مصطفى تاج الدين الموسى - كتاب‭ ‬الحكايات

خرجتُ‭ ‬من‭ ‬الحانة‭ ‬مخموراً‭ ‬أبحثُ‭ ‬عن‭ ‬أغنية‭ ‬تساعدني‭ ‬لأطير‭ ‬عالياً‭.‬
لم‭ ‬أعثر‭ ‬على‭ ‬أغنية،‭ ‬عثرتُ‭ ‬على‭ ‬عاهرة‭ ‬بدينة‭.‬
قالتْ‭ ‬لي‭: ‬أنا‭ ‬مستعدة‭ ‬لأيّ‭ ‬شيء‭ ‬تريده‭.‬
قلتُ‭ ‬لها‭ ‬بحزن‭: ‬تعالي‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬غرفتي،‭ ‬أحتاجكِ‭ ‬هذه‭ ‬الليلة‭..‬
ودفعتُ‭ ‬لها‭ ‬ضعف‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬الآخرون‭.‬
في‭ ‬غرفتي‭ ‬رميتُ‭ ‬جسدي‭ ‬على‭ ‬سريري‭ ‬بتعب،‭ ‬خلعتْ‭ ‬ثيابها‭ ‬واستلقتْ‭ ‬جانبي‭.‬
من‭ ‬تحت‭ ‬وسادتي‭ ‬أخرجتُ‭ ‬كتاب‭ ‬حكايات‭ ‬شعبية‭ ‬لهانس‭ ‬أندرسن،‭ ‬عندما‭ ‬كنتُ‭ ‬طفلاً‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أنام‭ ‬حتى‭ ‬تقرأ‭ ‬لي‭ ‬أمي‭ ‬حكاية‭ ‬شعبية‭.‬
أنا‭ ‬أحد‭ ‬المحرومين‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬بشكلٍ‭ ‬طبيعي‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬غادر‭ ‬طفولته‭.‬
ـــ‭ ‬اقرئي‭ ‬لي‭ ‬الحكاية‭ ‬الثالثة‭..‬
ـــ‭ ‬أهذا‭ ‬ما‭ ‬تريده‭!‬؟
ـــ‭ ‬نعم‭.. ‬أرجوكِ‭..‬
وهي‭ ‬تقرأ‭ ‬نمتُ‭ ‬بعمق،‭ ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬هكذا‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭. ‬عندما‭ ‬استيقظتُ‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬لم‭ ‬أعثر‭ ‬عليها،‭ ‬لا‭ ‬مشكلة،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أعثر‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭.‬
بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬ذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬الحانة،‭ ‬سألتُ‭ ‬مديرها‭ ‬العجوز‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬العاهرة‭ ‬التي‭ ‬سرقتْ‭ ‬كتاب‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭.‬
قال‭ ‬لي‭: ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬أخذتها‭ ‬معك‭ ‬لم‭ ‬ترجع‭..‬
اختفتْ‭ ‬هي‭ ‬وتلك‭ ‬الحكايات‭.‬
مرّة‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬جدي‭: ‬كلّ‭ ‬عاهرة‭ ‬حزينة،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬حكاية‭ ‬شعبية،‭ ‬وقارئ‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬أغنية‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬الطيران‭.‬
