عبيد لبروزيين - مسرحة التراث.. نحو رؤية حداثية متجددة

ارتفعت أصوات الباحثين المسرحيين منذ القرن العشرين منادية بإعادة قراءة التراث، وإحيائه صونا للهوية والخصوصية الثقافية والحضارية، إذ أصبحت الضرورة تلح، أكثر من أيّ وقت مضى، على أن من الواجب على “أدبائنا أن يتزودوا بعناصر الثقافة الشعبية التي تزخر بها بلادنا، إذ هي الوحيدة التي ستمكّنهم من استلهام ينابيعها التقليدية ومعطيات المسرح العالمي لخلق تراث وطني”[1]. وهذا ما نصح به جون فيلار الطيب الصديقي وهو عائد إلى المغرب، وكذلك هو الأمر بين سيرو وسعد الله ونوس، غير أن هذا التوجه الذي تزامن مع خروج المستعمر من البلاد العربية، وارتفاع الدعوات للحفاظ على الهوية، تحتكم إلى سياق سياسي وتاريخي استوجب ذلك، حيث يتم اللجوء إلى التراث لمراوغة السلطة وتمويهها، ونقد الواقع بأساليب ضمنية بعيدة عن المباشَرة.

لكن هذا السياق الذي أفرز هذه التجربة، سيتغير في بداية الألفية الثالثة، خصوصا بعد اتساع هامش الحرية والتعبير في الوطن العربي، حيث أصبح انتقاد السلطة أو الواقع يتم بشكل مباشر، دون الحاجة إلى الأساليب الكلاسيكية، فزالت قداسة انتقاد الأنظمة والتراث معا، ولا سيما بعد الربيع العربي سنة 2011، حيث عرفت المجتمعات العربية هزات عنيفة أدت للإطاحة، في مجموعة من البلدان العربية، بحكامها، إنها انتفاضات شعبية عمت أرجاء الوطن العربي، وهكذا تغير السياق السوسيوثقافي والسوسيوسياسي، فكان لابد أن تتغير علاقة التشابك بين المسرح والموروث الثقافي في ظل النسق التاريخي الجديد، لذلك تراجع الاهتمام بالتراث مسرحيا، وخفَّ وهجُ النظريات المسرحية التأصيلية[2]، غير أن هذا لا يعني التخلص منه بشكل نهائيّ، بل عرفت هذه الجدلية التي نتحدث عنها، أبعادا أخرى، وتجددا في التطرق إليها في ظل هذه الدينامية، وفي ظل التغيرات الحديثة، ما أدى إلى رؤية حداثية متجددة، تتأسس على حوار الحضارات وتعطّل صراعها، وبذلك “نتصور أن المسرح قادر على أداء وظيفة هامة تتجلى في خدمة قضايا إنسانية ذات بعد كوني من قبيل: إرساء السلام والمحبة والتعاون، ومن ثم زرع القيم الأخلاقية في عالم سادت فيه الحروب والفرقة والانقسام”[3] إنه مسرح جديد يلغي جدلية الصراع بين الأنا والآخر، والتقوقع في التراث، دعوات تسعى لبناء مسرح منفتح يرتكز على المفاهيم التالية:

الحرية: لقد اتسع هامش الحرية مع بداية الألفية الثالثة، ولاسيما بعد الانتفاضات العربية، وهو ما أدى إلى تغيرات دستورية تمنح الإنسان العربي قدرا كبيرا من حرية التعبير، وما كان يمرر بشكل ضمني في الأعمال المسرحية، أصبح يعبر عنه بشكل صريح، وهنا كانت الانعطافة في الاشتباك بين المسرح والموروث الثقافي.
الهوية: أدرك المثقف العربيّ، أن الهوية تتسم بالتحول والاستمرارية، فالحاضر امتداد للماضي، ومنه كان انعطاف المسرحيين الجدد في التعامل مع التراث، التراث وحده ليس هوية، ولكن تتكشف في طريقة التعامل معه، إنه اكتشاف جديد لتطورها وسيرورتها التاريخية، وهو ما يمنحنا نصا غائبا ظل المبدعون المسرحيون يلهثون خلفه، هوية محاورة لهويات أخرى، تتجاوز الرؤية السلفية.
التمسرح: التمسرح هو ضالة المسرحيّ، عنصر غير قابل للملاحظة، ضمنيّ وجوهريّ في العمل المسرحي، وهو لا يرتبط بالشكل أو المضمون، بل بعناصر قيام الفرجة المسرحية في كليتها، وقد ادعى أنطوان أرطو أن المسرح الغربي يفتقر إليه، لذلك بُحث عنه في الفرجات الشعبية، ومن خلاله تتحقق الفرجة المسرحية الفعلية.
الجمالية: لقد أصبحت علاقة المسرح بالموروث الثقافيّ، في الألفية الثالثة، تركز على البعد الجماليّ، وهو ما يتحقق من خلال التفاعل بين النص المسرحي والنص الفرجوي، اللذين تحكمهما آليات مختلفة، منها ما يتعلق بالنص المسرحي، ومنها ما يتعلق بالعرض والمشاهد، إنها شعرية مسرحية جديدة، تستحضر تجارب المسرح المعاصر.

