جمعة اللامي - الزرقاء دنيازاد..


حكاية الكاعب الحسناء والمولى العاقب محمد الكاتب

حين ناولني عصاه تنفس العماء،
فأوقفني بباب كوخه،
وقال “أنت المتن والعنوان”.
(أنوش)
ديسمبر 20 ـ 2020
طاء هاء @ هو الذي كتب بالقلم وعلمني ما لا يعلمون.
لم يكن أحد غيري في الصالة: فراغ مستطيل موحش، مثل رفٍّ في ثلاجة للموتى في نهايته يبدو شاهد قبر. وكنت وحيداً. غير أن شبابي لمحني، الآونة، فرأيت نهراً صغيراً يخترق الصالة من منتصفها، فقلت إنني وحيد، وإنني أحلم، وهذا النهر ليس سوى جرح صغير.. ( وأيّ جروح خلّفتها السجون والخيانات والحروب في قلب أنوش حين يتذكر ليلة المسوخ في خارج كوخ دنياإيف) وفي ذاكرتي.
لقد أهملت هذه الذاكرة.
غير أن شجرة صفصاف طلعت من منتصف النهر الصغير الساكت. الصفصاف لا يثمر، لكن الشجرة الصغيرة الظليلة قدحت حصاة دقيقة داخل جمجمتي. قلت: ثمة من يسحبني بنعومة من شغاف قلبي إلى عماء لا شيء فيه سوى الصمت، فرأيت شاباً يشبه شيخوختي (عندما نادى أنوش عليّ، بينما كانت دنياإيف تسحب إلى المذبح الذي… ) يدلف إلى الصالة من خلف ظهري، ثم يتقدم كما لو أنه لا يريد أن يراني، متجهاً إلى الشجرة.
توقف،هناك،أعني عند الصفصافة. أخذت حبال رفيعة تطلع من تحت أظفار قدميه وتنساب، حبلا بعد حبل، إلى قاع النهر. انتبه النهر إلى صمته، وعندما نظر إلى الصالة، رأى شَجرتَي صفصاف، وشخصاً وحيدا يتحول إلى شجرة صفصاف، تغور جذورها في أعماق أرضية الصالة، بينما المسوخ الحمر والصفر اجتمعت على جسد دنياإيف وهي تفحّ، وثمة من يتقدم لاغتصابها.
هو كان يراني، النهر، شجرة ثالثة. لا بأس. هذا أمر جيد أن أتحول إلى شجرة. راقتني الفكرة، فشاهدت جسدي يغادر روحي، ويقف بجوار شَجرَتَي صفصاف.
عندما نظرت إلى النهر، رأيت غابة ظليلة. غابة خضراء، تشرق من وراء أفقها البعيد نجمة زرقاء، تطل على كوخ كأنه مستخلص من بستان في جنة آدم.
*****
كان فضاء الصالة أزرق. سيدي “أتطلب شيئا؟”. رأيت نفسي تكلم جسدي.
“سيدي المبجل المواطن ميم، هل تشتهي شيئاً تشربه الآن؟” سمعت الصوت واضحا في ذاكرتي: وشعرت بكف تلمس كتفي اليمنى. ” ماذا تقولين؟”.
“أتريد شيئا تشربه.. سيدي؟”.
تلك غابة سمراء مثل جسد دنيازاد.
“سيدي لا نقدم الكحول في هذه الحانة”.
” أشتهي البيرة في المساء. أشتهي الآن فنجان قهوة من فضلك”.
“بسكَّر، حضرة المبجل المواطن محمد الكاتب؟”.
“قهوة أثيوبية” بعد لحظات من الصمت، تذكرت عددا من شخصيات أيشان أريغا. نعم أريغا، فقلت: افتكرت مع نفسي. “الشامي، حكمة الشامي. نعم ذلك الكاتب الذي من أريغا”.
قاطعتني الشجرة الحبشية بصوتها الرخيم “نعم، سيدي المبجل.ربما يأتي بعد ساعة”.
وضعت مدونتي على الطاولة، أمامي، واستغرقت في بذخ من الألوان..
