إياس محسن حسن - المتوازيان

صفق الأستاذ فاتح عبد الجبار باب شبه الغرفة خلفه خارجاً، آمِلاً أن المشي قليلاً في هذه الساعة المبكرة من الصباح، قبل الذهاب إلى المدرسة، سيطرد الصداع الدبُّوسي الذي ينخر صدغيه.

هذا هو يومه الثالث هنا، بعيداً عن مدينته بمئات الكيلومترات، في بلدة صغيرة تشرَّبت، من الريف والمدينة على حدٍّ سواء، كل ما له أن يجعلها لا تشبه أياً منهما، وتتحول إلى خليط يشبه أكثر ما يشبه وجه ميت منذ خمسة أيام، لم يُدفَن بعد.

ألف معادلة مستحيلة الحل تقفز في رأسه، وتحل بعناد كل خيوط التركيز في دماغه، وألف ألف إشارة استفهام تتشابك على شبكية عينه اليسرى السليمة لتطمس كل معالم الرؤية.

الساعة تقارب الرابعة والنصف، وتراتيل المسجد المجاور التي تسبق الأذان تراكم فـوق بؤس صباح كانون الأول نفحات حزن باردة صامتة.

تحت نور مصباح الشارع تبدو قطرات المطر الضعيفة مشردة، تتناثر دون اتجاه محدد، لكنها على أية حال، تفلح في تبليل نظارتيه السميكتين جداً، اللتين قال أحدهم أن وزنهما هو السبب في انحناء أنف الأستاذ فاتح عبد الجبار الطويل المدبَّب. حذاؤه الباهت الذي لا شكل له، والذي كان أسود اللون يوماً ما، الواسع على قدمه قليلاً، وطنيُّ الصنع، يخذله في كل مرة يقحمه فيها بإبحار في بركة ماء من برك الشارع الكثيرة، ويسمح للماء شبه المجمد بسبي جاربيه المثقوبين، اللذين لم يجد الوقت لرتيهما حتى الآن. سيبحث غداً صباحاً عن إسكافي يرقع له أسفل النعل المثـقوب. كان قد قرر في الأسبوع الماضي، تحت إلحاح زوجته أم الهادي، أن يشتري حذاء آخر؛ كفاه تعباً هذا الحذاء. لكن الراتب الشحيح تسرب من بين أصابعه النحيلة الطويلة قبل أن يباشر التنفيذ، ويبدو أنه سيمضي شتاء آخر برفقة حذائه هذا، الذي يصدر في سكينة هذا الصباح المرعبة تأوهاً على الأرض، كأنّه يمارس طقساً جنسياً جنائزياً متشابكاً، مع جثث الأرصفة الرمادية الشاحبة، المرميَّة تحته هنا وهناك على زوايا الشوارع، مغتصَبةً حتى الموت، التي تبدو في هذا الصباح إلى جوار الشوارع العائمة، أرصفة ميناء غادره التتارُ للتوِّ.


لقد نقلوه منذ ستة أيام من المعهد العالي الصناعي في العاصمة إلى هنا ليعلِّم الرياضيات في المدرسة الإعدادية.

يعزي نفسه مهزوماً حتى تهشُّم الجمجمة:

"لا بأس يا فاتح، الرياضيات رياضيات، هنا أو هناك... تحمَّل قليلاً... سيكون الطلاب هنا جيِّدين... على كل حال، التعامل مع طلاب الصف الثاني الإعدادي أفضل من التعامل مع طلاب المعهد العالي الصناعي!"

أقنعه مؤقتاً عزاؤه الضعيف جداً.

أخرج منديلاً متسخاً من جيبه ليمسح الماء البارد الذي أخذ يثقب صلعته.

لقد قرر في بادئ الأمر عدم الرضوخ للنقل والبقاء في بيته، لكن أسئلة طفليه المحرجة، الهادي وبشرى، اللذين يعودان من المدرسة ليرياه بثياب النوم في البيت على غير العادة، زادت من ضعفه ضعفاً، وهزمت صموده في اليوم الثالث فقط، ليحزم حقيبة صغيرة، ويعانق الأولاد، ثم يقبِّل شفتي أم الهادي الحزينتين على الباب ويغادر. قال لها إنه سيحاول العودة قريباً. طبعاً لم يصدِّق هو نفسه ما قاله، لأنه سمعهم يقولون في إدارة المعهد، قبيل تبليغه قرار نقله، أن لسانه طويل، وأفكاره شاذة عن الطبيعة، معادية لمصالح الشعوب في التقدم وصنع الحضارة، وعميلة لمعسكر الأعداء الإمبريالي.

