محمد صباح الحواصلي - ويمضي الخوف

ما إن غربت شمس القرى البعيدة, حتى اجتاحت الظلمة قرية "قلدون" التي تهجع نائية وراء المدى المنسي, بعيدا عن الطريق العام الذي يصل دمشق بالنبك. ظلمة هادئة لم آلفها في مدينتي دمشق. وهذا ما زاد من قلقي وخوفي على أخي ماجد الذي خرج مع إبراهيم أبن العم عطا إلى البرية من باكورة الصباح.

قلت للعم عطا وكان قد وصل لتوه من الكرم:

"أخي ماجد وإبراهيم لم يعودا من البرية!"

لم يبد عليه القلق, بل اكتفى بأن أشار بيده بحركة متعبة قائلا:

"حيرجعو.. ماتنشغل."

"أنا خائف عليهما من الليل والذئاب."

"الليل لا يخيف والدرب آمنة."

أشاع كلام العم عطا في نفسي شيئا من الإطمئنان, فهو فلاح خبر قريته وليلها ولابد أن يكون في كلامه الكثير من الصحة والصدق. تبعته وهو يدخل حماره الحظيرة, وجعلت أرقبه وهو يفك سرجه المهتريء, وقد امتلأ أنفي برائحة التبن وروث الدواب. قال لي وهو يدفع السرج من على ظهر الحمار:

"الليل لا يخيف. أنتم فقط أهل المدينة تجعلونه مخيفا. نحن الفلاحين لا نخاف من الليل لأننا نعرفه جيدا وألفنا ظلمته. أما أنتم فتخافون من الليل لأنكم لا تعرفونه. لقد بددتموه بالأنوار فأصبحتم لا تعرفونه على حقيقته, وعندما تلقونه في القرية بظلمته وهدوئه تحسبونه وحشا سيفترسكم."

كنت في سن أسمع فيه كثيرا, وأتقبل ما أسمع, وما أقل ما أقول. وأنا الآن عندما أعود بذاكرتي إلى الطفولة أجد تلك الليلة القروية ماثلة أمامي بوضوح محرض وكأنها تتباهى بسلطانها على طفولتي, وبتميزها من كثير من الذكريات.

جعلت اقلب كلام العم عطا, الذي يُعرفُ بين أهلي بالبساطة والسذاجة أحيانا, فوجدته معلما نادر المثال. لقد تعلمت من العم عطا كيف أتغلب على الخوف.. وأن الليل جميل وآمن. كنت أنصت إليه بأمتثال وهو يحدثني عن الظلام. وعندما أسترجع كلماته الآن أشعر بفرادتها وأعجب كيف تصدر عن قروي بسيط. كانت تجربته الخالصة هي التي تنطق فيه. فالعم عطا يقول ما يجرب ويرى ويحس.. فلاح خبر الليل ودروبه واهتدى بقمره وهجومه.. وأدرك بأعماقه أنه أليف وآمن.

"ولماذا نخاف الليل يا ولدي؟"

قلت له وكان واضحا أنني ألتمس منه اجابة تبدد خوفي من الليل:

"لأن الجان تخرج في الليل."

ضحك العم عطا ملء شدقيه وقال وهو ينظر إليَّ مستنكرا بعينين صقريتين بيد أنهما مترعتان بالحب والبساطة:

"يا بني وماذا ستفعل الجان بالفلاحين البسطاء؟ إننا نتعب ونشقى طوال النهار لنحصل على لقمة العيش فماذا ترتد الجان منا؟" ثم ضحك وأمسك بيدي ونادى:

"يا أم إبراهيم.. أعدِّي العشاء, فضيفنا جائع."

"لننتظر مجيء ماجد وإبراهيم كي يتعشيا معنا."

"سيعودان قبل أن تنتهي أم إبراهيم من إعداد العشاء."

عجبت لوثوق العم عطا من عودتهما. وثوق يدل على أنه لا مكانة للقلق في صدره فتمنيت أن أكون مثله, رجلا لا يخاف الليل ولا يقلقه.

دخل العم عطا الحجرة, فوجدت نفسي وحيدا في عتمة حوش الدار الذي تسرب إليه نور مصباح الكاز من نافذة الحجرة – نور ضئيل يكاد لا يبين بيد أنه يؤنس النفس ويشيع فيها الإطمئنان. بلغت باب الحوش الخارجي وجعلت أرمقه بتردد. بلعت ريقى ورفعت نظري إلى السماء. كانت النجوم تبرق واضحة وقد بدا القمر وكأنه يترقب منى أن أقوم بالخطوة التالية. ويشق صوت العم عطا سكون الليل:

"أخرج وتمشَّ حول الدار ريثما ينتهي العشاء."