وغابت الصفصافة (كنا على يقين أن نُدل مقاهي اليشان وخاناتها وحاناتها جنود في هيئة الاستعلامات الوطنية) ثم عادت تحمل صينية في حوضها كوب صيني وقدح فيه ماء. رأيتُني أرى طاولتي مكتظة بأشجار صفصاف صغيرة، تتدلى من أغصانها أجهزة دقيقة.
قالت الشجرة “نحن جميعا هنا في خدمتك”.
“أنتم؟”. سمعت صوتي يسأل.
” السيد الرطّان، وأنا، وموظفو المقهى”.
رأيت إلى الصفصافة مرة أخرى، فرأيت أمامي شابة سمراء، ربما لم تتجاوز السنة الثامنة عشرة، ترسل إليّ نظرة مبتسمة “نحن في خدمتك”. اتسعت ابتسامتها. وفي البار السري، كنت أرى شبح أنوش حزينا قبالة شبح السيدة دنياإيف، خلف إهراءات المدينة البترولية، مثلما أرى الحبشيات مع أطفالهن في حانة سيدوري. كل حبشية بمائة درهم. وفي الهزيع الأخير من الليل تقول الحبشية الأخيرة “خذني معك إلى شقتك، لا أريد غير النوم..”.
أومأت الشجرة الحبشية إلى بقية الأشجار، على ضفتيّ النهر وفي القاعة أيضاً، فسمعت أصوات أبواق ضخمة: ههوو….. انتهت الحرب، ههووو، هههوووووو. لا شيء غير أصوات انفجارات في قلبي الجريح، وذاكرتي المهملة، وفي بقية جروح روحي، كأن السجون والحروب لا تريد أن تفارقني.
ذهبت الفتاة، رأيتها تخترق النهر من منتصفه وتخوض في مياه زرق، وتتحدث إلى امرأة ورجل معهما طفل. المرأة تبدو في الرابعة والثلاثين، والرجل ربما جاوز الستين.(استيقظتُ الآن). إنه والدها. هكذا أخبرتني الفتاة السمراء (رأيتها تشبه تلك المرأة الزرقاء التي لا تغادر أحلامي)، وهي في تلك المنطقة سحيقة البعد في ذاكرتي، حين رأيت آثار جرح غائر على خدها الأيمن. “ماذا فعلت بك السجون والحروب؟ ماذا فعلت بك دنيازاد؟” همس جسدها لروحي.
حملت صينية القهوة من فوق المنضدة، وتركتني إلى طاولتي. ثم رأيت الشابة السمراء تجلس إلى طاولتي الأبنوسية.
“انتهت نوبتي في العمل، وأنا ـ الآن ـ حرة”.
كان عنوان الكراسة واضحا ومشرقا. “أهلا بك. ربما تجدين سلوى في هذه الكراسة”.
وأشرقت النجمة الزرقاء مرة ثانية في ذاكرتي، فرأيت أني دعوت الشابة السمراء إلى مائدتي. نظرت إلى الساعة المدوّرة التي يحيط حزامها الجلدي رسغي اليمنى، فلم أرَ العقربين (كانت تشدّني إليها، وتلدغني عند منحري هامسة: “ادفعه كله”، لأجد سمكة تلبط تحتي).
” أين أنا؟”.
“بين ذراعيك”. لفح سنا تنفسها وجهي. رأيت الانفجارات، وسمعت الأشجار مضرجة بدمائها (ورأيت النهر الصغير الساكت على خد الفتاة الزرقاء)
“من أيّ الأشجار أنت؟”.
” أنا دنيا إيف”.
(رأيت دنيازاد تقفز على طُوف دارنا، وتتقدم إلى فراشي الذي بسطته على حوش المطحنة المهجورة. إلتوت مثل أفعى، ثم تأوهت: “سَوْني مثل الفرس اللّي تُعْبُرْ الشَّطْ”. جذبتها نحوي. همست “خَلّينِي أَدِهْنَكْ بْمَرْهَمْ الِقْرِنْفِلْ والهِرِشْ حَارْ”. دَهَنَتْهُ. (قلت: يا بنت الجنيّة). اتقدت حمم الجرح الذي تحت عانتها. ثم دارت برأسي الأرض في مشهد من الانفجارات التي لا عدّ لها) من الأصوات.