كم‭ ‬هم‭ ‬لطفاء‮ ‬
‮ ‬لدي‭ ‬معاناة‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬شعري‭ ‬عمرها‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬أُطيله‭ ‬دائماً‭ ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬أقصه‭ ‬إلا‭ ‬بشكلٍ‭ ‬طفيف‭.. ‬لكنه‭ ‬جعد‭ ‬وأنا‭ ‬أريده‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ناعماً‭ ‬كالحرير،‭ ‬وقد‭ ‬جربت‭ ‬معه‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكريمات‭ ‬والزيوت،‭ ‬لكنه‭ ‬ظلّ‭ ‬جعداً،‭ ‬وعندما‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬نسمة‭ ‬هواء‭ ‬بسيطة‭ ‬تكفي‭ ‬لأن‭ ‬تحولني‭ ‬إلى‭ ‬غول،‭ ‬فيهرب‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬أمامي‭ ‬وكأنّ‭ ‬وجهي‭ ‬هو‭ ‬وجه‭ ‬“ميدوسا”‭ ‬ذي‭ ‬الأفاعي،‭ ‬آه‭ ‬من‭ ‬شعري‭ ‬الطويل‭ ‬أتعبني‭ ‬كثيراً‭ ‬ولم‭ ‬يصبح‭ ‬مثلما‭ ‬أريد‭.‬
اعتقلوني‭ ‬مساء‭ ‬البارحة،‭ ‬رئيس‭ ‬الدورية‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬البيت‭ ‬رحّب‭ ‬بي‭ ‬على‭ ‬طريقته‭ ‬الخاصة،‭ ‬استغربت‭ ‬منه‭.. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصافح‭ ‬يدي،‭ ‬صافح‭ ‬وجهي‭ ‬بحرارة‭ ‬ليطير‭ ‬سنٌّ‭ ‬من‭ ‬فمي‭ ‬ويسقط‭ ‬في‭ ‬الشارع‭. ‬ثمّة‭ ‬شعوب‭ ‬‭-‬كما‭ ‬قرأتْ‭-‬‭ ‬لديها‭ ‬عادات‭ ‬غريبة‭ ‬بالمصافحة‭ ‬كتقبيل‭ ‬الأنف،‭ ‬خمَّنت‭ ‬في‭ ‬سرّي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬الدورية‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب‭. ‬ثمَّ‭ ‬ركلني‭ ‬بمحبة‭ ‬إلى‭ ‬السيارة‭ ‬وذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬فرع‭ ‬الأمن،‭ ‬حزنتُ‭ ‬كثيراً‭ ‬لأجل‭ ‬سنّي‭ ‬المخلوع‭ ‬وتخيلتُ‭ ‬كيف‭ ‬سيدوسه‭ ‬أحد‭ ‬أطفال‭ ‬الحارة‭ ‬فيهرسه‭ ‬وهو‭ ‬يلعب‭ ‬بالكرة‭.‬
في‭ ‬الفرع‭ ‬رموني‭ ‬بمودة‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭ ‬ضيقة‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬الشبان،‭ ‬استطعتُ‭ ‬بصعوبة‭ ‬أن‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬الزاوية‭. ‬كانت‭ ‬صرخات‭ ‬هائلة‭ ‬تقتحم‭ ‬جدران‭ ‬زنزانتنا‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬الجهات،‭ ‬حظهم‭ ‬جميل‭ ‬نزلاء‭ ‬الزنازين‭ ‬المجاورة،‭ ‬لديهم‭ ‬تلفزيونات‭ ‬وهم‭ ‬الآن‭ ‬يتابعون‭ ‬مباراة‭ ‬ريال‭ ‬مدريد‭ ‬وبرشلونة‭ ‬ويشجعون‭ ‬بصخب‭.‬
