجير، ناد للعمال به مكتبة صغيرة، مكتب رئيس القرية وهو المسؤول عن الأمن والنظافة، والحاكم الذي يفض النزاعات بطريقة عرفية عادلة بحيث لا احد يلجأ للمحكمة إلا في الحالات المعقدة) هذا إلى جانب الرعاية الاجتماعية التي كانت توفرها مصلحة الشؤون الاجتماعية للمكتب الشريف للفوسفاط لأبناء القرية

في علاقاتنا بالأمكنة ننطلق عادة من أكثر الأشياء خصوصية، نندغم فيها إلى ما يشبه الحلولية، لنصل إلى الحيز المكاني الذي ينجذب إليه الخيال، وتحديدا إلى البيت، بصفته الملاذ الحميمي لأحلام اليقظة، الشيء الذي يضفي عليها شاعرية وجمالية وحميمية، ونستحضر هنا بيت أبي تمام حبيب بن أوس بن الحارث الطائي

كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى
وحنينُـه أبـداً لأوّلِ منـزلِ

وبعكس ما تذهب إليه الفلسفات الميتافيزيقية، بتصورها بأن الإنسان مقذوف عشوائيا في العالم، متماه فيه لدرجة الذوبان، مستلب مرهون للعدم، منذور للحيرة، فإن فلسفة هيغل الجمالية تنتصر له بحجم تأثيره وانفتاحه على محيطه والسيطرة عليه بالوعي والحكمة

ويحفظ لنا الشعر القديم العديد من الأمثلة عن الشعراء الذين ارتبطوا بالأمكنة وشحنوا كتاباتهم بكم هائل من لواعج الفراق وتباريح الحنين الثاوي بين الضلوع، وقد كان ارتباطهم بها في أشد حالات ومظاهر قسوة وابتئاس الطبيعة، والإنسان على الخصوص مرتبط بالمكان وبالزمان أيضا بصفته البعد الرابع للمكان، حتى في نأيه وشتاته، وحله وترحاله، إنه بمثابة القبض على الزمن الضائع ، ذلك انه في وجدان كل شخص يمثل مكان أثير، يوقظ في الأعماق دبيبا يسري سريان الدم في الأوردة، موقظا مزيجا من الذكريات بكل ظلال تفاصيلها وخصوصياتها وتداعياتها، وأطياف مباهجها ومواجعها، فالمرء لا يتذكر الماضي لجماله، ولكن يلجأ إليه لبشاعة حاضره. هكذا يحدونا الحنين الجارف الذي يضفي بعدا جماليا على هذه الأمكنة التي لا تظل محايدة في رمزيتها وأيقونيتها، ومجرد أشكال فسيفسائية ذات أبعاد هندسية ومعمارية فحسب، فهي أماكن للألفة، وبها تشكل نمونا الطفولي، وتحدد وعينا الطبقي، وفيها عشنا وعاش أشخاص يشيعون نوعا من الدفء في الأمكنة، وارتبطنا بهم علائقيا، وتقاسمنا معهم الخبز والملح

فااشاعر الضليل امرؤ القيس بن حجر الكندي يستهل معلقته الشهيرة بالبكاء على الأطلال قائلا:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الطخول فحومل

بينما لم يستطع النابغة الذبياني، وهو من أصحاب العشر الطوال و معروف بصلابته على كتمان أحاسيسه فيقف مسائلا الديار بشيء من الحيرة

يا دارَ ميَّةَ بالعَلياءِ فالسَّندِ
أقوَت وطالَ عليها سالِفُ الأبَدِ
وقفتُ بها أصَيلاً كي أُسائلَها
عيَّت جَواباً وما بالرَّبع من أحد

ويقول طرفة بن العيد وهو أحد اوائل الشعراء البوهيميين الوجوديين في مستهل معلقته

لخولة أطلال ببرقَة ِ ثَهمَدِ،
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وُقوفاً بِها صَحبي علَيَّ مَطيَّهُم
يقولونَ لا تهلِك أَسى وَتَجَلَّدِ