” من جاء بي إلى هذا المكان؟”.
” أنا”.
ناولتني دنياإيف سيجارة من علبة فضية”: تفضّل (قالت دنيازاد وهي تدخل يدها إلى عمق جسدي “لفْني لَفَّة الجكارة” كان جسدها ضاجّا بملمس مسحوق المسك، ومبهّراً بروائح الدارصيني والكركم والهرش حار وجوز الهند والحبّة السوداء).
“مشكورة”.
” I am sorry sir “
رأيت جسد دنيازاد يغادرها، بينما بقيت واقفة شابة سمراء.
” yes sir. can I serve you ?”.
كأنني رأيت هذه الفتاة، ” دنياإيف” ذات السحر الحبشي، في حانة الرطّان، حيث كان شبح أنوش، بعدما عدت من حلم طويل، طويل جدا).
“هذا المكان قبر، زنزانة، أم خندق؟”، سألني صمتي.
” مقهى، يا سيدي. مقهى الذاكرة لصاحبه، الوجيه المحسن ردّام الرطّان”.
“لكن ردّام الرطّان، هو كبير قوادي صاحب ملهى الفردوس في أيشان أبو الذهب”.
وكأن الفتاة لم تسمعني “إنه بطلنا ورمز عزتنا (ونادى عليَّ صوت من بعيد: شاجورإيْجِرْ شاجور). “هو لا غيره، الأكثر حماسة لتأييد المعتوه مغموم بن مجَيِّد في
حربه على محلة أبو الذهب”، بعد أن عقد حلفا مع مسوخ بني الأحيمر وبني الأصيفر( وسمعت قلب الفتاة يرعف خوفا، ثم رأيت كابوسي الدائم يتقدم نحوي من تلك الليلة البعيدة).
أسرعت “دنياإيف” راكضة، ودلفت إلى غرفة مستطيلة عبر باب مستطيل، عبر الجدار. سمعتها تتحدث إلى رجل بدين، ثم خرجا معاً. اتجها نحوي. جلست الفتاة على كرسي يقابلني، وبقي الرجل البدين واقفا.
” أيها السيد، من الأفضل أن تغادر المقهى”. (سمعت صوته خشنا)، ثم أردف بنبرة زاجرة، “أنت تثير ذكريات زبائننا”.
وقفت الفتاة السمراء بجوار الرجل البدين: “سيدي، الطفل مذعور”.
” لماذا؟”.
“ألا ترى جروح وجهك؟ رأيت إلى الرضيع الذي زحف نحوي، فارشا ذراعيه:
” يا ابنتي، هذه شجرة سدر أيضا”، قال أبوها.
” ماذا؟”. سألت الفتاة هلعة.
التقطت ذاكرتي من السجن، من الخندق، من القبر، أو من عمق النهر، ثم باغتني صوتي القديم:
“دنياإيف، بَيْنَ عَيْنَيَّ، في كُلِّ الاتجاهاتِ،
أرى ذكرى ابتساماتكِ على ردن قميصي،
فتعودينَ من سفركِ الطويلِ، كما أنتِ مِثلَ بُلْبُلٍ أخْرَس…
ها أنا أراكِ،
أمينة مثل مِقبضِ بابِ حُجرتنا”.
كانت أشجار الصفصاف قد اتخذت أمكنتها على الكراسي البيض، تستمع اليّ وأنا أنشد لنفسي:
يا بُستانَ شَيبتي وضَوءَ عُتمتي
يا عَصايَ في شيخوختي
أنا بُلبلكِ الأعمى،
أطير نحو كوخنا بِجناحيَ الواحدِ،


الهزاران والقفص الذهبي

8 أبريل 2003
أتذكر ذلك الصباح الذي قال شيوخنا وسحرتنا وأعياننا إنه لن يأتي إلى مدينتنا أبداً. لكنه عبر جسور المدينة السبعة، ووصل الى حجرة نومي ومكتبتي في داريً، (حين تُسْدل أستار النوافذ، ويفتح الحارسان الخراسانيان باب القفص الذهبي الصغير)، ليطير العندليب، أو ليُسحب الوعْل من قرنيه الأبيضين، نحو آلة الذبح الميكانيكية.