مرتْ‭ ‬ساعة‭ ‬وأنا‭ ‬أراقب‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكوة‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬الزنزانة،‭ ‬تسلُّل‭ ‬الليل‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء،‭ ‬وثمّة‭ ‬ضوءٌ‭ ‬طفيف‭ ‬للقمر‭ ‬يعبر‭ ‬الكوة‭ ‬ليتناثر‭ ‬بين‭ ‬أجسادنا‭. ‬صدفة‭.. ‬لمحتُ‭ ‬على‭ ‬جدارٍ‭ ‬عن‭ ‬يساري‭ ‬عبارة‭ ‬“أنا‭ ‬أحبك‭ ‬يا‭ ‬لينا”،‭ ‬كلمة‭ ‬“أحبك”‭ ‬جعلتني‭ ‬أتنهد،‭ ‬فتحتُ‭ ‬فمي‭ ‬والتقطتُ‭ ‬منه‭ ‬سنّاً‭ ‬آخر‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬السقوط،‭ ‬ثمَّ‭ ‬نحتُّ‭ ‬بسنّي‭ ‬أسفل‭ ‬تلك‭ ‬العبارة‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬“هذا‭ ‬الرجل‭ ‬يحبك‭ ‬يا‭ ‬لينا،‭ ‬عليك‭ ‬اللعنة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تفهمي‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وعليك‭ ‬اللعنة‭ ‬أيضاً‭ ‬يا‭ ‬سميرة،‭ ‬لأنني‭ ‬أحبك،‭ ‬لكنك‭ ‬تشبهين‭ ‬لينا‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل”‭. ‬ثم‭ ‬رسمتُ‭ ‬قلب‭ ‬حب‭ ‬وثمة‭ ‬سهم‭ ‬غير‭ ‬مدبب‭ ‬مغروس‭ ‬به،‭ ‬انتهيتُ‭ ‬فوضعتُ‭ ‬سني‭ ‬بجيب‭ ‬قميصي‭.‬
آهٍ‭ ‬من‭ ‬الصبايا،‭ ‬إنهنّ‭ ‬لا‭ ‬يؤمنّ‭ ‬أبداً‭ ‬بأنّ‭ ‬“الرجل‭ ‬نصف‭ ‬المجتمع‮»‬‭. ‬كدتُ‭ ‬أختنق‭ ‬بسبب‭ ‬صمت‭ ‬الشباب،‭ ‬استدرتُ‭ ‬إلى‭ ‬يميني‭ ‬ثم‭ ‬شهقتُ‭ ‬وأنا‭ ‬أقول‭ ‬لجاري‭:‬
ـــ‭ ‬علي‭ ‬عقلة‭ ‬عرسان‭! ‬أنت‭ ‬هنا؟‭! ‬مرحباً‭.‬
ـــ‭ ‬يا‭ ‬هلا،‭ ‬لكن‭ ‬أنا‭ ‬لست‭ ‬علي‭ ‬عقلة‭ ‬عرسان‭.‬
طبعاً‭ ‬هذه‭ ‬حيلة‭ ‬من‭ ‬إبداعي،‭ ‬كنت‭ ‬أمارسها‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬باص‭ ‬“الدوار‭ ‬الجنوبي”‭ ‬لأفتح‭ ‬حديثاً‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬جواري‭. ‬عندئذٍ‭ ‬فُتح‭ ‬باب‭ ‬الزنزانة‭ ‬وصرخ‭ ‬العنصر‭ ‬باسمي،‭ ‬شعرتُ‭ ‬بالسعادة‭ ‬نهضتُ‭ ‬وأنا‭ ‬أتمتم‭:‬
ـــ‭ ‬حان‭ ‬موعد‭ ‬العشاء‭.‬
مشيتُ‭ ‬نحو‭ ‬الباب،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬سألتُ‭ ‬الشباب‭:‬
ـــ‭ ‬أَتُوصونني‭ ‬بشيء؟
