وليد معماري - أختي فوق الشجرة

الحكيم
خرجت أمي من الليوان إلى أرض الدار، ونادتْ دون انتظار ردٍّ من أختي هدلا: صار وقت الإفطارِ يا هدلا.

ولم تولِ أمي انتباهاً إلى أن هدلا كانت تنزلُ زاحفة، نحو الخلف على الدرج، وهذه كانت طريقةُ ابنتها في النزول، وفي الصعود من، وإلى عليتها.

كانت هدلا تضحك بصوت أبله متهدج، وقد اعتدنا على ضحكاتها، وأكثر من هذا، حين فقدت هدلا الكثيرَ من قوة عضلاتها، وفقدت القدرة على التعبير بنطق سليم ومتوازن، لم يبقَ لها من وسيلة للتعبير عن انفعالاتها سوى الضَّحك، كأنما امتلكت لغة سرية، بدأنا نتعاملُ معها، ونفهمها تدريجيّاًً بعد بدءِ علَّتِها، تلكَ، العلة التي شخصها الأطباء على أنها حالة ضمور عضلي، قد تكون وراثيةً، أو لا تكون.

اقتربت هدلا من المائدة بخطوات بطيئة، كما لو كانت تغوص في أكوام من الثلج، وكنا نتابع الأكل، دون أن ننظر إلى القادمة، لولا أن أمي سألتها: ماذا تحملين يا مقصوفةَ العُمر؟!

لحظة ذاك التفتنا نحو هدلا، ولاحظنا أنها تحتضن قطيطاً صغيراً بين ذراعيها، أسود اللون، مع تكحيلةٍ بيضاءَ صغيرة على عنُقه، وراحت تقترب ببطء نحونا.

تابعت أمي: من أين حصلتِ على هذا الحيوان الجني يا هدلا؟

أطلقت هدلا ضحكات لم نفهمها مباشرة، وردّت بكلمات بلهاء، غير مترابطة، وبكثير من الإشارات العشوائية، فهمنا منها أنها، ربما، نسيت باب العلية مشقوقاً، واستيقظتْ ووجدت القطيط ينام في حضنها، واستطاعت هدلا، بطريقة، أو أخرى، إفهامنا، أن القطيط، استيقظ وهو جائع، لكنه لم يعبّر عن جوعه بنداء: نياو، نياو، بل نظر إليها متوسلاً.

قالت أمي: اتركي القطَّ الأسود يا هدلا. جلوسه على السفرة سيجلب لنا الكثير من النحس، واذهبي لغسل يديك، وعودي.

التفتت أمي، وسألتني بسخرية: ما رأيُك ياحكيم؟

ولم أكن حكيماً، بل مجرد طالب طب في سنته الثانية، وكنت أخطط لأن أصير طبيب أرواح، مدركاً أني سأعالج مريضاً أو مريضين في السنة، وقلت لأمي: دعيها تفرح بقطيطها الأسود، وهذا، ربما، يكون جزءاً من العلاج، فنظرت أمي إليّ، كما لو كنت مرشحاً لاضمحلال قادم في وظائف العضلات والعقل.

أما أبي فكان يأكل على مهل، ويرتشف الشايَ الساخن ، بين اللقمة واللقمة، بصوت تعوّدنا عليه، دون أن ينظر إلينا، وهذا يعني أنه يتابع نقاشنا، موافقاً، بشكل سرّي، على وجود القطيط حاضراً على سفرة الإفطار، لأجل علاج مشكوك فيه، قد ينقذ هدلا.

قالت أمي: أنا لا آكل مع القطط.

أطلقت هدلا ضحكات، فيها الكثير من البكاء ومن الرفض، ووقفت حيث وصلتْ، وبدا لنا أنها ستتمسك بالقُطيط، وتستغني عن وجبة الإفطار، إلى أن قال أبي مخاطباً أمي، وهو يمضغ بصعوبة لقمته الخامسة، بسبب فقدانه لأضراسه:

- دعيها تفطر مع القط، يا زهوة.