أنت، الذي اسمه: العاقِب، ستسجّلَ في مذكراتك المسائية، أن العندليب طار من قفصه الصغير نحو برزخ النوم الطويل. أو أنه سجل صراخات قلبه، بينما اثنان من الحراس الخراسانيين، يحملان جثته إلى المسْلخ.
لكن. لا قدرة لديّ الآن على الإتيان بذلك الذي قال انه أنوش، لأجعله يعيد قراءة مذكراته المسائية بين أيديكم (مذكراته المسائية صنفان. الأول: حديثه مع نفسه. وهذا ما نتج عنه ما وصل إليّ وسميته: نشيد الخطايا. أما الصنف الثاني، فهو حديثه مع إيفزاد. ومن العجب أن هذه الأحاديث نُسِبَتْ إلى أصدقائه أو صحابته. وبعضهم لم يروه أبدا، بل زعموا أنهم عاشوا في أيامه ـ “جمعة اللامي”) لأنه ذهب إلى برزخ اللاعودة. كما أنني لا أقدر على مقاومة الحارسين الخراسانيين، ليس لأنهما قويّان، بل لأنني لا أستطيع حراكاً.
لقد هَيْمنَ الظلامُ على المكان الذي كان مضيئاً قبل لحظات، بعدما أسدلت الستائر، ومشت الخادمة الحبشية على أطراف أصابعها، بينما كنت أقبض على ذيل آخر شعاع من نور ينزلق من موق عيني اليمنى.
كنت الآن عندليباً خارج القفص الذهبي الصغير، ولقد كتبت في “سجل القفص”، “إنني عندليب أعمى”.. هذا صحيح من زاوية ما. بيد أنني لم أكن أعمى. ولست داخل القفص أبداً. لكن الظلمة خارج القفص لا تريد أن تمنح نفسها امتياز استقبال ذبالة من نور، من أجل أن تتأكد أنها هي مُعْتمة فعلاً، مثل قفص العندليب الذي تحول إلى عتمة صارمة، بعدما سحبوا من داخله جثة العندليب المُبْصر.
حدثني رجل ما، هو حسب المواطن ميم العاقب، رجل “ما”. لكنه بالنسبة إليّ هو العندليب والقفص، فقال “سحبوا ستارة سوداء على وجهي، بينما حشوا عينيَّ بقطن طبي مبلول. سمعت نهْنهةً، ثم تناهى إليّ صوت مطمئن: “الحمد لله رب العالمين”.
تصاعدت قرقعة سلاح، ثم سمعت صوت رصاصتين. “قتلوني”. قال العاقب. “من قتلك؟”. قال العاقب للعاقب: صحابتي. هَدأتُ قليلاً.. كانت الظلمة مفزعة، وجسدي ينقذف داخل تنور لا قرار له. وفي تلك اللحظات التي لا يمكن أن تُستعاد، ولا حتى أن توصف، سمعت مَنْ يُخاطبني… “كثيراً ما يَغْفو قلبُ الفانين في قشرة “ميتة” كالبذرة “النَّبيلةِ”، إلى أن يأتي أوانه”.
هذه هي حالة (ما بعد التعذيب).
وكان ثمة بلبل آخر. شائبٌ. يطل عليّ من قفص رحب، بمنقار أسود. كان وجه البلبل يشبه وجهي أنا العندليب، أو البلبل الآخر، وهو يقول لي، أو كأنما يخاطب نفسه “ألا مرحباً بك عندئذ، يا هدوء عالم الظلال! إنّي لَراضٍ، وإنْ لمْ يَصْحَبْني عَزْفِي عَلى الأوْتَارِ، فَلَقَد عشْتُ ذاتَ مَرَّةٍ، كالآلهةِ”.