التفت إلى مصدر الصوت وقلت بنبرة تتظاهر بالشجاعة:

"حاضر يا عم عطا.. سأفعل."

دفعت رتاج الباب الخشبي وخرجت. صدمتني ظلمة حالكة. أمعنت النظر في الديجور فتملكني إحساس أن لا محيد عن الخوف. عجبت كيف أن العم عطا لا يخاف الليل. أتراه كان يهذي عندما حدثني عن أمن الليل وهدوئه؟ هدوؤه بالذات بضاعف إحساسي بالخوف, فلو كان ثمة حركة أدمية من حولي لما خفت خوفي هذا. لكن هذا كله لم يمنعني من أن أقوم بالخطوة التالية.. وقد أرهفت سمعي تأهبا لأية مباغتة تنشب في الظلام. ظللت أتقدم إلى أن غرقت في العتمة. كنت أسمع خطوات قدمي وهما تدوسان تراب الأرض المحصاة. كانت خطواتي أنيسي الوحيد. كل خطوة فيها من الإقدام والشجاعة ما لا عهد لي به من قبل. لم أكف عن التقدم وكان خوفي يتعاظم وكنت أنتظر اللحظة التي سينعدم فيها الخوف في داخلي لهذا كنت أردد كلمات العم عطا.. أرددها لأنني آمنت بها, ولو كنت غير مؤمن بها لما عرضت نفسي لهذه المجازفة.

لقد تجاوزت قلقي على أخي وإبراهيم. وكيف لا أتجاوزه وقد اصبحت بنفسي مطوقا بالخوف. شعرت وكأنني قد قضيت وقتا طويلا في أعماق الليل, وأنني لابد أن أكون قد ابتعدت كثيرا عن الدار. التفت خلفي لأرى بوابة الحوش لا تبتعد عني الا بضعة أمتار. أخذت نفسا عميقا ووطدت العزم على أن اثابر على تحدي الخوف من الظلام. الليل كما قال لي العم عطا لا يخيف إنما نحن الذين نجعله مخيفا.

جعلت أتقدم خطوات أكثر جرأة, ولا أخفيكم أنني كنت خائفا حتى الموت, بيد أنني بدأت امقت خوفي, وانتابتني رغبة صادقة بأن أتحرر منه. كنت أشجع نفسي وأمنيها الأماني العراض بأنني لو تغلبت على الخوف من الليل فانني لا محالة سأصبح أكثر صبيان الحارة شجاعة.

وجعلت أغني ففي الغناء مؤانسة وصرف للخوف. وجدت نفسي أردد أغنية كنا أنا وماجد وإبراهيم نغنيها عند الصباح الباكر ونحن ممتطون ظهر حمار عطا قاصدين أشجار الجوز عند مشارف القرية. وبغتة تناهى إليَّ عواء ذئب تبعه نباح كلاب فانقطع الغناء في حلقي وتبسمرت قدماي في الأرض من شدة الخوف. كادت تنهار خطواتي كلها التي بذلتها في شرخ الخوف, ومع ذلك كان ما يزال في أعماقي صوت غير هياب يحثني على أن أتجلد. حاولت أن أرفع قدمي فلم أستطع. لقد أمسيت عاجزا عن أن أتقدم خطوة واحدة. ولكن عليَّ الاَّ استسلم. يجب أن أخطو بكل شجاعة ولو كان هلاكي. بل يجب أن أركض في قلب الليل ولن أتنازل عن هذه التجربة العظيمة التي ستجعلني رجلا.

وفعلا خطوت.. بل هممت أن أركض! وما أروع تلك اللحظة التي بدا الأمر فيها في غاية السهولة. ركضت وعانقت الليل بأنتشاء! أحسست أنني فزت بالرجولة.. فغنيت.. غنيت بصوت عال. ثم جاءت اللحظة التي كنت منصرفا عنها على الرغم من أنني كنت أنتظرها بفارغ الصبر فقد تناهى إليَّ من بعيد صوت ماجد وإبراهيم وهما يغنيان.

ركضت صوب الصوت وأنا أناديهما بفرح عامر:

"ماجد.. إبراهيم.."
وجعلت أردد معهما أغنية الصباح, وأتحدت أصواتنا النحيلة في عمق العتمة. ومن بعيد – من بعيد حقا – جاءنا نداء العم عطا:
"يا أولاد.. تعالوا للعشاء."
وبصوت واحد صرخنا ثلاثتنا:
"إننا قادمون.."



محمد صباح الحواصلي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...