أدب ساخر يوسف ضمرة - النكتة بوصفها نصا ثقافيا

كيف تسير النكتة بين الناس؟ ولماذا؟ وما دورها أو وظيفتها في المجتمعات؟

لعل تعريف فرويد للنكتة يعد الأكثر عمقاً ودقة، فبينما يقول كانط «هي حالة من التوقع الشديد الذي يتبدد فجأة فيفضي إلى لا شيء»، ويقول شوبنهاور «إنها محاولة لإثارة الضحك على نحو قصدي، من خلال إحداث التفاوت بين تصورات الناس والواقع المدرَك»، نجد فرويد يقول «إنها بمثابة الآلية النفسية الدفاعية التي تقوم في مواجهة العالم الخارجي المهدد للذات»،

هكذا يمكن أن نستوعب سر انتشار النكتة وشيوعها في الأزمات الحادة.. كالحال السياسية المتردية والاقتصاد البائس والفساد والبطالة والفقر، وحتى في الحروب والفتن.

فليس غريباً أن تنتشر النكتة أمام مشاهد القتل والدمار، لأن هذه وقائع صارت لازمة يومية، وجزءاً من حياة المواطن العربي، الذي لا يملك حلاً لما يراه، ويسبب له القهر والإحباط واليأس والخيبات والشعور بالمرارة. هكذا يلجأ المرء إلى النكتة كدفاع عن الذات التي تصبح مستهدفة تماماً في تكوينها الإنساني الذي يرفض كل ما يحدث.

وفي ظل القهر الذي يصعق المواطن، جراء الأوضاع المعيشية غير الكريمة، لا يجد المرء أمامه سوى الموت بالسكتة القلبية، أو السخرية.

وفي الآونة الأخيرة أدركنا كم تلعب النكتة من دور إيجابي في إبقاء الناس على قيد الحياة والأمل. إنها بمثابة حبة دواء تحت اللسان لتوسيع الشرايين منعاً للجلطة أو انفجار الشرايين نفسها. لكن هذه الحبة تكفي المصاب فقط للوصول حياً إلى أقرب مستشفى، ولا تنقذه تماماً.

فالمصريون الذين اقتاتوا على النكتة السياسية، وصلوا أحياء بها إلى بيوتهم وذويهم، مرة واثنتين وعشرات المرات، أقصد عشرات السنوات. ثم تبين لهم أن وجبات النكتة السياسية لم تكن تحوي فيتامينات الحياة الحقيقية، ولا ما يكفي من سعرات حرارية تلزم الفقراء والبسطاء في أعمال الشقاء اليومية.

النكتة الآن طالت كل ما هو حولنا، الحراك العربي والقتل والذبح ورفع الأسعار وكل ما يحط من شأن الإنسان ويستخف بكرامته وقيمته. لكنها تظل مجرد وسيلة من وسائل مواجهة الحياة، وليست الوسيلة الوحيدة الكافية أو اللازمة.

لكن هذه النكتة تصبح في ما بعد مكوّناً رئيساً من مكونات ثقافة شعب ما. وهي تنمي الوعي الإنساني بما يحيط به وبما يمس حياته وقيمه الإنسانية النبيلة. وهي بذلك تشكل تراكماً إيجابياً يدعو المرء إلى التفكير في ما يحدث له وفي الأسباب التي تقف وراء ما يحدث، إلى أن يأتي جيل تشرب النكتة ومقاصدها، وفهم دوافعها ومسبباتها، ولم يجدها كافية للتغيير أو كافية للمضي قدماً في الحياة على النهج نفسه الذي اتخذه أسلافه.

لا تقلل النكتة من حجم القهر أو القسوة التي تصيب الإنسان، بل تجعل من الإنسان أكبر وأكثر أهمية من الحوادث والوقائع واليوميات، حتى وهي تصيبه مباشرة أو غير مباشرة. إنها تقول له إنه الأقوى والأهم حين تقوم النكتة بالتقليل من حجم ما يقترفه الآخرون بحق الإنسان، أو السخرية منه. وبهذا تشكل النكتة نصاً ثقافياً أساسياً في المجتمعات، وتعد وظيفته ـ وإن بالضحك ـ نقدية في المقام الرئيس. وهي في بنيتها تعتمد المفارقة والصدمة، وتعتمد تكنيكاً قائماً على الصدمة المضحكة، من خلال التقليل مما هو قائم أو تسخيفه أو ما شابه ذلك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...