أنا سليل أنوش، ابن الآلهة، كنت خارج القفص أستمع إلى شبيهي الآخر داخل قفصه، وهو يغني. أعرف تماماً، معنى أن يكون العندليب داخل قفصه، أو خارجه” ولم يكن العاقب يسمعني. كنت وعلا شيخا نبت له قرنان أسودان طويلان معقوفان نحو الأمام، استطاع النجاة من المسلخ الوطني، الذي تتحكم بمرافقه هيئة الاستعلامات الوطنية.

نَشيدُ الخَطَايَا الذي للمواطن محمد الكاتب

21ـ22 سبتمبر 1980
بلاد تسير على أربع.
هذه ليست فكاهة اجترحها رجل أنوَكٌ. إنها حكاية زمن مشخص ومعيش وواقعي صار جزءاً من تاريخنا الوطني. لقد استقر الوطن على أرجله الأربع. واستفاقت الجغرافيا من رقدة القيلولة، ذات يوم رطب وقائظ، على زعيق الموسيقى العسكرية، وشعر القرن الأول من جاهلية العرب، يلقيه على الشعب من الراديو الحكومي، شعراء مملكة أنوش وكتابها.
تَسيَّسَت الجُغرافيا وَتَعسْكَرَت. صارت القدمان الأماميتان، جنودا نظاميين وميليشيا سمّوها جيش الشعب. وتحولت القدمان الخلفيتان إلى ما سميناه فيما بعد “هيئة الاستعلامات الوطنية”، بعد أن أدت “لجنة العلاقات العامة” مهمتها في تصفية الرفاق الأقربين، والرفاق الحلفاء، والأخوة المسلمين، بينما العجيزة صارت فيلقا مجوقلا لقوات تدخل سريع.
أما الرأس، فقد تمَّ إفراغه من تشكيلاته الداخلية، ووضعوا في داخله جهاز تسجيل متطور وسهل الاستخدام، يذيع أغنيات وخطباً عن معارك الماضي، ليسدلوا ستاراً من الفن على الأصوات والضوضاء المنبعثة من صالات التعذيب، وهي طبعا غير تلك الحجر المقذوفة في عمق أرضية باحاته الغامضة!
ذيل الوطن لم تكن وظيفته طرد الذباب عن دبر هذا الوحش. إنه سوط: امتداد من مسامير صغيرة وشفرات مدى، قناني سموم وكبسولات للتنويم الفجائي، خراطيم امتصاص مياه الرجولة، قالعات الأظافر وقاطعات الأثداء، أحواض من ماء النار والأسيد، مقصات لبتر الأذن، وجدع الأنف، وبتر أيور الرجال، آلات عملاقة لهرس جثث البشر تنتهي خراطيمها الطويلة الضخمة عند بداية أحواض الصرف الصحي المطلة على النهر التاريخي. هذا الذيل الخرافي، بزواياه وغرفه السرية، يطال كل شيء في الوطن. يطال الرأس. يطال القدمين الأماميتين. هيئة الاستعلامات الوطنية. يطال الذي لا يطال، لأن فيه مجمع الاتصالات التعبوية.
مجمع الاتصالات التعبوية: شعراء عموديون. شعراء تفعيلة. شعراء قصيدة نثر وزجالون. نقاد. تشكيليون. رؤساء أحزاب سياسية. أمناء عامون لأحزاب مؤتلفة. رؤساء عشائر. رؤساء طوائف. أبناء عمومة. رؤساء نقابات، رؤوس تكايا لضرب الدّرباشة. جنرالات، جنود، مخنثون، عاهرات، دلالات، دعاة، رسامون، منبريون، معرفو قبائل. أما رئيس مركز الاتصالات التعبوية، فهو رئيس هذا الكيان.