بصراحة،‭ ‬خفتُ‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬مني‭ ‬أحدهم‭ ‬كيلو‭ ‬برتقال‭ ‬أو‭ ‬كيلو‭ ‬تفاح‭ ‬أو‭ ‬كيلو‭ ‬ميشيل،‭ ‬فالسوق‭ ‬قد‭ ‬أُقفل‭ ‬منذ‭ ‬ساعات‭. ‬لم‭ ‬ينبس‭ ‬أحد‭ ‬بحرف،‭ ‬تنفَّستُ‭ ‬الصعداء‭ ‬وخرجتُ‭. ‬عندها‭ ‬ركلني‭ ‬العنصر‭ ‬على‭ ‬رجليّ‭ ‬فسقطت‭.. ‬أمسكني‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬رجل،‭ ‬وزميله‭ ‬أمسكني‭ ‬من‭ ‬الرجل‭ ‬الثانية‭ ‬ثمَّ‭ ‬جرّاني‭ ‬وبسرعة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الطويل‭ ‬والمعتم‭. ‬كم‭ ‬هما‭ ‬لطيفان‭. ‬لا‭ ‬يريدان‭ ‬أن‭ ‬أمشي‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬أتعب‭ ‬رجليّ،‭ ‬فعلاً‭ ‬أخجلني‭ ‬لطفهما‭.‬
‮ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬المحقّق،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬شابٌ‭ ‬نحيلٌ‭ ‬وعار‭ ‬ٍ‭ ‬مضرج‭ ‬بدمائه‭ ‬ومغمى‭ ‬عليه،‭ ‬وكان‭ ‬المحقق‭ ‬يصوره‭ ‬بعدسة‭ ‬جواله،‭ ‬عندما‭ ‬انتهى‭ ‬حمله‭ ‬أحد‭ ‬العناصر‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭. ‬نظر‭ ‬إليَّ‭ ‬المحقق‭ ‬فابتسمتُ‭ ‬له،‭ ‬صاح‭ ‬بي‭:‬
ـــ‭ ‬لماذا‭ ‬شعرك‭ ‬طويل‭ ‬يا‭ ‬وغد؟
يا‭ ‬لله‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬لطيفة‭ ‬هذه‭ ‬الـ”وغد”‭ ‬كلمة‭ ‬فيها‭ ‬موسيقى‭ ‬لبيانو‭ ‬حنون،‭ ‬إنها‭ ‬الكلمة‭ ‬المفضّلة‭ ‬لدى‭ ‬زوج‭ ‬خالتي،‭ ‬يدلعني‭ ‬بها‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬شريكه‭ ‬بلعب‭ ‬الورق‭ ‬مع‭ ‬الأصدقاء‭.‬
ـــ‭ ‬لأن‭ ‬حلاق‭ ‬حارتنا‭ ‬معارض،‭ ‬وأنا‭ ‬أقاطعه‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬المؤامرة‭ ‬الكونية‭ ‬على‭ ‬البلد‭.‬
ـــ‭ ‬معارض؟‭! ‬أعطني‭ ‬اسمه‭ ‬وعنوانه‭.‬
ـــ‭ ‬اسمه‭ ‬“تاج‭ ‬الدين‭ ‬الموسى”‭ ‬وهو‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬القبر‭ ‬الرابع‭ ‬عن‭ ‬يمين‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون‭ ‬في‭ ‬المقبرة‭ ‬الجنوبية‭.‬
المحقّق‭ ‬أعطى‭ ‬العنوان‭ ‬للعناصر‭ ‬وأمرهم‭ ‬بجلب‭ ‬المدعو‭ ‬تاج‭ ‬حالاً،‭ ‬فرحتُ‭ ‬كثيراً،‭ ‬لديّ‭ ‬يقينٌ‭ ‬بأنّ‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنيّة‭ ‬وحدها‭ ‬فقط‭ ‬تستطيع‭ ‬الوصول‭ ‬للعالم‭ ‬الآخر‭ ‬لتعيد‭ ‬لي‭ ‬أبي‭ ‬الذي‭ ‬توفي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭.‬
