علي السباعي - مريم البلقاء

أردت بكتابتي لهذه القصة أن أحاكي جمال خيول فائق حسن ، منذ طفولتنا، مريم بنت عمي وأنا مفتونان بها ، برشاقتها ، بنبلها ، بمتانتها ، بجمالها ، أردت أن أنتمي الى الانسانية بهذه القصة وأحاكي ألوان مبدعنا الكبير فائق حسن بعد واحد واربعين عاما من رسمه لوحة ” البدو ” التي كانت حاضر مهر مريم بنت عمي ، أردت تحدي نفسي مثلما تحدى المهندس ” جان كلود ديستيفن ” من أصل فرنسي ، غوستاف ايفل ، فقرر بناء برج في لوس انجيليس يبلغ ضعف ايفل تقريبا، طوله ست مئة وعشر أمتار ، ووزنه خمسة عشر طنا ، وأطلق على تصميمه أسم : ” برج السلام ” .الان – أعتذر عن طموحي البائس هذا . أوه نسيت اخباركم أن طول برج أيفل ثلاثمئة مترا ووزنه سبعة الاف طنا من الحديد المزخرف ، سأسمي قصتي :
مريـــمُ البلقــــاء
مونمواه… مونمواه… مونمواه… بالامس أحتفل العالم بعيد الحب، كان بائسا. فارغا. باهتا، بينما العالم لاه يحتفل بالعيد حبا، طلبوا مني بأقتضاب: خذ ثأر بنت عمك وخطيبتك ”مريم”، وأحفظ لنا هيبتنا ، بعدما أعطوني سيف جدي اللامع الذي جردته جدتي من غمده منذ أن أخذ الانكليز رأس جدي معهم الى لندن حسب أوامر الملكة فكتوريا، من يومها والسيف لم يغمد، وأعطتني جدتي جديلتيها السوداوين اللتين قطعتهما بسيف جدي ملفوفتين براية الحسين الخضراء، ومنحوني فرسا بلقاء من نسل فرس جدي تشبه أحدى خيول فائق حسن في لوحة البدو، أخبرني أبي أن جدي لفظ أنفاسه الاخيرة وعيناه كانتا تصرخان صرخة الحلاج: ( اقتلوني يا ثقاتي ان في موتي حياتي). حشروني عنوة داخل دهليز ضيق، ضيق وغير نافذ، مسدود النهاية وضعوني على المحك فوق السندان تحت المطرقة، أخبرتهم بأنني انتمي الى الانسانية، ضحكوا علي بعمق، فعشت حياتي كلها بين المطرقة والسندان عكس أسلافي، بعد أن وقع الفأس على رأسي، لأن جدتي أصرت أن يكون مهر مريم هو أخذي لثأر جدي من قاتليه، وأيمانا مني بأن المؤمنين مبتلون، أخذت نصيحة أبي الذي قال لي في صغري: بني لا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا ان الله لا يحب كل مختال فخور، انفقت حياتي برمتها غير ساع للثأر، رغم أصولي البدوية لم يك ثأري ثأرا بدويا ، لا أخفيكم سرا : كانت خلاصة حياتي شبيه بخلاصة حياة زهور حسين، نصيبها الرقص فقط!