وتتواتر مساءلة الأمكنة واستدعاؤها من طرف باقي شعراء تلك المرحلة وصولا إلى منتصف العهد العباسي تقريبا حيث نم الانقلاب على المقدمة الطللية ونبذها نهائيا
ولأهل الفلسفة نصيب في تناول هذه الامكنة، إذ أضفوا عليها بعدا جماليا، أهمهم الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي غاستون باشلار الذي ينطلق في علاقته بها باستدعاء " البيت القديم، بيت الطفولة، بصفته مكان الألفة، ومركز تكييف الخيال، وعندما نبتعد عنه نظل دائماً نستعيد ذكراه، ونسقطه على الكثير من مظاهر الحياة المادية، فـ "البيت القديم"، كما يصفه باشلار "يركز الوجود داخل حدود تمنح الحماية". أي الانتماء للأمكنة، والإنسان في طفولته يكون ارتباطه رهينا ببيت معين، بيت الطفولة، الكون الأول الذي يبعث على الأمن والأمان والسكينة

وفي وجدان كل واحد يهيمن مكان محدد ، بمبانيه وروائحه وضجيجه، بأحداثه، وطقوسه وناسـوته، وقد ارتبط العديد من الأدباء بمدن وأماكن محددة، حيث ارتبط محمد شكري بــ "طنجة"، ومبارك الدريبي بــ "القنيطرة"، ونجيب محفوظ بــ "القاهرة" المعزية، وإدوار الخراط وإبراهيم عبدالمجيد بــ "الإسكندرية"، والطيب صالح بـ "كرمكول" وهي قرية صغيرة ومغمورة بخارطة السودان، وحنا مينا بــ "اللاذقية"، وعبدالسلام العجيلي بــآ "الرقة"، ومحمد خضير بــ " بصرياثا"، وإسماعيل فهد إسماعيل بـ "السبيليات"، ومحمد الماغوط بــ "سلمية"، وغادة السمان بـــ "بيروت" ، وأمين الزاوي بــ "أمسيريدا " ، وجيمس جويس بــ "دبلن" وبول اوستر بــ "نيويورك"، وغابرييل غارسيا ماركيز بــ "ماكوندو"، وهي قرية من بنات متخيل هذا العبقري العالمي الكبير

****

" لمزيندة" في المنجز الإبداعي

في قصته " وكانت قفزة العمة أقوى " يقول القاص والشاعر المغربي مبارك وساط، وهو واحد من أبناء هذه القرية الوديعة، وأحد الشعراء والمترجمين العرب المشهورين :

( لم يكن مهدي، وهو الآن في العاشرة، قد وجد نفسه في تواجهٍ مباشر - وعلى مسافةٍ قريبة جدًّا - مع شخصٍ مُخيف، يَنعته الآخرون بـ"المجنون"، قبل صبيحة يوم الخميس ذاك، وفي قرية الدخَّانَة بالضبط. لقد مرّ الآن على هذا أكثر من شهر. كما أنّ عائلة مهدي عادت من زيارتها الصيفيّة للدخَّانة - القرية التي وُلد فيها عبدالمولى، والد مهدي - بعد أن قضتْ هنالك ثمانيةً وعشرين يوماً، وها هي الآن في بلدة لَمْزِينْدَة – التي تَبعد عن الدخّانة بحوالى ثلاثين كيلومتراً- إذ إنّ الإجازة السنويّة لوالد مهدي انتهت، وعليه أن يعود إلى شغله في أحشاء الأرض، فهو يَشْتغل في منجم للفوسفات.