أخرج علبة سجائره الورقية من جيب القميص. وضع سيجارة بين شفتيه. توقف على الناصية. أحنى رقبته الطويلة محاولاً بحماية وجهه وكفَّيه أن يشعل عود الثقاب المبتل. فشل حوالى ثماني مرات متتالية.

شخص وحيد في هذا البرد بلحية طويلة كثة دون شاربين، يعبر مسرعاً. توقف لحظة لإعارته ولاعته. شكره بصوتٍ غير مسموع، وسحب نفساً عميقاً من سيجارته. أكثر ما كان يمتعه في التدخين في البرد والمطر أن البخار الخارج مع الدخان من فمه يعطيه شعوراً أن هذا الدخان الكثيف هو دخان احتراق الهموم المعشِّشة في خلايا رئتيه. وقد كان معجباً بنظريته التدخينيّة الخاصة تلك، على الرغم من أنها تتعارض مع كل ما توصل إليه الطب.

منذ أن وصل هذه البلدة، لم يذهب إلى مدرسته، ولم يستطع النوم. كان شعر أنهم سيطرقون بابه كل ليلة كما فعلوا في منتصف ليلة يومه الأول، عندما اقتادوه بثياب النوم في سيارة ذات نوافذ سوداء إلى ما أسموه "المكتب" للقاء شخص لقَّبوه بلقب ما، لم يعد الآن يذكر الصفة تماماً. يا لشدة الخوف الذي أصابه يومها وهو يجتاز في السيارة حاجزاً تلو الآخر إلى أن وصل إلى "المكتب".

الهاتف هنا لا يتوقف عن الرنين، والمدعو أبو أحمد، كما عرَّفه بنفسه عندما دخل، يجيب بكلمة أو اثنتين على الأكثر، ثم يقفل، ليعود الهاتف للرنين. الغرفة جيدة الأثاث، والجدران مكسوَّة ببعض الصور لشخصيات وطنية هامة وببضع شعارات وطنية تقدمية مؤطَّرة. كان أبو أحمد ألطف من الصورة التي يوحي بها اسمه عندما يلفظه العمالقة الذين يدخلون مكتبه باحترام مبالغ فيه، وشكل مكتبه لا يتناسب أبداً مع قامته القصيرة ووجهه الهادئ. قدم له فنجان قهوة، ولم ينبس ببنت شفة، ثم بعد ساعتين من الصمت، ودَّعه مبتسماً، متمنياً له إقامة هادئة، على حدّ تعبيره. أعادته السيارة إلى شبه غرفته، ومن يومها وهو لا يستطيع النوم ليلاً.

طعم غريب يحرق شفتيه. انتبه إلى أن السيجارة انتهت وأنه بدأ بتدخين قطنة العقب. ألقى بها في بركة ماء.

رعشة برد هزت عظامه الطويلة الرفيعة. لا شيء أحلى في الشتاء من سرير أم الهادي الدافئ، وصدرها المشتعل حباً وشباباً. حلم لذيذ يوشوش عروقه تحت جلده الرطب. جلس على الرصيف محاولاً قدر الإمكان انتقاء المكان الأقل غرقاً. وضع سيجارة في فمه، فشل عدة مرات في إشعال عود الثقاب الرطب، ألقى بالعلبة في الماء ساخطاً شاتماً المطر والكبريت الوطني والإمبريالية. لم يشعل سيجارته. أخرج قلماً ومفكِّرة صغيرة وأخذ يكتب، بينما الحبر يتفشى تحت قطرات المطر التي يمتصها الورق:

"حبيبتي أروى، كيف حال الأولاد؟ ..."

"لا، لا، يلعن دين الأولاد!" يتمتم شاطباً الجملة. يعاود الكتابة:

"حبيبتي أروى، أحبك. هل أحضر أخوك المبلغ المتفق عليه لشراء معاطف جديدة للأولاد؟"

"يلعن دين المصاري على دين الأولاد... أعد، أعد الكتابة." يحاول مرة أخرى الخروج من قوقعة أفكاره المحكمة. يغمض عينيه لحظة محاولاً استحضار صورة أم الهادي، أروى.