إن هذه المفاهيم التي توقفنا عندها الآن، تحدد كيفية تعاطي المسرح المعاصر مع التراث، إنه توظيف ذو بعد جمالي بالأساس، لا يقوم فقط على استثمار المضمون التراثي، بل يستلهم التراث، أيضا، من خلال الديكور، الذي يخلق شعرية مسرحية ركحية تمتح من الماضي، أو السينوغرافيا باعتبارها فنا لتزيين الخشبة المسرحية، وهكذا انتقلنا في الألفية الثالثة، إلى استحضار التراث من خلال خصوصية الفرجة المعتمدة على المشاهدة والمعاينة المباشرة، غير أن التراث هنا، بمثابة مكون من مكونات المسرحية، فلا ينظر إليه باعتباره جزءا مستقلا في العملية المسرحية، بل جزء يكوّن الكل المتناغم والمنسجم في ظل التيارات المسرحية الحديثة.

وهيمنة البعد الجمالي في توظيف التراث، يحتكم إلى التغيرات التي وقعت في المجتمعات العربية، فأصبح التراث يحضر من خلال الفرجة باعتباره امتدادا للماضي في المستقبل، ويتجلى من خلال الأمثال الشعبية التي تشكل ذاكرة المجتمع الأخلاقية، فضلا عن حضور الشخصيات التاريخية والتراثية التي يسعى من خلالها كل من المؤلف الدرامي والمخرج المسرحي للتعبير عن رؤيته الفنية للحدث الذي تعالجه المسرحية، فالأحداث التراثية، في المسرح العربي المعاصر، ترتبط بشكل ضمني، بالواقع والرؤية الجمالية، وعلى إثرهما تتشكل الهوية/النص الغائب للمسرح العربي، كما ساعد الانفتاح على تحرير الجسد من رؤية جديدة للتراث، حيث ظهر الجسد التراثي الراقص والاحتفالي، الذي يوظف التراث الشعبي بشكل أدائي.

نخلص إلى أن علاقة المسرح بالموروث الثقافي في الألفية الثالثة علاقة ترتكز أساسا على البعد الجمالي وتقليص البعد الإيديولوجي، ذلك أن المجتمعات التي كانت تدافع عن الخصوصية، والهوية الحضارية والثقافية، أثرت فيها عوامل العولمة، فأصبحنا نتجه من تعدد الهويات إلى تشكل هوية إنسانية عامة بفعل وسائل التواصل الحديثة، والتطورات التيكنولوجية الهائلة، وهو ما أدى إلى تراجع خطاب الثنائيات الضدية، مقابل ازدهار خطاب جديد يدعو إلى قيم التسامح والتعايش والحوار ونبذ العنف بين الحضارات والأمم.

وتبقى حيرة السؤال دائما، إلى أي حد نجح المسرحيون الجدد في توظيف التراث؟


[1] – حسن المنيعي، أبحاث في المسرح المغربي، منشورات الزمن، الطبعة الثانية، ص: 192.

– وللتعمق أكثر في النظريات المسرحية التأصيلية يمكن العودة إلى ما كتبه محمد مديوني في كتابه: إشكاليات تأصيل المسرح العربي.[2]

[3] – هشام بن الهاشمي، التراث في المسرح العربي بين تعظيم الهوية وحتمية الانفتاح، مجلة رؤى فكرية، العدد الثالث، 2016، ص: 49.

* نقلا عن:
https://www.intelligentsia.tn/مسرحة-التراث-نحو-رؤية-حداثية-متجددة/

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...