ضحكت من نفسي على نفسي في دخيلة نفسي عندما تصورت أنني مثل عنترة بن شداد ذهب ليجلب مهر عبلة نوقا، عاد بنوقه ولم يجد عبلته، فبكيت عليه في سري، وباركت جلال الدين الرومي عندما قـال: (الحب عذاب الحب يقتل). فتناسوا أهلي أن مريم أرادت بموتها التخلص من ضيق جسدها لحبها الكبير لي، ذلك ما أخبرني به أدوانيس عندما التقيته في أحد أحلام يقظتي: تخلصت مريم حبيبتك من ذاتها – فرديتها – وتوحدت معك ، خرجت ذاتها لتدخل بذاتك ، غادرت حبيبتك ضمأها الى ارتوائك ، الى وجودها المليء بك.. لهذا أصبحت كما يصفك أبن عربي[1].. لكنهم كانوا يرددون دوما: لا يهم لون القط مادام يصطاد الفئران، من يومها وأنا أغني على ليلاي ، ولم أخذ ثأرها ولا ثأر جدي، وتفرق دمها، وضاعت هيبتنا أمام أنفسنا قبل أن تضيع بين بطون وأفخاذ القبائل، تضحك مريم عندما أخبرها : أن ثأر جدنا كان مثل موسيقى عنتر وعبلة، تلاطفني مازحة: (صدق معلم اللغة العربية الذي درسنا في صف الخامس الابتدائي ”ستار طاهر” عندما طلب منا كتابة موضوع انشائي عنوانه: أن الاواني الفارغة تحدث ضجيجا)، أقرصها من خدها الذي يلتمع على بشرته لون العسل الحي، أعشقك مثل عشق شارلمان لفتاته[2].. تومئ لي بسبابتها الوديعة المثيرة وتبتسم بمشقة قائلة: كذاب. أمسكت اصبعها لبضع دقائق بدت لي لا نهاية لها، افلتت اصبعها مثل ظل ، جاهدت طويلا. كثيرا للتخلص من صفات برج الجوزاء لأكتسب مزايا برج الاسد لأكون انية ممتلئة، واتخلص من طالعي السيئ. ”ثأري”، كنت متشائما، وتشاؤمي نابع من أنني موسوم منذ ولادتي بسوء الطالع ، جلبته لي أمي التي كانت طوال فترة حملها بي تبكي فجلبت لي الحظ السيئ والحياة القلقة المتسممه ، اذكر جيدا نبوءة معلم التاريخ في الابتدائية ”طاهر جعفر” عندما قال هاتفا ورذاذ لعابه يمطر وجوهنا الشاهقة النائية . تسـمعه: ( أبنائي. أن كل الدروب تؤدي الى روما) . لحظتها . لا أدري من أنطقني : أستاذ أنت واهم. أنت مخدوع. مضلل، غضب مني فضربني بكتاب التاريخ على أم رأسي فتسببت الضربة بثلم سني الاعلى الايمن، لشدة ألمي عارضته متحديا: (وليم أوف لاهارتي[3] يرى دائما أن الانسـان هو أكمل شيء في هذه الدنيا) أبتسم بأستخفاف، وقال بقسوة تلائم البسمة المستخفة: سيكشف لك التاريخ كم أنت مضلل. مخدوع، العام الماضي تكشف لي زيف ما كنت أؤمن به من حقائق عندما ظهر سلفيوبر لسكوني على شاشات التلفزة ودعى لحرب صيلبية. ضد الاسلام والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام ألفين وواحد، عرفت أن أخذ ثأري مثل بحث أمريكا عن الشيخ أسامة بن لادن ، عزفت عن نيل ثأري ، ورحت أنزع جلدي مثلما تنزع الحية جلدها . حذاري فثمة وراء كل واحد منكم قابيله، مثلما هو ورائي يطعنني . أذن . بالتأكيد يطعنكم، وهابيل المسكين أمامكم ”أمامي” يناديكم ”يناديني”، مثله لم أحرك ساكنا سوى الاحتفاظ بالسيف ”سيف جدي” ومراقبة لمعانه . أحس بمتعة طازجة وأنا أنظر بصمت صاف خالص اليه منتظرا صدأه ، ولا يكسر سكوني سوى وقع حوافر البلقاء التي عكسي ملت الانتظار وراحت تخبط الارض بحوافرها ضجرة فكان صوت خبط سنابكها يشبه صوت تكسر بيض بحذوة فرس، (فالموريات قدحا)، ليتني أعرف تفسيرا لسر الشراكة بين نظرات مريم والبلقاء التي نفقت انتظارا كوني لم أمتطيها أبدا كنت أنزهها خلفي