لم يشعر في حياته بهذا الحب العارم لها الذي اجتاحه، إلا في يوم زواجهما، الذي لم يحضره إلاهما، والذي تم على الرغم من كل تهديدات أهلها بذبحها إذا ما تزوجت من ذلك السكير الفقير. يشعر بأنه قريب جداً من قول كلمة حبٍّ خالصٍ لها. يكتب:

"حبيبتي أروى، أحبك. لا شيء يشبهك هنا... كل الأبنية هنا باهتة نحيلة باردة مثلي، وأشباح شاذة تجري على الجدران في الظلام، تلاوط النوم في عيني كل ليلة، تتركني مع أرق ساديٍّ، قميء، لا يشبع... لا يشبع..."

بدأ أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم". يتابع:

"... تتركني مع أرق مهووس، يضغط بأصابعه على عينيّ ليسحق صورتك المورِّدة فيهما، صورتك التي لا تفارقني لحظة، يحاصرني في كل الزوايا المظلمة صارخاً بي. وكلما نجحت في الهرب منه، لائذاً إلى صوتك، يتردد في أصقاع ذاكرتي البعيدة وأنت تغرِّدين "حبيبي"، سحبني منتقماً، لأجد نفسي في أعماق أشد ظلاماً..."

ازداد عدد الناس في الشارع متجهين للصلاة. نجح أخيراً في استعارة ولاعة من أحد المارة. سحب بقوة محاولاً إحراق أكبر قدرٍ ممكن من الهموم. أخذ دخانه المنفوث يرسم له أساطير على شفاه الهواء المخادع، يكون فيها هو الأمير، وأم الهادي أروى أميرته، مخطوفة على جواد أسود بجناحين وقرون وعل، تشبه شجرة سنديان عارية يابسة. أكمل رسالته:

"حبيبتي أروى، آه لو أستطيع، لو أستطيع، يا حبيبتي، أن أشتري الآن ضمَّة من ذراعيك الحريريّتين الحليبيّتين بخمسٍ وعشرين لا بل بمئة، لا بل بمئة ألف..."

وضع يده في جيبه، أخرج ورقة عملة من فئة الخمسين مبتلة، هي آخر ما تبقى معه حتى نهاية الشهر الذي لازال في منتصفه.

"تفوه عليك رياضيات، كسّ أمّك علم... اشطب... اشطب آخر سطر..." قالها بنزق شاطباً السطر الأخير بعصبية. أعاد الكتابة:

"... ذراعيك الحريريّتين الحليبيّتين يا حبيبتي. ليس عندي مئة ألف أشتري بها (وإلا لما كنت هنا)، سأشتريها بنور عيني. ستقولين أني لن أرى عندها أبداً! يكفيني أن يأخذوني إليك، يكفيني دفؤك...

"منذ خمسة أعوام وأنا بعين وربع العين! وها أنا كما أنا، لا فرق. من يدري أيضاً ماذا بعد؟

"هل تذكرين حبيبتي تلك الليلة؟ ليتـنا لم نفتح الباب. قد يركلوني اليوم أو غداً أو بعد غد أو بعده على وجهي فوق عيني الأخرى، ويلقونني على الدرج إذا لم أقل... وعندها أيضاً سأصبح أعمى، أعمى دون ذراعيك.

"أروى، قولي للهادي أننا سنؤجل شراء دراجة له ولأخته الآن. اخترعي أي سبب. قولي له أيضاً إن مدينة الملاهي البائسة تلك هي مضيعة للمال والوقت... لا، لا تقولي المال، قولي الوقت، وقولي له أن يدرس ليكون الأول على صـفه، فلعله يوماً ينشئ حدائق ألعاب للأطفال فيها دراجات...

"أروى، أرجوك أن تقبِّلي الأولاد نيابة عني بعد أن يناموا. قولي لهم دائماً إنني على خير ما يرام..."

ارتجف جسمه كله بحركة هستيرية. ألف شعورٍ راح يتداخل في صدره ويتشابك ويتشابك. يضغط على جدران روحه الزجاجية الشفافة، يخدشها بصوت انتحاري يرقص الألم في نهايات أعصابه، وأخذت كفه تكتب مضطربة معه:

"آه أروى... أروى لا أحد هنا...