‮ ‬ابتسم‭ ‬المحقّق‭ ‬بخبث‭ ‬وهو‭ ‬يربط‭ ‬يديّ‭ ‬إلى‭ ‬خلف‭ ‬ظهري،‭ ‬ثم‭ ‬التقط‭ ‬شعري‭ ‬الطويل‭ ‬وجمعه‭ ‬في‭ ‬كفه‭ ‬وربطه‭ ‬بحبل‭ ‬ثخين‭. ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مرَّر‭ ‬هذا‭ ‬الحبل‭ ‬من‭ ‬حلقة‭ ‬معدنية‭ ‬في‭ ‬السقف،‭ ‬ثمَّ‭ ‬شدَّ‭ ‬الحبل‭ ‬هو‭ ‬والعنصر‭ ‬فارتفع‭ ‬جسدي‭ ‬للأعلى‭ ‬لأصير‭ ‬معلقاً‭ ‬بالسقف‭ ‬من‭ ‬شعري‭.. ‬وااااااااو‭.. ‬أدهشتني‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬الظريفة‭ ‬وكأنني‭ ‬أرجوحة،‭ ‬صار‭ ‬المحقق‭ ‬يدفع‭ ‬جسدي‭ ‬إلى‭ ‬العنصر،‭ ‬والعنصر‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬يدفع‭ ‬جسدي‭ ‬إلى‭ ‬المحقق‭ ‬وهما‭ ‬يضحكان‭ ‬كطفلين‭ ‬صغيرين‭. ‬ضحكتُ‭ ‬معهما‭ ‬أعجبتني‭ ‬جداً‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة،‭ ‬رحت‭ ‬أغني‭ ‬لهما‭ ‬أغنية‭ ‬“يارا”‭ ‬لكن،‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬تثاءب‭ ‬المحقق‭ ‬ثمَّ‭ ‬خرج‭ ‬هو‭ ‬والعنصر‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬ليناما‭ ‬قليلاً‭. ‬بقيتُ‭ ‬وحيداً‭ ‬هنا‭ ‬معلقاً‭ ‬بالسقف‭ ‬من‭ ‬شعري،‭ ‬حزنتُ،‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يبقيا‭ ‬ليلعبا‭ ‬معي؟‭ ‬ماذا‭ ‬يخسران؟‭ ‬اللعبة‭ ‬كانت‭ ‬ممتعة‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬الثلاثة،‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬لطيف‭ ‬هذا‭ ‬المحقق‭.. ‬لكنه‭ ‬‭-‬لسوء‭ ‬حظي‭-‬‭ ‬نسي‭ ‬أن‭ ‬يصورني‭ ‬بعدسة‭ ‬جواله،‭ ‬وبهذا‭ ‬خسرتُ‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬لأصير‭ ‬مشهوراً،‭ ‬تطاردني‭ ‬نظرات‭ ‬المعجبات‭ ‬حيثما‭ ‬ذهبتْ‭.‬
‮ ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬ساعات‭ ‬بدأ‭ ‬دمي‭ ‬يسيل‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬جبيني‭ ‬على‭ ‬وجهي،‭ ‬عندئذ،‭ ‬اقتربتْ‭ ‬من‭ ‬وجهي‭ ‬بضع‭ ‬ذبابات‭ ‬وحطتْ‭ ‬على‭ ‬جبيني‭ ‬لتشرب‭ ‬دمي‭ ‬بنهم‭. ‬ثمّة‭ ‬ذبابة‭ ‬منهن‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬شربتْ‭ ‬طارتْ‭ ‬لتحط‭ ‬على‭ ‬أنفي،‭ ‬ابتسمتْ‭ ‬وقالتْ‭ ‬لي‭:‬
ـــ‭ ‬شكراً‭ ‬لك،‭ ‬دمك‭ ‬نبيذ‭ ‬ٌلذيذ‭.‬
ـــ‭ ‬تكرم‭ ‬عينك‭ ‬صديقتي،‭ ‬أنا‭ ‬بخدمة‭ ‬الحلوين‭.‬
ـــ‭ ‬ممكن‭ ‬سؤال؟
ـــ‭ ‬تفضلي‭.‬
ـــ‭ ‬هل‭ ‬تؤمن‭ ‬بوجود‭ ‬الله؟
ـــ‭ ‬ممممم،‭ ‬بصراحة،‭ ‬وأنا‭ ‬معلق‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أؤمن‭ ‬بأيّ‭ ‬شيء‭.‬
ـــ‭ ‬يعني‭ ‬أنتَ‭ ‬ملحد‭.‬
ـــ‭ ‬أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬مؤمناً‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬الماضي‭.‬