اقتربت هدلا من سفرة الطعام. تربّعت، وراحت تأكل لقمة، وتطعم القطيط لقمة، مقتطعة أجزاء صغيرة من قرص الجبن الذي أمامها، وكان القط يستعرضنا واحداً واحداً، وبدا كما لو أنه يستأذِنُنا جميعاً، قبل أن يفتح فمه، ويتناول لقمته من يد هدلا، وبدت هدلا في قمة السرور لأن قطّها الصغير يأكل. وهتفت، وهي في ذروة سرورها، وبلغة لا تلجلج فيها: إنه يأكل، إنه يأكل.

وبدا أبي، دون أن تبدو على سحنته أية ملامح متفائلة، سعيداً لأن ابنته، استطاعت، عبر فرحها بالقطيط، تكرار جملة مفيدة متكاملة. أخواتي الثلاث الأصغر، فاطمة، ونورية، وسكينة، عبّرن عن إعجابهن بحركات القطيط، أكثر من إعجابهن بالطفرة التي صنعتها هدلا، عبر ابتسامات فرحة وصريحة، بينما أخونا الأصغر محمد، الأصغر من الجميع، لم يعبر عن أي انفعال، ووجه كلامه إلى هدلا، دون أن ينظر إليها: لا بد أنك وجدت اسماً لهذا القط. قولي ما اسمه؟

ضحكت هدلا، ومسحت بيدها على وبر صديقها الجديد، وقالت بوضوح: أسميته فادي!

امتقع وجه أبي، وجمدت الدماء في عروق أمي، بينما تابعت هدلا ضحكاتها البلهاء، وكررت: اسمه فادي، وضحكت: هو قال لي إن اسمه فادي.

أختي على البيدر

صنع أبي، وشريكُه أبو فادي بيدراً ضخماً، لأن موسم السنابل كان وفيراً ذاك العام. هطلت الأمطار غزيرة في الخريف والشتاء والربيع، وهذا يحدث مرة كل عشر سنوات، ومرةً كلَّ عشر سنوات كانت أزهار شقائق النعمان، تنبت غزيرة في البرية، مميزة بألوانها الأرجوانية، بين حشائش ونباتات لا يعرف أحد كل أسمائها، إذ تنشق الأرض فجأة عن كائنات، نامت بذورها في التراب ما يقرب من تسعين سنة. وها هي تنبت من جديد، وتحتاج إلى من يبتدع لها أسماء تليق بها.

وأظن أن فادي كان يخترع مثل هذه الأسماء، ويتلوها على هدلا، بينما النورج يدور ويدور عكس اتجاه دوران الأرض، يجره بغل معصوب العينين، والبغل يظن أنه ماضٍ إلى زريبته، ومعلفه، غير مدرك أن دورانه رُسِم لغاية وحيدة تتلخص في تفتيت السنابل، واستخلاص الحنطة منها.

ورأيت أختي هدلا تجلس مع فادي فوق النورج، فيما البغل المعصوب العينين، يدور بهما برتابة تستدعي النعاس، وكان بين يدي فادي كتاب القراءة للصف الثالث، وهو كتابها، لأن فادي كان في الصف الخامس، يشير بإصبعه إلى صورة أو كلمة، فتضحك هدلا، وتقرّب رأسها من رأس فادي أكثرَ فأكثر إلى درجة أن الشَّعر يلامس الشَّعر، وتهمس له بشيء، فيبتسم فادي، ثم يصطنع العبوس، ومعاودة تمثيل دور المعلم. بينما تعود هدلا إلى الجدية، كما لو كانت تتعلم منه.

