عادل أوتنيل - المحتال


رن جرس الهاتف في مكتب صلاح السملالي فتناول السماعة في تبرم و تضجر، فلقد ضاق ذرعا بهذه الآلة اللعينة التي لا تكف عن الثرثرة منذ ابتياعه لكرسي مريح تحت قبة البرلمان، لكن سخطه هذا ما لبث أن توارى خلف صوت جدي حازم:
-أهلا و سهلا يا سعادة الباشا…ماذا؟…المنصب الجديد ؟…هذا بفضل كرمكم و عطفكم علي يا سعادة الباشا…إطمئن من هذه الناحية فنحن بعون الله سنكمم الأفواه و سنلجم الأفكار و سنعمل على تعميم سياسة الطبل و المزمار و الويل ثم الويل لمن تسول له نفسه خدش هيبتكم أو التطاول على سيادتكم فسنسحقه بل سنجعله يلعن تاريخ ميلاده…هذا ما لا شك فيه و ستكون الأعوام القادمة حافلة بالخير العميم و الغنائم الكثيرة الوفيرة و لكم فيها نصيب الأسد بإذن الله…
مع السلامة يا سعادة الباشا…مع السلامة..
فوضع السماعة في قرف و أخذ يجفف العرق المتصبب من جبينه ثم صعد زفرة حارقة يكاد صدره ينشق لها يا لسخرية القدر ! ! أيكون استحقاقه لهذا المنصب مرهون بتقديم فروض الطاعة و الولاء لمثل هذا الكلب الأجرب؟ ! !.. هذا هو الواقع الذي لن ينفلت من قبضته أبدا فإن ثقلت موازينه عند الباشا فسيرفع فوق الهامات و تفتح له الأبواب الموصدة و الخزائن السمينة أما ان خفت موازينه فسيهوى به إلى الوحل لتطأه الأقدام فيأنف عن مصاحبته القمل والذباب ! ! و تجول ببصره في أنحاء المكتب الأنيق فغمره إحساس عارم بالزهو و الافتخار من كان سيصدق أن هذا الطالب الفاشل سيلج يوما ما حصن البرلمان المنيع و يصبح غولا شرسا لا يجرؤ أحدا على مصاحبته على محاسبته، و مضى به قطار الذكريات يجوب الماضي بحلوه و مره، لقد كان و لا يزال إنسانا ذكيا المعيا و أساتذته في ميدان الاحتيال يشهدون له بذلك، استطاع بدهاء فريد و مكر عجيب اللعب على جميع الحبال و الاصطياد في جميع البرك سواء كانت صافية أم عكرة، عارض الحكومة و ندد بسياستها، كما صفق و هرج لأفعالها أرغد و أزبد فوق المنابر الموسمية فآثار الهياج و الأعاصير في صفوف المتظاهرين، كما تذلل و تملق للحاكم و بطانته و لم تكتف بهذا فحسب بل استثمر أمواله في شبكات الدعارة و المخدرات و الأسلحة و ما شابه ذلك، فتمكن خلال بضعة أعوام من تكوين ثروة هائلة لو رآها قارون لفغر فاه مندهشا متعجبا ! ! و لكنه مع ذلك سيبقى عبدا لحفنة من الكلاب يأتمر بأمرهم و يرد صدى رغباتهم، لطالما ساءل نفسه لماذا يخشى الكلاب و هو على جانب كبير من الغنى و الجاه؟..إنه الخوف..الخوف من انبعاث شبح الماضي الملوث فينكشف المستور و تفتضح عورة جرائمه فيصير غرضا و مرما للحاقدين عليه و أحس بالظمأ يغزو جوفه فاتجه صوب الثلاجة و أخرج قنينة خمر فاخرة فطفق يتجرعها و عيناه تتأملان الصور المتوسطة لأحد الجدران..من هذا الذي يخطب في الجموع المحتشدة فيثير زوبعة من التهليل و التكبير؟أحقا هو؟فارتمى على مقعده الوثير و الابتسامة الخبيثة لا تفارق شفتيه:الشعب…و ما أدراك ما الشعب…هؤلاء الأوباش الرعاع لكم استطاع الضحك على ذقونهم بكلامه المعسول الذي يضمنه أقصى ما تجود به قريحته من الأساليب المزخرفة المزركشة التي تسحر الألباب و تذهب العقول و لا بأس-طبعا-من بعض الحركات البهلوانية لتكتمل فصول المسرحية:الشعب مجرد دابة يعلفها ببضع مادب يسأل لها اللعاب ثم يركبها للوصول إلى الينبوع الذي لا ينضب معينه قط فإن بلغ مبتغاه فلتذهب الدابة إلى الجحيم و ليملأ بطنه بالماء الزلال حتى توشك أن تنفجر ! !و ربت على كرشه المنتفخة المكتنزة و كأنه يحجز مكانا للولائم القادمة ! !و بغتة تناها إلى سمعه أطيط بلغة فأخفى بسرعة زجاجة الخمرة في سلة المهملات و تصنع الكتابة في أحد الملفات التي علاها الغبار فانفتح الباب عن إمرأة بدوية في خريف العمر توشى ملابسها بقدومها من الريف فعقدت الدهشة لسان صاحبنا و تسمر في مكانه كتمثال من حجر و بعد جهد جهيد انطلق نحو العجوز بغية تقبيل يديها فسحبت القروية كفها من بين شفتيه الغليظتين و صاح الرجل في توسل:
-أمــاه ! !