صمتنا‭ ‬لدقيقة‭ ‬أنا‭ ‬وهي،‭ ‬زفرتُ‭ ‬ثم‭ ‬أردفتُ‭ ‬لها‭:‬
ـــ‭ ‬بصراحة‭ ‬صديقتي‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الإيمان‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬أحب‭ ‬الإيمان‭ ‬والإيمان‭ ‬المضاد،‭ ‬ومنذ‭ ‬طفولتي‭ ‬أشعر‭ ‬بأن‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬بي‭.‬
ـــ‭ ‬ممممم‭.‬
فجأة‭ ‬دخل‭ ‬المحقّق‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة،‭ ‬فطارتْ‭ ‬الذبابات‭ ‬عن‭ ‬وجهي‭ ‬مذعورة،‭ ‬تلك‭ ‬الذبابة‭ ‬همستْ‭ ‬لي‭ ‬وهي‭ ‬تبتعد‭:‬
ـــ‭ ‬باي‭ ‬حبيبي‭.‬
المحقّق‭ ‬أمر‭ ‬العنصر‭ ‬بإنزالي‭ ‬وإرجاعي‭ ‬للزنزانة،‭ ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أسأله‭ ‬بخصوص‭ ‬العشاء،‭ ‬لكن‭ ‬العنصر‭ ‬ركلني‭ ‬على‭ ‬رجليّ‭ ‬فسقطت،‭ ‬ليلتقطهما‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬ويجرّني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الطويل‭ ‬والمعتم‭.‬
من‭ ‬باب‭ ‬إحدى‭ ‬الزنزانات‭ ‬على‭ ‬طرَفي‭ ‬الممر،‭ ‬تناهى‭ ‬لأذني‭ ‬صوت‭ ‬صرخات‭ ‬تشبه‭ ‬صوت‭ ‬والدي،‭ ‬فرحتُ‭ ‬جداً‭ ‬وصرختُ‭ ‬عليه‭:‬
ـــ‭ ‬كيفك‭ ‬بابا؟‭ ‬لا‭ ‬تهتم،‭ ‬الشباب‭ ‬لطفاء‭ ‬جداً،‭ ‬اطمئن‭. ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬سيرسلوننا‭ ‬إلى‭ ‬تلفزيون‭ ‬الدنيا‭ ‬لنتحدث‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرا‭ ‬عن‭ ‬تجاربنا‭ ‬القصصية‭ ‬المهمة،‭ ‬ثم‭ ‬سنحصل‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬تذكارية‭ ‬مع‭ ‬مذيع‭ ‬فقرة‭ ‬“التضليل‭ ‬الإعلامي”‭ ‬وبعدها‭ ‬سنرجع‭ ‬للبيت‭ ‬لنشرب‭ ‬عرق‭ ‬الريان‭. ‬لا‭ ‬تهتم،‭ ‬أمعك‭ ‬دخان؟‭ ‬سيجارتان‭ ‬فقط،‭ ‬برحمة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬يستر‭ ‬على‭ ‬عرضك،‭ ‬خرمااااااان‭.‬
على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬أبي‭ ‬لم‭ ‬يسمعني‭ ‬بسبب‭ ‬صراخ‭ ‬مشجعي‭ ‬ريال‭ ‬وبرشلونة،‭ ‬كان‭ ‬العنصر‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬زنزانتي‭ ‬وأنا‭ ‬مستلق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬أفكر‭ ‬بعمق‭:‬
ـــ‭ ‬عملية‭ ‬إرجاع‭ ‬والدي‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬ستضع‭ ‬الفقهاء‭ ‬بموقف‭ ‬محرج‭ ‬للغاية‭ ‬أمام‭ ‬المؤمنين،‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يلهمهم‭ ‬الله‭ ‬التفسير‭ ‬المناسب‭.‬