"لا أحد يقبِّل صدري الهزيل أو وجهي القذر غير الحليق...

"أروى أين لي أن أجدك في هذا الوحل وهذا البرد...

"أحبّك... كل المطر لا يستطيع تبليل شفتيّ كما قطرة من ندى شفتيك..."

لم يعد يستطيع المتابعة. ألم شديد يلوي معصمه. وقف. أعاد الدفتر إلى محفظته الجلدية المنتوفة. نظر إلى ساعة يده. لقد مر وقت طويل. الساعة تقارب السادسة والنصف صباحاً، ونور شاحب لشيء ما، ربما هو الشمس، يأتي متململاً كطفل مصاب بمغص، شحيحاً أكثر من المزراب، الذي لم يرتح حتى بلّل آخر سنتمتر مربع جاف من قميصه الرقيق.

حركة أكثر في الشارع. العصافير تزقزق رغم البرد والظلام. فكر مبتسماً: "يالها من عديمة الإحساس، كأفواه الأطفال!"

مشى راضخاً باتجاه المدرسة. فليجرب الذهاب للمدرسة على أية حال، مادام قد أتى إلى هنا.

حاوية القمامة قرب باب المدرسة تتهافت عليها القطط. فكّر: "يبدو أن فيها رائحة سمك... واللّه السمك طيب..."

بدا له بناء المدرسة لا يختلف في شيء عن كل المدارس التي شاهدها في العاصمة، سوى أنه أصغر حجماً، وأكثر سواداً، أو ربما لم يكن. ولكن المظهر العام للبلدة هو الذي جعله يراه كذلك.

حاول أن تقتصر زيارته لمدير المدرسة على سؤال بسيط، وهو: أين سيجد صفه لهذا الصباح، ثم غادره واعداً إياه بزيارته بعد الدرس.

الصف بركةٌ من الوحل تسبح فيه وجوه التلاميذ. مئة عينٍ يفغر الفضول فاه فيها، فارغة من أي تعبيرٍ آخر سواه، خمسون نظرة مسلَّطة، والمحرق شبكية عينه اليسرى. يشعر بالدوار. يبدأ بالمشي مترنحاً بقامته الطويلة بـين المقاعد. يسأل:

"منذ متى وأنتم دون مدرِّس رياضيات؟"

بعض الأيدي ترتفع فوق الطاولات. الجميع يسدِّد بصره نحو السبورة. رهبة بدئية للوهلة الأولى تجاه هذا المدرِّس – الوحش الجديد – ذي الساقين النحيلتين الطويلتين، الذي توحي لهم صلعته وبعض الشعيرات المنكوشة على أطرافها بالشرّ، والذي يبدو بنظر هؤلاء الأولاد كأحد شخصيات برامج الأطفال، ذلك النحيل الطويل أزرق اللحية، الذي يذبح زوجاته ويعلِّقهن في القبو!

- أجب يا تلميذ.

- منذ بداية السنة أستاذ.

- ولا حصّة؟

رفع طالب آخر سبّابته.

- أجب يا تلميذ.

- جاءنا أستاذ في أول السنة لمدة أسبوعين ثم ذهب.

- ماذا أعطاكم؟

تلميذ آخر يرفع سبّابته.

- أجب يا زفت!

- هندسة. التوازي في المستوي.

اتجه بهدوء نحو السبورة. مسح نظّارتيه السميكتين.

همهمة الطلاب أبرد من وقع المطر طوال ساعات على صلعته.

"هدوء لو سمحتم." قالها بهدوء.

ألف جرذ مصقّع الأسنان يقضم قدميه. ألم مريع. خلع الفردة اليمنى الأكثر وسعاً وأخذ يحرك أصابع قدمه المتجمدة.

لاشيء أحلى من حمام ساخن الآن، ثم إلى السرير، إلى النوم عشرين ساعة!

ضحك مكتوم خلف الباب نصف المفتوح، وعيون التلاميذ الذين يراقبونه من الخارج حيواناً خرافياً، ضفادع تنقّ بإشارات استفهام.

أخذ يجيل بصره في الصف قائلاً بنبرة خالية من أي تعبـير:

- سنبدأ إذاً بتذكرة بأساسيات في التوازي قبل البدء بالبحث.