برز رئيس الكيان من وسطنا. كان يضمر في نفسه شرا مستطيراً. لم يكن قويا، ولم يمتلك أسباب القوة، لكنه عرف أسرار ضعفنا شخصا بعد شخص وطبقة بعد طبقة، فوضع يديه عليها، وبدأ في وضع أولوياته علينا، هيئة بعد هيئة، وطبقة بعد أخرى، وبيتا بعد بيت، حتى توصل إلى جعل كل واحد منا يخاف على نفسه من صاحبته التي تؤويه وزوجته التي تعاشره أو ابنته أو ابنه. حوّلنا بالخوف إلى مجتمع مرعوب لا يملك سوى التصفيق والكذب.
فكيف أعود إلى هذا البلد؟ بل.. لماذا أعود إليه؟ وهل هو، فعلاً، وطن أنوش لأعود إليه؟ وإذا كان هو وطني بالجغرافيا.. فهل هوـ الآن ـ وطني بالحقوق والواجبات؟ تلك أسئلة مشروعة، ومن حقي إطلاقها، عندما يتم تحويل الوطن إلى “شيء” يسير على أربع أرجل: كيان جغرافي، حفرت فيه التكنولوجيا الروسية والألمانية واليابانية والأمريكية والكورية، دهاليزا للتعذيب، وتكديس الذهب، وتدجين السباع الضارية.
لكننا لا نزال نرسم وطننا، الذي هو عِرق الحياة كما نقول، على هوانا العاطفي، كما لو أنه “جنة عدن”. ومن أجله عاد بعضنا إليه بعد رحلات طويلة إلى منافي بعيدة، حتى من دون نداء، أو مع مجموعات صغيرة من مقاتلين أغرار لتغييره من الجبل المطل على السهل الكبير.
المواطن “م” عاد إلى الوطن، بعد أن أنهى تخصصاً في الفيزياء النووية، فعرضوا عليه العمل في كتيبة المخابرات. والمواطن “ص” فضل أن يمضي إجازة الصيف في مسقط رأسه، أي أنه أراد أن ينفق مدخراته داخل الوطن بأرجله الأربع، فساوموه على أن يمضي إجازة الصيف القادم، في إحدى غرف ذيل الوطن، إذا لم يقبل العمل في سرية الحراسة المجوقلة.
المواطنة “ك” وجدت نفسها، على رأس تنظيم “إرهابي” لأنها رفضت فكرة موظف في إحدى غرف ذيل الوطن، بأن يقضي معها وطراً. والحال أن “ك” فتاة ليست جميلة قطعاً، كما هي ليست ميسورة الحال. ولكن لأن ذلك الموظف قد تأقلم مع واقع الظلام في غرف ذيل الوطن، لم يعد يفرق بين الجميل والبشع، وصار يتصرف كما يشاء، ينقذ هذا ويقتل ذاك. وهذا ما حصل للمواطنة “ك”.
تبقى قضية المواطن "س" الذي جاء إلى الوطن، من بقعة مجاورة شقيقة. فقد ذهبوا به، مباشرة إلى رأس الحيوان. وبعدما قذفوا بجهاز التسجيل خارجاً، أمروا "س" بأن يتحدث، لا كما يشاء، وإنما كما يشاؤون.
وإلى هذه اللحظة، يتحدث "س" لا كما يشاء، وإنما كما يشاؤون.
وإلى هذه اللحظة يتحدث "س" لا كما يشاء.
وإلى هذه اللحظة يتحدث ” س “.
وإلى هذه اللحظة.
وإلى هذه.
وإلى…!!
و!
.. دخلت البلد على مرأى ومشهد مما كان يحدث في ساحة مدينتنا: أي بالتصفيق والخطب الحماسية. ثمة جمع من الناس يصفقون. بعض الرجال مثل نسانيس صغيرة، كانوا يتسلقون أعمدة معدنية طويلة. وكان هناك مطبلون ومزمرون، غجريات وريفيون وحراس مبانٍ سود يرقصون “الهَجَع" على صوت طبلة صغيرة، يضرب على جلدتها وزير الثقافة في مملكة أريغا، محاطا بدمى طوطمية تمثل مسوخ بني الأحيمر وبني الأصيفر.