ثمَّ‭ ‬حملني‭ ‬ذلك‭ ‬العنصر‭ ‬الرومانسي‭ ‬بين‭ ‬ذراعيه‭ ‬كأنَّني‭ ‬عشيقته،‭ ‬ورماني‭ ‬بلطف‭ ‬إلى‭ ‬جوف‭ ‬الزنزانة‭.‬
على‭ ‬ضوء‭ ‬القمر‭ ‬الخافت‭ ‬والمتسلل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الكوة‭ ‬بالأعلى،‭ ‬رحتُ‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬علي‭ ‬عقلة‭ ‬عرسان،‭ ‬لكن‭ ‬أحد‭ ‬الشباب‭ ‬نقر‭ ‬على‭ ‬كتفي‭ ‬وهو‭ ‬يهمس‭ ‬لي‭:‬
ـــ‭ ‬هل‭ ‬لديك‭ ‬ثقافة‭ ‬جيدة‭ ‬بالجثث؟
ـــ‭ ‬نعم،‭ ‬فأغلب‭ ‬أفراد‭ ‬أسرتي‭ ‬ماتوا‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭.‬
ـــ‭ ‬إذا‭ ‬سمحت‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬تتأكد‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬قد‭ ‬مات‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬لأن‭ ‬نظري‭ ‬ضعيف‭. ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬أشار‭ ‬لي،‭ ‬فلمحتُ‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬النحيل‭ ‬والعاري،‭ ‬انحنيتُ‭ ‬إليه‭ ‬وحضنتُ‭ ‬رأسه‭ ‬وأنا‭ ‬أرفعه‭ ‬نحو‭ ‬ضوء‭ ‬القمر،‭ ‬اقتربتُ‭ ‬بوجهي‭ ‬من‭ ‬وجهه‭ ‬حتى‭ ‬لامس‭ ‬أنفي‭ ‬أنفه‭ ‬وأنا‭ ‬أمعن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬عينه،‭ ‬ثمَّ‭ ‬كان‭ ‬أن‭ ‬شاهدتُ‭ ‬وجهي‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬عينه‭.‬
‮ ‬شهقتُ‭. ‬شعري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬جعداً‭ ‬وكأنه‭ ‬قد‭ ‬صار‭ ‬ناعماً‭ ‬كالحرير‭. ‬لم‭ ‬أصدّق،‭ ‬تركتُ‭ ‬رأس‭ ‬الشاب‭ ‬ليسقط‭ ‬ثمَّ‭ ‬تحسستُ‭ ‬شعري‭ ‬بكفيَّ‭. ‬عندئذٍ‭ ‬تأكدتُ‭ ‬أن‭ ‬شعري‭ ‬صار‭ ‬ناعماً‭ ‬كالحرير‭.‬
طار‭ ‬عقلي‭ ‬من‭ ‬الفرح،‭ ‬فوقفتُ‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الزنزانة‭ ‬وأنا‭ ‬أضحك‭ ‬كمجنون،‭ ‬وصرتُ‭ ‬أصفق‭ ‬وأتمايل‭ ‬بطرب،‭ ‬الشباب‭ ‬صفقوا‭ ‬لي،‭ ‬حتى‭ ‬لينا‭ ‬وسميرة‭ ‬‭-‬من‭ ‬فوق‭ ‬ذلك‭ ‬الجدار‭-‬‭ ‬صفقتا‭ ‬لأجل‭ ‬رقصتي‭ ‬البدائية،‭ ‬رقصتُ‭ ‬طويلاً‭ ‬بجانب‭ ‬جثة‭ ‬الشاب‭ ‬النحيل،‭ ‬رقصتُ‭ ‬منتشياً‭ ‬كمهرجٍ‭ ‬مخمور‭.‬
بينما‭ ‬القمر،‭ ‬من‭ ‬هناك،‭ ‬وعبر‭ ‬تلك‭ ‬الكوة‭ ‬الضيقة،‭ ‬راح‭ ‬يبكي‭ ‬علينا‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬ضوئه‭.‬‮
مصطفى تاج الدين الموسى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...