أمسك طبشورة بيده اليمنى. رسم مستقيماً على السبورة وأخذ ينظر للطبشورة بين سبّابته ووسطاه. إيه! لو أنها سيجارة، لو يستطيع إشعالها وإغراق الصف بما فيه بدخانها!

رسم مستقيماً ثانياً موازياً للأول. سأل مشيراً إلى أحد التلاميذ:

- ما هذا يا تلميذ؟

- مستقيمان متوازيان أستاذ.

أحنى رقبته وأخذ ينظر إلى حذائه الأيسر وقدمه اليمنى مثقوبة الجورب. لبس الفردة اليمنى. فكر: "أصعب ما في الأمر أن تعلِّم البديهيّات."

شعر بالقرف من هذه الرؤوس التي لا تعرف حتى الآن التوازي.

كتب على السبورة:

"تعريف أساسيّ: المستقيمان المتوازيان مهما امتدا لا يلتقيان والمسافة الفاصلة بينهما تبقى ثابتة."

سأل:

- من يقرأ؟

سبّابة أحد التلاميذ ترتفع نصف ارتفاعة.

- اقرأ يا تلميذ.

صوته لاهث. قرأ الجملة المكتوبة بسرعة الصاروخ.

- أستاذ. رفع أحدهم يده.

- ماذا تريد؟

- أنا أعرف تعريفاً آخر للمستقيمين المتوازيين

توسَّعت حدقته اليسرى بدهشة! أي تعريف هذا؟

- هاتِ أسمعنا! قالها مندهشاً.

- المستقيمان المتوازيان مهما امتدا لا يلتقيان إلا بمشيئة اللّه وعلمه.

سالت الجملة على أعصابه صمغاً بارداً لزجاً، كالسائل الذي خرج من الجرادة عندما معسها تحت حذائه مرة في طفولته. كان يظن ذلك في الماضي نكتة، لكن يبدو أن هذا الولد جاد. سأله:

- من أين لك هذا ؟

- والدي قال لي.

- والدك مدرس رياضيات؟

- لا، والدي جزّار الحارة الشرقية.

مليون سبّابة اتّهام تحصره في زاوية اللامنطق. هذه الآن ليست بديهية، لكنها لم تخطر بباله أبداً! كيف يلتقي المتوازيان؟ أزعجته الفكرة كثيراً.

- اسمع يا ولد، إذا التقى مستقيمان فهما ليسا متوازيين.

- لكن والدي قال أن اللّه يصنع المعجزات.

- معجزات اللّه شيء مختلف تماماً يا ولد. لا معجزات في الرياضيات. الرياضيات هي علم اللامعجزات.

همهمة الطلاب خلية نحل ركلها طفل بسبيل العبث:

- اللّه... المستقيمان... الأستاذ...

أخذ يحك صلعته الباردة بشكل جنونيٍّ مرتبك. ماذا قال هذا الولد؟!

- اسمع يا ولد. تستطيع بفهمك للرياضيات أن تصل للّه، ولكن اللّه لا يوصلك أبداً للرياضيات بمعجزاته... هل تسمع؟ هل تفهم ما أريد قوله؟

حاول ألا يذهب كالعادة إلى أقصى فلسفاته، التي يضيع فيها هو نفسه أحياناً، وبذل أقصى جهده لإيجاد كلمات ربما يفهم ذلك الولد منها شيئاً. تلعثم قليلاً قبل أن يتابع الحديث بقدر ما استطاع من تروٍّ، وبصورة متقطعة:

- افهم الرياضيات أولاً ثم تحـدَّث عن اللّه، وستجد أنني على حق. ستـتمكَّن عندها من التحرك بحرية حوله في جملة الإحداثيَّات الكونية، دون أن يتحرك هو. اعتبره عندها إذا شئت نقطة ثابتة، واعتبر عقلك مبدأ الإحداثيَّات. اعتبره المركز وتحرَّك أنت، ستجد نفسك أقرب إلى نفسك، وستبقى قادراً على الرجوع إلى مبدأ الإحداثيَّات متى شئت. سترى اللّه بوضوح أكثر... ذلك أكيد...

- اللّه... المستقيمان... الأستاذ...

أخذت أفكار وأفكار تدور وتدوّي طبولاً ساخرة، تمدّ لسانها بوقاحة في وجه كتبه وشهاداته ورياضيّاته.