التحقت بكل هؤلاء ودخلت الوطن من بوابته الشرقية، ويا لهول ما رأيت. كل شيء غلط: الأنهار تجري من الجنوب إلى الشمال، والنخيل ينمو باتجاه الغبراء، والبنايات محفورة في الأرض، والناس يسيرون على أربع. تمنيت على الله أن ينقذني من هذا الوطن، لا سيما بعد أن رأيت الذبابات الأربع في مواقعها الجغرافية ـ الفلكية. توزعت الذبابات شمال الوطن وجنوبه وشرقه وغربه. لكل ذبابة عدد غير منظور من الأجنحة. فوق كل هذه الأجنحة وتحتها عشرات الكاميرات والتلسكوبات وأجهزة التنصت على القلوب.
وأنا أتمنى على الله أن ينقذني من هذا الوطن، دق قلبي بعنف، فاكتشفت ذلك إحدى الذبابات. وما هي إلا لحظات حتى رأيت الذبابة الغريبة تنقض عليً. ويا لقسوة ما حدث. كان على صدري جبل ضخم جداً. وكانت الذبابة ترسل إلى قلبي، من خلال فمي، سلكاً مزوداً برأس صغير. كانت الذبابة تبحث في قلبي عن شيء ما وتريد استئصال ذاك الشيء توّا. رأيت قلبي يخرج من صدري ويركض في الأزقة. وكانت الذبابة تطارده من زقاق إلى زقاق. وانضمت إليها كلاب صيد وعجول مسمنة وخنازير محلية وغربان مستوردة، لكن قلبي كان سريعاً في الجري.. ودقاته سريعة جداً.
“.. واستيقظت على دقات قلبي السريعة جداً. كنت انتهيت من مراجعة هذه المخطوطة الموجودة في مكتبة جدي منذ قرون وقرون.


كوخ الجدة دنيا إيف

(1)
” وهبتكم إراكا”.
وبقي مستقيماً على عمائه مخلفاً كرسيّه حوله وقال “أنا أريغا يا أنوش. أنت وإيف رسالتي إلى إراكا”.
” إيف؟”.
” بلى هي”.
واستمر يتقدم نحوي آخذاً جسدي إليه فرأيت أريغا يشرق من قلبه وقال “كذلك أنت. هذه لك ولشعبكما يا أنوش لا تفريق بيني وبين إراكا”. وأخذ العماء يتصاعد حتى غمر فضاء غرفة مكتبتي.
” صرتُ العماء وأريغا”. سمعته يتحدث إلى وحدته.
ثم رأيت ما رأيت بعد أن رأيته يلتفت إليَّ.
(2)
غِيض العماء في غرفة مكتبتي حتى بانت أرضيتها مثل ياقوتة حمراء فرأيت امرأة تندفع من سرتها وتقف بين يديَّ وقالت “أنا إيف”. واقتربت مني حتى التصقت سرتي بسرتها فرأيت نور أبي فيها.
” تعالي نلعب”. قال أنوش.
قالت إيف “لا أعرف”.
” قبليني”.
قالت إيف” لا أعرف”.
أمضى أنوش نهارين متتالين، يعلم إيف أسرار العناق والتقبيل والجماع، وهي في حالة لم تعرفها في أيّ يوم من أيام عمرها الذي بلغ يومين بعد بدء الأزل.
قالت لأنوش: من علمك هذا كله؟
“هو”.
“من هو؟”.
” الذي خلقك على عينيه فسواك فبعث بك إليّ”.
عرفت إيف أنها بدأت تعرف أشياء لم تكن تعرفها. لقد اكتشفت قرية كبيرة في قلبها، لها ألف باب، وكل باب ينفتح على ألف باب، فدارت حول نفسها، ورأت جسدها جميلا ومطواعا، يستقيم في أعلاه رأس كحلي اللون، على رقبة عنقاء، ترتاح على كتفين بضّتين، يبزغ من صدرها نهدان كاعبان، تطلان على بطن مخسوف، ينتهي بعانة تهيمن على جرح طولي. ومن الخلف تبدو تفاحة عجيزتها مثل ياقوته حمراء، ينساب تحتها فخذان عامران.