فادي

قرّبت هدلا رأسها من رأسي، ولامس شعرُها، الممتلئ بغبار التبن، شعري، وقالت، وهي تنظر مخاتَلَـة إلى الصورة التي أشيرُ إليها بإصبعي في كتاب القراءة: سأصبح ذات يوم عروسك. فسرت حرارة لاسعة في أذنيَّ من الكلام الذي قالته هدلا، وخشيت أن يلاحظ مراقبو الدَّريس هذا الاحمرار الطارئ، ثم عزوت تجاهل المراقبين للوضع الحاصل لدي إلى أن الشمس كانت في أشد حالات لهيبها، منتصف النهار، وتجرأت، وقلت لهدلا، وأنا أقلب صفحة من الكتاب: وأنا كذلك. قالت: هل تعتقد أننا أصبحنا خطيبين؟

لم أجبها، واندفع عضدي نحو صدرها بفعل حركة سريعة مباغتة من البغل الذي يدور بالنورج. واكتشفت أن هدلا لم تتكلم عبثاً، لأن شيئاً جديداً متكوراً كان ينبت، ويبدأ بمحو آخر ملامح الطفولة لديها، فيما بدأت تستيقظ لدي، في تلك اللحظة أول مشاعر النَّسغ الساري في جذع شجرة.

لم أكن أعرف معنى الحب، ولكني أدركت أننا خلقنا لنعيش معاً، كانت هي الأولى في صفها، وكنت أنا الثاني في صفي. ولم تتفاخر ولو لمرة واحدة، بتفوقها عليّ، وفيما بعد انفصلنا دراسياً، أنا صرت في الإعدادية، وهي بقيت في الابتدائية، مدرستانا كانتا متلاصقتين ظهرًا إلى ظهر. ننصرف في وقت واحد، وكنت، بُعيدَ كل انصراف، أجدها تنتظرني، كي نعود معاً إلى الحارة، وبدا الأمر محرجاً لي، وربما لها، في البداية، ثم تعودنا، وتعود الآخرون على رؤيتنا معاً، وكنا في كل موسم دريس نتابع جلوسنا فوق النورج، وتلسعنا الشمس بقسوة.

نلت الشهادة الثانوية، بتفوق فاق المتوقع، وحين ركبنا النورج لآخر مرة، بدت هدلا حزينة، وراحت تحث البغل على الإسراع في دورانه، مدركة بحسها الصافي، أني سأهجر هذه الشمس، وأسافر إلى بلاد ثلجية بعيدة، كي أتقن إطلاق الأسماء على نباتات، لا أحد يعرف أسماءها، تنبت في الجبل الشرقي من قريتنا.

الحكيم

أدركت أن علاقة طفليّة، يغلب عليها طابع البساطة، كانت تربط بين هدلا وفادي، علاقة زُرعتْ في حقل عقيم، لا تنبت فيه إلا الأشواك، وكنت أدرك أن تشعبات الزمن ستحل المشكلة، وقد مضى فادي للدراسة في بلاد بعيدة لها اسم صعب، بينما كانت هدلا تسأل أمها في عصاري الصيف: ما اسم البلاد التي سافر إليها فادي؟ وتجيب الأم: والله يا بنتي لم أحفظ اسمها. فتهز هدلا رأسها، وتقول: لا بد أنها بلاد بعيدة أعرف أنها ستبتلعه. قريتنا كئيبة حين لا يكون فيها طفل اسمه فادي!

خواطر القطيط فادي

يبدو أن هذه العائلة بمجملها لا تحبني، ما عدا هدلا التي التجأتُ إلى حضنها ذات ليل، كلما أكلت لقمة نظروا إليّ كما لو كنت أسرق لقمتي من أفواههم. وكلما ضمتني هدلا إلى حضنها بحنان، يظن الجميع أنها تمارس شوقاً إلى فادي، هذا خطؤها. وأنا أصلاً لم أحب إطلاق اسم شخص لا أعرفه عليّ.

سأختفي هذه الليلة، في مثل الساعة التي دخلت فيها إلى علية هدلا، سأفتقد هدلا، وأعتقد أنها ستنساني بأسرع مما أعتقد.