فأشاحت بوجهها عنه مقاومة سيلا جارفا من الحنين و الشوق:
-لست بولدي…أنت انسان غريب عني…ولدي صلاح مات منذ خمسة عشر سنة..مات منذ أن تأمر مع (القايد)على إحراق مزرعة عمه و تسميم مواشيه.
و قال في حنق و حرد:
-كان ثعبانا حقيرا و ضيعا يستحق فصل رأسه عن جسده فطالما استغل سذاجتك و هوانك فقام بالسطو على ثمن محصولنا الزراعي و رمي إلينا بفتافيت ماندته.
و صوبت نحوه نظرة ثاقبة و قالت:
لو استطعت الضحك على أمة محمد بأكملها فلن تستطيع الضحك علي…أتنكر بأنك أقدمت على جريمتك هذه بعد رفض عمك تزويجك بنيته لعلمه بخبثك و سوء نيتك؟أتنكر هذا؟
و قال محاولا تغيير مجرى الحديث:
-تفضلي بالجلوس يا أماه ماذا تشربين؟..عصير فواكه؟مرطبات؟أم شاي منعنع؟ أطلبي ما تشائين أنا رهن إشارتك .
و قالت في صوت صارم و جازم:
-لم آتك لتستضيفني فو الله لولا مصلحة قريتنا و مستقبلها الذي ائتمنت عليه ما تخطت قدمي عتبة مكتبك و لا نظرت عيني إلى طلعتك.
قال و العبرات تتلألأ في مقلتيه:
-ألهذا الحد تمقتينني؟..ألهذه الدرجة تبغضينني؟ ألم أكن بارا بك عندما رجوتك أن تصحبينني إلى منزلي الجديد فرفضت؟ألم أكن بارا بك عندما منحتك رزمة من الأوراق النقدية فقدفتيها في وجهي و طردتيني من ملكوت رحمتك شر طردة ؟ و كأني شيطان رجيم قدر له أن يبقى نادما متحسرا على الفردوس المفقود.
و قالت و هي لا تزال واقفة:
-لقد قلتها لك ألف مرة و أعيدها على مسامعك مرة أخرى لن أسمح للقمة الحرام ان تدخل أحشائي و لا أن تسري في دمي فخير لي أن أشارك الكلاب و القطط طعامها و أفترش الأرض و أتدثر بالسماء و أن أكل لقمة مغمسة بعرق الفقراء و بؤس الأشقياء و مرارة التعساء و لن أسمح لديدان الأموال المشبوهة الملوثة أن تنخر أركان البيت الشريف الطاهر الذي اوى الفدائيين و المجاهدين أيام الاستعمار أنك-و يا للأسف-وصمة عار في حين أجدادك الشجعان الذين قدموا دمائهم الزكية قربانا لتحرير وطنهم من بين براثين الفرنسيس، لو كانوا يعلمون أنك تشق طريقك إلى الوجود ما ترددوا لحظة واحدة في بقر بطون زوجاتهم تلافيا للعنات التي ستلاحق ذريتهم إلى يوم الدين.
فتهالك على مقعد و أخفى وجهه بكفه و قال:
-لن نتفق أبدا يا أماه..لن نتفق إنك لا زلت تعيشين على ذكرى بطولات ساحقة ماحقة و لا تدرين أن عصر الأبطال مضى و انقضى و لم تعد البطولة مسموح بها في هذا الزمن…هذا زمن العمالقة الجبابرة…زمن بسود فيه قانون الغاب…القوي يأكل الضعيف يفتك بالأضعف منه…فبالله عليه أترضين أن يكون ابنك لقمة سائغة تلوكها الأفواه القدرة؟
و قالت الأم في تذمر:
-لا فائدة في مجادلتك فمازلت كعهدي بك دائما صلب الرأس كحجر الصوان تنتحل الأعذار لتبرير جرائمك و فظاعة أعمالك التي يشيب لهولهما الوليد، إني أتعجب كيف يتسلل الكرى إلى جفنيك فتبيت هانئ البال مطمئن الخاطر و دعوات المظلومين تطرق عنان السماء لتشكي طغيانك و بغيانك إلى رب العالمين؟ألا تخش يوم لا ينفع فيه لا مال و لا بنون؟بأي وجه ستقابل الله و كاهلك مثقل بذنوب تنوء عن حملها الجبال؟
و أطرق صلاح برأسه و عواطف شتى تنازع كيانه، و أضافت الأم بصوت يعتلج في نبراته الشفقة و ربطة الجأش:
-كل ما أرجوه منك أن تكف عن ابتلاع الميزانية المخصصة لإصلاح الطرق في قريتنا و أن تقلع كذلك عن احتكار الحبوب في مواسم الجفاف فكفانا ما حل بنا و إلا فوالله لأقفن في وجهك و لأنشرن صحيفة ماضيك الأسود أمام املأ.
و سكت الإبن و لم ينبس ببنت شفة فاقتربت منه و ضمت رأسه إلى صدرها بحنان و قالت:
-صدقني يا بني..صدقني..المال الحرام كماء البحر كلما ازددت شربا ازددت عطشا و لا تحسبن أن الأوضاع ستبقى مستحفلة، هكذا كلا و الف كلا فلابد أن البركان سينشط يوما ليقذف حممه النارية فينجرف معها كل معتد أثيم مصاص لدم الفقراء و المساكين.
و شعر صلاح بالصدر الحنون يبتعد عنه و ود اللحاق به لعل دموعه على حجر أمه تطهره من أثامه و لكن نظرة ألقاها عل كرسيه الفخم جعلته مكبلا مغللا لا يقوى على الحركة فسبيل التوبة و الغفران مسالكه شاقة و عرة لا يستطيع أمثاله السير فيها ولو بضعة أمتار ! !.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...