فجأة، وميض مبهر يلمع في رأسه، يمسح كل الصور من أمام عينيه، وتباغته، كحقيقة الموت في لحظته غير المتوقَّعة، فكرة ما، كقدر حليب ساخن مصفرِّ اللون حتى الاحتراق، كريه الرائحة، تـندلق على مخيِّلته المتقشِّرة، تسلقها حتى الذوبان، تقلب كل المفاهيم والوقائع رأساً على عقب: "ماذا لو كان كلام هذا الولد صحيحاً؟!"

"اسمعوا، اسمعوا يا أولاد." قالها مهتماً وخائفاً. "من قال هذا التعريف؟" سأل مديراً بصره بين الطلاب كالمذعور.

جميع الطلاب يشيرون نحو زميلهم بحركة تبرئة للذات، خائفين، حتى هذه اللحظة، من غضب يخفيه الحيوان الخرافي خلف سكونه الغامض.

- كلامك فيه شيء من الصحة!

انتفخ الصبي طاووساً قميئاً.

- قد يلتقي المتوازيان يا ولد... نعم، نعم معك حق...

أخذ الأستاذ فاتح عبد الجبّار، النحيل الطويل، الذي لا يتناسب اسمه الجبروتيّ مع عينه شبه العمياء والأخرى الضعيفة ذات النظارة السميكة، والصلعة المبلولة. أخذ يدور حول نفسه مغمضاً عينيه متمتماً بصوت خافت.

همهمة التلاميذ أصبحت صراخاً يضعه في قفص الاتهام. لابد أن يفسر شيئاً مما يقول. يا للورطة! فكر وصدره يضيق:

"كسّ أختك علم، على أخت المدارس الإعدادية، والفلسفة في المدارس الإعدادية. كيف سيفهم هذا الولد؟"

خبط الطاولة بقبضته وزعق فيهم: "صمت!" صرعت صرخته آخر صوت في الساحة.

- اسمعوا: المستقيمان المتوازيان في الرياضيات لا يلتقيان بمشيئة أحد...

وعادت ثورة التلاميذ، تعليقاً واستنكاراً وهمهمة، تتحول شيئاً فشيئاً إلى صراخ يستبيح وقار الأستاذ فاتح عبد الجبار.

- هدوء... هدوء... اسمع... هدوووووء...

- المتوازيان... اللّه... الأستاذ... مجنون... جحش... منيك... حمار... عرص...

"اسمعوا... اسمعوا... هسس... ولا كلمة." يقول بوقارٍ وجدية، وبنبرة مرتفعة داقاً على الطاولة بكفِّه. انخفضت الهمهمة قليلاً.

لقد وجد شيئاً ما.

في الأزمنة الضيقة القاسية، الشبيهة بعنق زجاجة نبيذ رديء النوع متعفِّن، تستحيل أبسط الممكنات، دراجة مثلاً. إن استحالة الممكنات أحياناً قد تولِّد إمكانية المستحيلات في لحظة ما.

أين أنت يا خوارزمي؟ أنا فاتح عبد الجبار! سأثبت لكم أن المتوازيين يلتقيان دائماً!

سأسبيك يا رياضيات، سأدقّك يا منطق بهراوة إنسان ما قبل التاريخ، وأطحنك وأذرك نثاراً لتطير مع رياح الصحراء المغبرَّة… أين أنت يا إقليدس؟ أين أنت، لترى أن الرياضيات تكسر القوانين وتفتح أبواب المستحيلات، في منطق سهل وواضح يتأرجح أمام أعيننا ولا نراه.

أمسك الأستاذ فاتح عبد الجبار رأسه بكفيه الكبيرتين، وأخذ يتحدث مع نفسه عابساً مغمضاً عينيه. تخيل أمام عينيه الخوارزمي ونيوتن وديكارت ولاغرانج ودالامبير ولابلاس وفورييه، وكل علماء الرياضيات الآخرين الذين عرفهم التاريخ، يلبسون مراييل بيضاء، ويحتشدون في مقاعد الصف فاغرين أفواههم أمام اكتشافه الجديد، وكأنهم ينتظرون أن يفسره لهم. ينظر في وجه صديقه لاغرانج مبتسماً ببلاهة. يسأله: "كيف الحال؟" يجيب لاغرانج بإيماءة من رأسه. يعبس من جديد بجدية. يبدأ محاضرته.