الحكيم

تحلقنا حول مائدة الإفطار، وكان على أمي أن تنهض، لتنادي هدلا، لكنها لم تنهض، لأنها سمعت، وسمعنا جميعاً، صوت بكاء هدلا التي كانت تعبّر عن مشاعرها اليومية بالضحك، لم تكن تبكي، وهي تنزل الدرج زاحفة، نحو الخلف، بل تتفجع، وفهمنا من خلال تفجعها، أنها لم تجد القطيط في سريرها حين استيقظت.ولم تقترب من السفرة، بل عبرت بتلاوين بكائها أنها ستذهب للبحث عن فادي.

قالت أمي: اسكتي يا هدلا، بعد أن ننتهي من إفطارنا سنذهب جميعاً للبحث عن قطك الضائع.

أما أبي فقد دسّ ربع رغيف في فمه، وحاول دفعه إلى معدته بمساعدة جرعة كبيرة من الشاي، وغصَّ، وكاد يختنق، فيما راحت أمي تقرع فوق ظهره بجماع كفها، وعزيمتها.

ومضينا جميعاً نبحث عن القطيط الضائع. بداية جرَدْنا كل زاوية في البيت، ولم نجد ما كنا نبحث عنه، واكتشف أبي أن الغطاء المعدني للبئر، لم يكن فوق الفوهة التي نستقي منها الماء، وهذا يعني أن مشكلة غياب القطيط، أضيف إليها مشكلة جديدة، ملخصها أن مياه البئر، كما عبر عن ذلك أبي، لم تعد صالحة لا للوضوء، ولا للشرب، على فرض أن القطيط ألقى بنفسه في الفوهة. وكما هو متوقع فقد انتشر صوت بكاء هدلا، وخبر ضياع قطيطها في كل بيوت القرية، وقد تطوع جمع منهم للبحث عن الحيوان الصغير في بيوتهم، وفي زرائبهم، بينما تفرغ أفراد عائلتنا لتوازعِ الجهات في الحقول المجاورة بحثاً عن كائن مفقود، ثم وسّعنا دائرة البحث في كل أرجاء ما كنا نسميه البرية، وحين حل الظلام، عدنا خائبين.

أختي فاطمة

لسعت شمس الصباح وجهي، فنهضت، وصعدت إلى العلية، لأطمئن إن كانت أختي هدلا لم تبلل مخدتها بالدموع في ليلة فقدها فادي.

ولم أجدها في فراشها، فخرجت من الباب الخلفي للدار، ذاك الذي ينفتح على حقل وسيع، وكان في نيتي مناداة رب العالمين كي يعيد إلينا هدلا سالمة، بقطيط أو دون قطيط. وحين سرحت نظراتي فوق شجرة الجوز، رأيت هدلا متمددة فوق أعلى غصن في الشجرة، كانت تجلس بلا حراك، بينما القطيط جالس في حضنها، يحرك رأسه في كل الاتجاهات.

صرخت بأعلى صوت متاح لي: وجدت هدلا، وجدت هدلا،والتفّ الجمع الذي تطوع للبحث عنها حول شجرة الجوز، والجميع كانوا ينظرون نحو الأعلى، ما عدا أبي الذي بدا أنه يكتشف لأول مرة أنه يمتلك قدمين كبيرتين، يعلوهما جسم هزيل، وقال: لا بد سنحتاج إلى سلّم طويل لإنزال جسد هدلا.

فادي

عدت إلى القرية، وكنت أحمل تحت إبطي امرأة شقراء تشبه الإبرة في نحولها، وشهادة تتيح لي إعادة تسمية نباتات البرية في السنوات الخصبة بأسماء لاتينية مبتكرة، وظننت أن مثل هذه المهمة لا يمكن أن تتم دون دليلة تدعى هدلا.

سألت أبي: أين هدلا؟

قال أبي: لم يكن في قريتنا فتاة تدعى هدلا.

وانتحيت ركناً في بيدر مهجور، وبكيت، وكان بكائي يشبه تفجعات هدلا حين أضاعت قطها الوفي.





وليــد معماري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...