مثل كلبتي المدللة، كوني أبن مدينة عشت على طريقة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال اذ ما داهمها خطر، عمتي أم مريم لفرط طيبتها اخت بين القط والفأر وجعلت عيش القط بجانب الفأر ممكنا، نافست شارون الذي وحده من آخى بين الذئب والحمل قي قفص واحد ، روت لي زوجة عمي – عمتي أم مريم – بطيبتها المتناهية : ليلة زفافها، أثناء قدوم موكب زفتها من دار أهلها الى منزل جدي رحمه الله ، رأى عمي أبو مريم ”أبن اوى” صغيرا مسكينا يرتجف منتفضا من شدة البرد، الموكب ضاج بالدبكات والاهازيج والرقصات والزغاريد الجنوبية – تركهم عمي – وجلب أبن اوى بين ذراعيه، ترك عمتي تسير بجانبه وحيدة خائبة، ولم يكتف بهذا بل أنفق ليلته كلها يرضع أبن اوى برضاعة صناعية من رضاعات حليب الاطفال حتى وجه الفجر ، نام ليلته يحتضن بين ذراعيه أبن اوى ويضمه الى حضنه ليلتين متتاليتين بدلا من عمتي أم مريم، هكذا اكتسبت عمتي بنود نظريتها في التدجين من خطة رضاعة حليب الاطفال وبأرادة عمي دجنت أبن اوى وجعلته يستأنس العيش داجنا قبالت دجاجاتها ، انفقت أمي من عمرها عذابا وألما يومين ونصف اليوم في قلق مكابد قبل أن تلدني ، وكأنها انتظرت ولادة مريم بنفس ساعة ولادتي ، ولدتني أمي يوم خميس العاشر من شهر حزيران عام سبعين وتسعمائة بعد الالف صباحا الساعة التاسعة والنصف تماما . ذلك ما دونه أبي في يومياته، شاركتني مريم في كل شيء، أذكر يوم دخلنا سوية الى اكاديمية الفنون الجميلة، قسم الفنون التشكيلية، وتخرجنا سوية بعدما نفذنا ” سوية ” مشروع تخرجنا كانت فكرة مشروع تخرجنا وليدة احدى خرافات جدتي ذات اللسان الغسقي التي اخبرتنا في احدى قصصها أن طيران الخيول في السماء – فتنه – فأردنا برسـمها على واجه كليتنا أن نفتن الناس: (خيول تنبثق عبر التاريخ، (والعاديات ضبحا)، من حبسها في قاعات الدراسة، تخرج محطمة زجاج شبابيك قاعات الكلية، (فالموريات قدحا)، تتراكض منفلته من اسارها ،( فالمغيرات صبحا ) ، أسر الجدران ، ثلاث خيول برية بهية نابضة بلون البلوط، (فأثرن به نقعا )، رسمناها مثل خيول فائق حسن متينة المظهر نبيلة، ثابتة، مهيبة، تنساب سابحة خلفها ذيولها السود المخضرة التي رسمناها بلون البرونز العتيق ساحبة خلفها اشرطة الالوان الحارة ، يومها كانت مريم ملطخة بالدهان متوهجة مثل ورد القرنفل عطره متفتحة ، تتطلع نحوي مرتسمة على وجهها ابتسامة أكلت وجهها كله وراحت ترسم ظلالا خلفها تملا الكون بأبتسامتها، طلبت مني طلبا غريبا، وافقت بمحبة أكيدة، راحت ترسم لي حاجبين كثين بدل حاجبي الخفيفين، كانت تضحك وهي ترسم، تضحك على حركة حاجبي الخفيفين اللذين ليس فيهما ايماءات هامة غير وظيفة اظهار عيني كبيرتين مثل عيون بقرة كما تقول. فائق حسن بحاجبيه الكثين واضعا غليونه بفمه متأملا خيوله التي اخترقت لوحته البيضاء العذراء وأنبثق منها فرس بلوطي شاقا خامتها، (فوسطن به جمعا)، ثمة سر غريب تشعه عينا الفرس وعينا فائق حسن تسقبلانه بمهاره، بجانبه جواد سليم خاصما عينيه متطلعا بأبتسامة تئج حنانا ، مقلصا عينيه أكثر متقيا انبعاث مهرجان الخيول من لوحة صديقه فائق حسن ، عيناه تتابعان جري خيول فائق وانطلاقها ناحية سماء بغداد، رشيقة صاهلة جريئة رائعة، هنا لــــكزتني مريم : ( لقد تحققت خرافة جدتي).