قد تكون الحكاية الآن بعيدة بعض الشيء عن الرياضيّات، لكن أساسها على أية حال رياضي بحت. أساسها هو المنطق، ولا شيء سوى المنطق، حتى ولو كان جزّار الحارة الشرقية أو ابنه هو صاحب الفكرة، وحتى ولو بدت الفكرة للوهلة الأولى لامنطقية.

المسألة في غاية البساطة و التعقيد في آنٍ معاً: الأول يسير في اتجاه ما معين، سنقول إنه اتجاه فلسفي إذا صح التعبير. سنأخذ لا على التعيـين كائـناً ما، وليكن مثلاً فاتح عبد الجبّار، أي أنا! أو أي كائنٍ آخر، إنسان، حيوان، إله، مدينة... أي شيء، في أي زمان وأي مكان... لا يهمّ. المهم أن هذا الكائن يتحرك في جملة الإحداثيّات الكونيّة، وهو يملك دائماً عشوائية الحركة، أو، بصورة أدق، حرية جَعْل حركته لا تخضع لأي معيار أو أي انتظام مادام فاتح عبد الجبّار، أو الكائن الآخر، بكل بساطة، يقترب أكثر من نفسه ومن عقله مع كل حركة. إنه يستطيع في هذه الحالة أن يتجه مع الخط، أو بعكسه، أو عمودياً عليه، أو حتى في اتجاه غير مرتبط البتة، بوجود هذا المستقيم أو عدم وجوده...

الآن تأتي عقدة القضية. إذا وُجِد مستقيم آخر لا علاقة له، ظاهرياً، بالأول، ويتحرك في اتجاه ما من الاتجاهات لا علاقة له باتجاه المستقيم الأول... فإن الأمر يزداد تعقيداً. إن فاتح عبد الجبّار سيبقى قادراً على الحركة مادام المستقيمان غير مرتبطين أحدهما بالآخر، لا بالوجود ولا بالاتجاه. ولكن إذا توضع المستقيم الثاني بصورة موازية للأول وقرر أن يرتبط به... هنا تكمن الفلسفة. إن فاتح عبد الجبّار المسكين، الموجود بين المتوازيين، لن يملك بعد الآن الخيار في وجهة الحركة داخل جملة الإحداثيّات الكونيّة. سيكون له إما أن يتجه مع المستقيمين، وإما بعكسهما، أو أن يجمد في مكانه. فمادام موجوداً بينهما، سيبقى دائماً بينهما، وإذا التقى المتوازيان... هه! ستقولون إنهما لن يعودا متوازيين. يا لكم من حمقى! سيلتقيان وسيبقيان متوازيين. إن هذا هو المنطق وليس العكس...

مدّ ذراعيه النحيلتين بصورة متوازية أمامه... يا للفلسفة! وأخذ يقول بصوت مرتعش وبصورة متلعثمة:

- اسمعوا هذه نظرية عبد الجبّار الجديدة. سنسميها نظرية عبد الجبّار-الجزّار في التوازي، سأشرحها لكم.

- هووووو... هووووو...

- هدوء هدوء... خلص... يكفي... اسكت يا ديكارت.

هدأت الأصوات قليلاً. تابع هو: "إذا كان لدينا جسم بين المتوازيين." وأشار بأنفه بين ذارعيه الممدودتـين. "فهذا الجسم لن يستطيع التحرُّك إلا بينهما، وفي الفراغ الذي يتيحانه. أما إذا التقى المتوازيان، وهذا قد يحصل في حالات الضرورة، فسيسحقان ما بينهما كالجرادة في الزاوية، أجل في الزاوية.

بشكلٍ عام، قد يستطيع المتوازيان حصر العالم بأجمعه بينهما، وفي نقطة التقائهما، سيسحقان أي جسم يحاول الحركة، سيسحقان كل شيء، كل شيء..."

- هووووو... هوووووو...