وكان جسد إيف يصرخ بها: تعال إليّ يا حبيبي.
قال أنوش: سأبني لك بيتا.
نطقت إيف: أشتهي له قاعدة وسقفا وجدراً بنوافذ تلعب بها الشمس.
وبلفتة منه، انوجدت أرض مكورة وسماء مرفوعة.
(4)
هذا بيتك. قال أنوش، ثم أكمل: احذري مسوخ بني الأُحيمر وبني الأُصيفر. ثم توقف أنوش عن الكلام، وبانت عليه أمارات التفكير مختلطا بالذهول والغضب، وقال “يا إيف.. لا تقربي تلك الشجرة”، وأشار إلى شجرة وارفة في أقاصي حديقة البيت.
انعقد لسان إيف، واستمرت صافنة تطيل النظر في وجه عشيرها الذي رفع رأسه نحو السماء العالية، فقالت له: وهل هذا اختبار محتوم.
“نعم”.
“إذن ما جدوى وجودي، أنوش”.
“تلك حكمته وهو أدرى بها”.
وذات يوم أخذ جسد إيف يضطرم بسعير نيران لاهبة، ثم وجدت جسدها يتحرك نحو تلك الشجرة، حيث توقفت تحت أغصانها الشبيهة بشعر رأس مخلوق لم تشاهده من قبل. كان برد خفيف يلاعب شعر عانتها، فشعرت إيف بخدر في حلمتي ثدييها، وسعيرا في جرحها الذي عند عانتها، فرمت بجسدها على الأرض المعشوشبة، ثم رأيت مسخا عملاقا يهيمن على جسدها كله. كانت خائفة، لكن السعير الذي في جرحها كان يدعوها إلى أن تفتح فخذيها بينما المسخ العملاق يرسل عضوه التناسلي إلى كل مسامة في جسدها.
وفجأة شعرت دنياإيف بقطعان شبيهة بذلك المسخ تحتل جسدها كله، وتطوق بيتهما الجميل، فقالت لأنوش إنها لم تعد تبالي بما سيحدث لها قابلا، فيكفيها أنها عرفت الآن كيف تقاوم قدرها المحتوم.
“يا دنياإيف.. هذا هو الاختبار العظيم”.
“قبلت به”.
“أنت اختيارك وفعلك”.
أنصتت باهتمام وتفكير الى عشيرها، ثم رفعت رأسها نحو سماء لا متناهية، وأخذت تنشد:
“يا حبيبي ليكن كرشك مملوءا على الدوام
وكن فرحا مبتهجا نهار مساء
وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك
وارقص والعب مساء نهار
واجعل ثيابك نظيفة زاهية
واغسل رأسك واستحم بالماء
فهذا هو نصيبك من حياتك”.
“توقفت دنياإيف عن الإنشاد، وأخذت ترسل نظرات ناعمة نحو أنوش الذي أمسك بست حصيات، وأخذ يرمي بها في فضاء محصور بين يديه.
“أنوش، ماذا تفعل؟”.
“أبعده عنك”.
“من هذا الذي تبعده عني؟ أيوجد غيري وغيرك في إراكا؟”.
“نعم”.
“من هو؟”.
” شيخ بني الأحيمر وبني الأصيفر”.
شعرت دنياإبف برهبة في قلبها، تحولت إلى رغبة مكتومة في معرفة ذلك المسخ الذي كان يمتطيها الآن.
“هو أنت من دون غصن توت؟”.
ثم خطت ثلاث خطوات، معطية ظهرها لأنوش الذي شاهد المسخ العظيم يضاجعها في كل مسامة في جسدها، بينما أخذت إيف تجرى في حديقة واسعة من الرغبة الممزوجة بلذائذ يتماهى فيها الخوف والفرح والضحك والبكاء.
أما أنوش فأخذ ينادي عليها: إيف.. لقد انهدم كوخنا الصغير، وفسدت حديقتنا الجميلة. يا إيف.. تدمّر صرح إراكا، وهبطنا إلى حانة
الرطان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...