في لَمْزِيندة، ينفتح بيت عائلة مهدي على خلاء فسيح يُؤدّي إلى تلّة صغيرة تنحدر بدوْرها في اتجاه مقبرة البلدة. وإذ يخرج المرء من هذا البيت، فهو يجد على يمينه مساحاتٍ معشوشبة شاسعة تتخلّلها بقعٌ جرداء وصخور، ويرى على يساره طريقاً تمرّ ببيوتٍ، ثمّ بسقّاية عموميّة، أُثْبِتَتْ في جدارها ثلاثة صنابير، وطُليَ الجدار بالفسيفساء. وهذه الطّريق هي التي سيسلكها مهدي مجدَّداً إلى المدرسة، حين تنتهي عطلة الصيف
بعد عودة عائلة مهدي إلى لمزيندة بنحو عشرين يوماً، اشتدّ المرض على رحمة، أمّ مهدي، وتقرّر أن "ترقد" في المستشفى الكبير باليوسفيّة - المدينة الصّغيرة القريبة من لَمزيندة - لفترةٍ قد تطول. ولذا، فقد دُعيت عمّة مهدي، للّا الضّاوية، من قبل الأب لتشرف على الحياة اليوميّة للأُسْرَة. وجاءت العمّة ومعها عليّ ابنها. وكانت لمهدي بضعة كتب، وعددٌ واحد من مجلّة "المزمار"، وهو عبارة عن ورقة طويلة وعريضة، مطويّة على أربع، وبها رسوم وحكايات وصور. في مساء يوم وصول العمّة، قالت إن مصباح الغرفة الكهربائي يصب على رأسها سخونته الشّديدة ويكاد يذيب مخّها...)

***

في حوار مطول في العدد الـ 8 لمجلّة هسبريس من انجاز حسن الأشرف بعنوان ( أبو سلمى.. الرجل الذي تخضع له الكلمات) ، يتحدث الدكتور عبد القادر وساط ، المعروف بــ ( أبي سلمى ) وهو أحد أشهر أصحاب الكلمات المتقاطعة والمسهمة، والكلمات الفربية، وأشرف على إخراج أضخم موسوعة فكرية وعلمية وطبية في العالم العربي صدرت عن دار عكاظ

( طفولة وساط عبد القادر
في قرية صغيرة تسمى "لَمْزينْدَة" قرب مدينة اليوسفية، ولد عبد القادر وساط يوم التاسع من ماي 1958، وكان هو الطفل الثاني لأسرة ستصير مكونة من سبعة أبناء.. رحلت الأسرة عن قرية لمزيندة هذه وهو في السابعة من عمره، لكن تلك المرحلة من طفولته بقيت مطبوعة في ذاكرته بوضوح لا يُتصور
هناك، في تلك القرية، التحق الطفل عبد القادر بالمدرسة وهو في الخامسة من العمر.. وما يزال يتذكر أبو سلمى جيدا شخصا يدين له بالكثير، إنه أستاذ اللغة العربية في قسم التحضيري ثم في الابتدائي الأول، واسمه "عبد السلام بنسلطانة" الذي لم ينسه بدوره حيث زاره هذا المعلم قبل سنوات قليلة بالمستشفى الذي يشتغل فيه، حيث جاء لرؤيته من أجل استعادة الذكريات القديمة، فكان لقاء لا ينساه عبد القادر بين معلم وتلميذه النجيب بعد أن شارف حينها على الخمسين من عمره، وفي "جعبته" ثلاثة أبناء)
وما يتذكره وساط/ الطفل أيضا من رجال "لمزيندة" وجه خاص يعود إلى الفقيه "سي عمر أبو حفص" تغمده الله برحمته: "كنا ندرس عنده في الكتّاب، ونحفظ القرآن على الطريقة المغربية التقليدية: اللوح الخشبي و (الصمخ) والصلصال و(التحناش)، والكُرّاك الذي كان يسهل عملية الحفظ، ثم حصص "الفلقة" التي تتكرر بانتظام مؤلم.. هذا الفقيه بقيت صورته مطبوعة في ذاكرتي إلى اليوم، كان رجلا وسيما جميل القسمات، ولكنه كان شديد الصرامة في الوقت نفسه" يقول أبو سلمى.)