أخذ الأستاذ فاتح عبد الجبّار يصيح محاولاً إسماع التلميذ صاحب التعريف في ضجة زملائه الهائجين كالقطيع:

- المتوازيان لا يفكران باللّه يا ولد، وسيلتقيان، بإذنه أو عدم إذنه ومشيئته، إذا قضت الظروف والمصالح. ليس للّه مصلحة في التقائهما. سيسحقانه. إن مشيئة اللّه المنطقية تقتضي ألا يلتقيا. قل لوالدك يا ولد أن الرياضيات هي علم اللامعجزات، أما إذا التقى المتوازيان، فستسقط الرياضيات وستسقط السماء على رأس من في الزاوية، دون السؤال عن مشيئة أحد... هل تسمع؟ ستسقط السماء …

وأخذ دويّ أصوات التلاميذ المحتجين يدور في رأسه مع دويّ عاصفة التصفيق التي أطلقها علماء الرياضيات المحتشدين على مقاعد مخيِّلته، ومع رنين جرس نهاية الدرس المصحوب بضجيج التلاميذ الخارجين من صفوفهم.

في ليلة هذا اليوم أيضاً، لم ينم الأستاذ فاتح عبد الجبّار، ليس خوفاً هذه المرة ولا أرقاً، لكنه كان يفكر بكلام التلميذ. وأخذ يكمل رسالته إلى أم الهادي، أروى، يريد أن يحكي لها فيها عن كل شيء، عن حبّه لها ووحشته دونها، عن المدرسة الجديدة وعن حواره المدهش مع الطالب ابن الجزّار، وعن نظريته التي وضعها، والتي قد لا تكون هذه المرة ضرباً من ضروب هذياناته وحماقاته، وإنما، على حدّ تعبيره، قد لا تقل أهمية عن نظرية الانفجار الكوني الكبير، على الأقل بالنسبة له! أراد أن يحكي لها عن صباحه في شوارع المدينة وعن مدير المدرسة وزملائه المدرِّسين الجدد الذين فرّ منهم بقرف فور بدء الحديث أثناء الفرصة، وعن الرسالة التي تلقّاها مساءً بعد خروج المصلين من الجامع القريب من غرفته عقب صلاة المغرب، الرسالة التي وجدها على بابه دون مرسل أو ساعي بريد، والتي ذهب بها فوراً، بنفسه، إلى المدعو أبي أحمد، ليَعِده الأخير بالاطلاع عليها في اليوم التالي حالما يجد الوقت.

عاد من مكتب أبي أحمد مستعجلاً، وكأنه مشتاق لرسالته. كان نادماً لإضاعته الوقت في الخروج دون جدوى، فقد كان يشعر بأن عليه إنجاز الكثير من العمل هذه الليلة. كان دماغه يضج بآلاف الأفكار والتجلِّيات والهواجس. كان لابدّ له من أن يكتب كل ما لديه للكتابة.

أقفل باب الغرفة العتيق خلفه بالمفتاح، وانكبّ على رسالته مسرعاً يريد قول كل ما لديه لأروى دفعة واحدة.

ظل يكتب إلى ما بعد أذان الفجر، الذي أتبع، على غير العادة، بتلاوة طويلة.

وفي الصباح البارد، المعتم ككل أيام كانون في هذه البلدة، أو بالأحرى ككل أصباح ومساءات هذه البلدة، عندما جاء التلاميذ إلى المدرسة ليحضروا درس الرياضيات الجديد، شاهدوا قرب حاوية القمامة عند باب المدرسة، نظارة سميكة مهشَّمة العدسة، وأوراقاً ممزقة متناثرة لـمفكِّرة صغيرة، تسبح في برك الماء والوحل، وفردة يمنى لحذاء أسود باهت. ومن داخل الحاوية، تظهر مرفوعة للأعلى ومثنية، ساقان نحيلتان، في قدم إحداهما جورب مبتلٌّ مثقوب عند الأصابع، وفي قدم الأخرى فردة يسرى للحذاء الأسود، مثقوبة من الأسفل، لم تكن في يوم من الأيام لتمنع الماء والبرد من الدخول. وتقبض على حافة الحاوية من الداخل، كفٌّ حمراء متقلصة، يسيل عليها بكسلٍ دم لم يتخثَّر بعد، تقبض على صفحة من رسالة ناقصة مكتوبٌ فيها عن كثير كثير من الأشياء، من جملتها مسوّدة نظرية، كُتِب منها النص والفرض والطلب. أما البرهان، فقد أُنجِزَ قبل أن يسمح الوقت بكتابته على الورقة.



* من المجموعة الأولى لإياس محسن حسن بعنوان خرائط مدن محروقة، صادرة عن دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2000.


عن معابر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...