وليد الزوكاني - حين ماتت البلاد في جنازة الرئيس

للموتى كما للأحياء، قادة، بنادق ومسدسات، رام ماهر، قناص لا يخطئ، طيور من ورق، عنابر من أجساد وآمال!

الشوارع التي تلوت كأفاعٍ معذورة، منذ وقت طويل لم تخرج جثة وتمشي مزهوة على إسفلتها.

كل شيء جديد، الجبل تأوه كامرأة حامل، تقيأ فوق المدينة وأشرف على الموت.

النهر المريض الذي لم يعد منه سوى أمعائه الفائضة قذارة وبغضا، هز أَلْيتيه حين نجح في التحول إلى قبر.

السارقون الذين انتهبوا هواء الغرفة بعد أن أفرغوها تنفسوا الصعداء، الشرفاء الذين تقيأتهُم صدورُهم تنفسوها أيضا، حتى سيور الحذاء الضخم الذي غالبا ما يتكئ على اللافتة لإصابته بالحس الوطني، ارتخت، كما لو أنها أحسَّت بنشوة غريبة.

حتى أنا، الفائض عن الحاجة، تدحرجتُ في الشوارع كمنديل ورقي رمته امرأة متعبة.

صار بالإمكان الآن استدعاء الموتى لخدمة العلم، فلا مضغ الوصايا، ولا الحنين الى الأبناء والأحفاد، ولا حتى الغرق في مستنقع الطمأنينة اللزج يمكن أن يحميهم.

منذ فجر الغد اصطفوا عراة من أكفانهم في طابور الصباح؛ لتحية العلم الذي لم يكن يشبه أعلامنا، فلا طيور جارحة ولا نجوم، تهامسوا خائفين، لم يكن أحد منهم على دراية بما يجري، كأن الحياة تغتصب طمأنينتهم من منتصفها، السارقون، المارقون، مجرمو الحرب، أصحاب المواخير، تجار المخدرات والخبز والرقيق، المحشوون في القنوات الرسمية كشخصيات ديزني لاند، كلمات البيانات والخطب، طوابير العسكر والخيانة والأمل، باعة الدخان المهرب والأناشيد، المرتشون والمقصوصة أفواههم، حتى الأدباء الذين تقيأوا ديدان قلوبهم في إناء العسل، كل أولئك هبطوا فجأة منتعلين الأحذية الثقيلة وشعارات الماء العكر.

أفرغوا المقابر عن بكرة أبيها، شقوا شارعا في قبر أبي محمود، ساحة في قبر علاء الدين، وضعوا شرطيا أمام قبر خليل، سيجوا قبر صلاح الدين بالأسلاك الشائكة، عبّدوا الساحات، رفعوا الأعلام والنصب التذكارية، افتتحوا مطعماً فارهاً وحديقة حيوانات على مساحة الخريطة، أفلتوا طيوراً جارحة تفي الموتى حاجاتهم، أقاموا مقابر جماعية للجثث المخالفة للقانون.

هبط حظر التجول فجأة، وانتهى تهريب الآمال الحامضة والوصايا التي لا تصل.

الأرض بغلة للوصول الى منتهاها، بغلة جوفاء تلتهم الحرب تلو الحرب، تمصمص عظام الأطفال وحراب البنادق، وتطأ العالم بحوافر من نار.

للموتى قداستهم المصانة بفعل العادة والخلق الحسن.

لكن لا يبقى حال على حال، في أرض لم تتيقن بعد من أنها ميتة أم على قيد الحياة، ولقطع الريبة أضيئت المصابيح فجأة، ودخلت دبابة واحدة تكفي هذا الضيق.

من يقدر منا على نعمة الموت الآن؟ .. ينبغي الكثير ليدفن شيخٌ أباه الذي يشبه إلى حد بعيد صندوق ألم مكسور، ينبغي الكثير للتفكير بقبر على الطراز العثماني مثلا، ربما أكثر مما ينبغي لبناء منزل على هذه الأرض الطيبة.

قال صديقي الذي لم أعد أراه منذ سنوات: ينبغي الكثير الكثير لننزع جلودَ وجوهنا عن نوايا حذاء مرَّ ذات يوم أمام منازلنا الواطئة.

من يومها وأنا أُحس بخجل يشبه انكسار عذراء في إناء جسدها الرقيق، وأحاول جهدي ألا أنظر في المرايا مخافة الخوف مني.

على أرض تشبه هذه الأرض، يدرك الناس أن الخيال أكثر ألْفة بكثير، من واقع تنسجه حَرْبة، وأنَّ أقصى تصور للألم والقبح ألطف من مرآة.
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...