ماماس أمرير - غرفة العمليات

حين سحبت ابنتي سديم يدها من يدي، وأنا أدخل غرفة العمليات، أحسست بقلق شديد!
كان الموت أيضا موضوعا حيوياً باستمرار! ومطرقة تكسر كل أمل في أن أرتب أفكاري، طيلة هذه مدة التي سبقت موعد العملية، خوفي على بناتي، وحده الإحساس الذي يزلزل كياني في كل ملمّة.
أول شيء لفت انتباهي بغرفة العمليات، مساحتها الواسعة جدا، ولونها الأزرق السماوي.... ذكرتني بالمسلخ؟!
سخرت من المقارنة، وأرجعتها لخوفي الشديد من الألم والموت.
مساحتها تقترب من مساحة ملعب لكرة الطائرة أو كرة اليد ...لكن الفرق مخيف ومقلق، فرائحتها تثير قلقا فريداً...
كل الصخب والعنف الوجودي، الذي أفسد حياتي يحضرني الآن!
تذكرت فولكنر وصخبه و روايته التي تعج بالألم؟! سخرت من أفكاري في هذه اللحظة، لكن شريطاً من الذكريات يحتل رأسي بعنف. ذكريات تمر بتوتر سريع: غربتي، بناتي، نكباتي، وجعي الذي يتفاقم، أفكاري العصية، ربما الأمر يتجاوز ظرفا طارئا كهذا، إنه يتعلق بجحيم الفرد، غربته، وعبث قدره؟.
أجهزة، طاولات، ومعدات تغطي مساحة الغرفة، وعدد كبير من الممرضات والأطباء يتحركون بشكل يثير القلق. حركاتهم تذكرني بخلية النحل.
كل واحد يعرف دوره، وكل واحد يوجه لي سؤالا يتعلق بوظيفته، من طبيب التخدير لطبيبة العمليات إلى آخر ممرضة.
يتوسط الغرفة، سرير مغلف بجلد أسود، عليه شرشف، لونه زيتي، حوله أجهزة خاصة للعناية بالمريض.
إن هذا يثير خوفي؟
فوقه تتدلى لمبة إضاءة كبيرة تزيد من رهبة المكان أكثر...
طلبو مني: أن أنتقل من السرير المتحرك إلى هذا السرير -الخاص بالعمليات- انزلقت إليه، بمساعدتهم، وكأنني مادة هلامية، لم أكن أختلف كثيرا عن ساعة دالي المنهارة...
إحدى النتائج المؤلمة: أن تصبح زمنا ممتلئا بالخناجر والإنكسارات والانهيارات، وابتسامتك لا تعني إلا شيئا واحدا: عجزك، وضعفك، وكل هذه الوسائل المتداعية، مجرد آلة حادة من القلق والتشبت بما يمكن أن يتحول لأمل جدير بمجازفة مروعة.
قلبي ينبض بسرعة، ضغطي يرتفع، ووجهي يبتسم وكأنني أأكد لهم: أنا لست بخائفة! الأطباء والممرضون من حولي يراقبون ضغطي الذي يزداد ارتفاعا.
أحسست ببعض الإطمئنان لأن الطبيبة أجنبية... تحدثني بعربية مكسرة... هذا طمأنني قليلا، لكنه لم يُزل خوفي تماما.
أتطلع إليهم وهم يضعون حول السرير معدات خاصة بعمليتي... تحدثوا معي كثيرا أثناء وضع الإبر، والملاقط الخاصة بنبضات القلب وجهاز قياس الضغط في يدي... يدي تؤلمني كثيرا، وكأنّ قضيبا حادا ينغرس في عروقي...
لم يكن ألم الإبر ذا شأن، قياسا بالألم المتراكم بداخلي؟! ...
كنت أستمع بقلق ورهبة وهلع شديد، لنبضات قلبي على الجهاز وهي تصدر رنينا سريعا، وداخل صدري كان قلبي كقلب عصفور صغير... لم أكن أتوقع بأنني سأصاب بنوبة خوف كهذه.... لكنني حاولت تهدئة نفسي، وإقناعها بأن عمليتي بسيطة. لكن فكرتي عن التخدير كانت سيئة، سيئة جدا...!
ساعدني الطاقم الطبي، أكالوا لي العديد من الأسئلة: تخص حياتي وعائلتي بشيء من الحميمية لتهدئتي.
لكن رأسي ما زال يمتلئ بالأفكار العنيفة، حتى أنّ أناندا ديفي كانت معي قبل دخولي لغرفة العمليات...! حرصت أن يكون كتابها رفيقا في غرفة انتظار موعد العملية، كي أقنع نفسي بأنني لا أحفل بكل ما يجري؟ وأنني أقرأ في هذه اللحظة، كأي لحظة عادية في الحياة، لكن ما يجري لا يختلف كثيرا عما بداخلي، حتى الطاقم الطبي كان يحدثني بطريقة سريعة وغير متوقعة ... قبل الإجابة على سؤال، يُطرح السؤال الذي بعده! وهكذا... كل شيء يستفز ما بداخلي من أصوات وصخب...
إنها الفوضى الذهنية تجتاحني الآن....
تذكرت مقطع ماياكوفسكي الذي يرتب الثورة بوجه هادئ... وسيوران هذا الهادئ العنيف الذي يسخر من كل شيء بمرارة... تذكرت بناتي ..أمي المريضة... وأنا أنظر بشيء من السخرية للممرضين والطاقم الطبي... وأكتشف بمرارة، داخلي المهترئ..
يبدو أن فكرة إجراء عملية، مسألة تثير زخما حاداً، وغير عادي بداخلي...
تساءلت وسط هذا الكم من الهذيان: أين الشجاعة؟ لكن الحياة كانت ضئيلة في هذه اللحظة، ضئيلة جدا!.
خلال هذا الصخب والتوتر، أخبرتني الطبيبة: بأنني سأنام بعد قليل. وعلي أن أصبح هادئة حتى أساعدهم، فالأمر بسيط جدا.
أغمضت عينيّ وابتسمت... وقررتُ أن لا أفرِّط في ابتسامتي هذه، بعد الآن.
فتحت عينيّ على صوت الممرضة تقول لي: حمد الله ع السلامة .
ابتسمت لها بامتنان كبير، وطلبتُ منها أن تناولني، نظارتي.
التفاعلات: جورج سلوم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...