***

وأهدت فاطمة قيسر، وهي من مواليد قرية لمزيندة لها ديوان شعر موسوم بـ ( ترانيم من بوح بلقيس)، قصيدة إلى مسقط رأسها جاء فيها:
(يا موطن العز أمهلينا
نقلب ثراك ، نرويه شعرا لجينا
عذرا لا لوم علينا إن تهنا
وفرقتنا الأقدار سنينا
حملنا حبك في الأحشاء جنينا
هو ذا يبلغ أشده ، يرسم الشوق حنينا
أتيناك نحث الخطى
كقيس يمر بديار ليلى
يروي الذكرى ويبكي حبا دفينا)

***

في موضوع بعنوان (نبش في ذاكرة قرية) تقول فتيحة التويجر

( هنا تبدأ الذاكرة المشتركة ،
هنا أمكنة لاينفع معها النسيان ،
أمكنة يسكنها التاريخ وأخرى تسكن التاريخ وتتفرد به.
هنا شوارع تمشي الحرية فيها من حي لاخر ، ومن زاوية لاخرى ، فالحرية في هذه الامكنة زهو وكبرياء وقرون من التحدي.
هنا أمكنة لا يمكن الانتماء اليها دون ان تكون لك معها علاقة عشق نسجتها خيوط التاريخ مند
هنا تتوقف الداكرة وتستفيق ويستفيق عشق الزمن الضائع.
كلما وقفنا على ترابك تتبعثر ذاكراتنا وتذهب لأكثر من وجه .... وأكثر من ذكرى .... وأكثر من اسم ، و اكثر من حلم ....
نشعر برغبة في فتح أبواب اخرى مغلقة على اسرارك ، ابواب لم تبح بعد بالذي حدث والذي لم يحدث بعد ، فمن يرد دين أولئك الذين مروا من هناك ودخلوا دهاليز البسيان.
أكثر اللحظات فرحا...... أكثر اللحظات جنونا ...... أكثر اللحظات وجعا ، وجع الذكرى ...... فكم من الكلمات يلزمنا وحروف عشقك لم تكتب بعد صرنا ننحاز معك لكل الحروف التي تشبهك .
لميم المجد ،
وزاي الزهو والكبرياء ،
ونون النخوة والعنفوان ،
ودال الذكرى ،
وتاء التيه والحرقة والخوف الدائم من النسيان.
صرنا ننحاز لكل النقاط المبعثرة على خارطة الذاكرة ،
لقرية تواطأت معنا ومدت دراعيها لاحتضاننا ،
لقرية ظلت وفية لذاكرتنا المشتركة)

***

ويقول القائل في واحد من نصوصه التي نشرها بجريدة المحرر سنة 1979
(في الأفق الشاسع انتشرت سرابا تدوسين فقر الفيافي وشريان قلبي..
ناديتك حتى جف مني الحلق وتيبست الكلمات...
كانت الريح تمشط أهدابها وتصهل..
بينما الهضاب ترتجف من عفونة الخوف الأبدي الذي اخبرني الوطن / الأم / الحب انه يخرج من بين الصلب و الترائب..
أشرت للريح فاهتزت ، فكنت أنت من استدارة الخبز وتجويفة الجوع)

***

للأسف الشديد ( المرء لا يستحم في النهر مرتين ) كما قال هيراقليطس، والزائر من أبنائها الأولين سيصدم كثيرا، لاختفاء كل أسباب التمدن بها، وسيصاب بالذهول إزاء حالة الترييف البشعة التي زحفت إلى كل جنباتها، واحتلال أرصفتها، وتغير ملامحها وتدهور بنياتها، واندثار الأشجار العديدة والمتنوعة التي كانت تسيجها من كل جانب، وتمنحها رونقا وبهجة، لكن لا راد لهذا التحول الرهيب والمؤلم الذي يلحق بالمدن والقرى ، ليس هنا بالمزيندة فحسب، لكن بكافة المدن المنجمية على السواء لإتلاف هويتها وطمس معالمها
وليس غريبا إن تناول العلامة ابن خلدون في الفصل السادس والعشرين من المقدمة وعنوانه " في أن الأعراب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب"

ونختم بهذين البيتين من الشعر أوردهما الإبشيهي في المستطرف في كل فن مستظرف
بلاد ألفناها على كل حـالةٍ = وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
وتُستعذب الأرض التي لا هوى بها = ولا ماؤها عذب ولكنها الوطن

على كل حال الوفاء للمكان هو وفاء لماضيه الأثير، لذاكرته اليانعة، ولناسه الطيبين، ويكفي لمزيندة فخرأ انها انجبت الأخوين مبارك وعبدالقادر وساط...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مداخلة حول المكان قدمت يوم السبت21/04/2018

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...