* * *
أنه ادار[4]. نوروز. عيد الربيع، ذهبنا بعد مرور سـنة على وفاة مريم. أهلها. أهلي، وأنا حيث ترقد بسلام في وادي السلام رقدتها الاخيرة، ازدحام هائل صادفنا، ازدحام شديد صادف ذكرى استشهاد حامل راية كربلاء ، تهنا لفرط الناس الزائرين أمواتهم ولكثرة قبور الموتى ضعنا بينها، ضللنا طريقنا صوب قبرها. نأينا. نأينا بعيدا، بقينا نهارا بأكمله نبحث عن شاخص ضريحها، ضاع ضحى النهار بالتفتيش بين شواهد القبور عن شاهد يحمل أسمها، جزعنا، فكان يأسنا قد أيبس شفاهنا، أخرجت لساني أرطب شفتي ، لم نهتد أليها ، قررنا العودة خائبين ، ونحن نرجع سمع كل من في المقبرة، أهلها، أهلي والناس المحيطين بنا: صوتا، صوتها ، نداءها يهتف بي: يا سبعي! صوت يتفتق نابعا من تحرك وضجيج ولغط الزوار، صاف مثل حلم، أنبثق كالنافورة من قبرها كثيفا واثقا مائيا يصعد مصعدا ندائها: يا سبعي! الصوت أبدا لم يكن غريبا، كان صوتها. صوت مريم، ذهل الناس أمام هذا الصوت المنبعث عن كومة أحجار تشاهد قبرها حبسوا أنفاسهم كأن الناس جمعوا لاخر مرة ليسمعوا نداء الحشر، ثم واذا بصرخة ثالثة نافذة الصبر هزت المقبرة بمن فيها : يا سبعي!
مريم ، مريم التي قد خرجت من أحد أضلعي أنفقت عمري مثل ادم أبحث عن ضلعي الناقص: مريم. رفع زوار القبور اعناقهم بحركة واحدة لأثر ندائها الثالث وكأنهم دجاج يشرب الماء – هنا – أغمي علي – بت أسمع صوت وقع حوافر فرس رامحة فوق كلس القبور ، الكلس يتكسر تحت سنابكها. الصوت قادم، قادم، ضوضاء، ضوضاء حوافرها تتصاعد. تتصاعد. الوقع يتصاعد. يتصاعد. يقترب أبصرت من غيبوبتي فرس جدي البلقاء تمتطيها مريم، مرتدية بدلة زفافها ، مثل فتيات شارع الزواج في لكش ، علقت على صدرها شالين حريرين أحدهما أزرق والاخر أحمر ، وبينهما لافته مكتوب عليها: أليك… اليك. وتعني أنها تطلب الزواج، ترجلت، فذكرني لون شالها الاحمر بالذات أيام كنا طلابا في المدرسة الابتدائية ، كنت أقترب منها لأسرق شريطها الاحمر التي تعقص به ضفيرتها ، وبسرقتي لشريطها الاحمر كانت رئتاي تسرقان عبيرها ، فتمتلان عطرا ، كنت أسرق شريطها الاحمر لاغاضتها كوني أحب أن أرى شكل أنفها وهي مغتاظة توقظني من غيبوبتي: ( أصح يا عنتر. أصح فقد ذبحت عبلتك ومازلت تحلم بها وأنت تمطي صهوة جوادك تضمها جوارك . أصح يا عنتر) نظرت الي بعينين دامعتين ، فألتقت اعيننا بنظرة لا نهائية كأنها الحياة برمتها ، جأرت مريم قائلة : أنا وحيدة يا سبعي! أجبتها : ألهذا جئتني زائرة؟
قالت : شفاهي يابسة .
اليا اخرجت لساني لترطيب شفتي السفلى ذات الخط الجميل الذي تحبه مريم وتداعبه بسبابتها الوديعة المثيرة ، يا ألهي : أي عذاب هذا ، قلت وبحة العطش تيبس حنجرتي : أنا في اتعس حال يا مريم ؟
قالت : هل لي ؟
قلت بصورة مفاجئة : كلا
ادهشتني مريم بأنها أكثر شبابا من أن يتخيلها واحد مثلي، قوام ممشوق مضفور من طراوة ونعومة وصلابة وقوة، دافئ كالعسل، بارد كالحليب ، مستقيمة رشيقة أه أنها كل ذلك وبلون العسل الحي خاطبتني : -جئتك يا سبعي لأنني أعاني الوحدة .
أكملت :
-الوحدة قاتلة برعبها يا سبعي . لذا جئتك زائرة .
كان بياض عينيها يهبها رغم أنف الموت فتنة وعمقا وجاذبية. كانتا تشتعلان تومضان بألق وهج باهر كانت تشابهان عيني فائق حسن وعيني جدي نظرت متنبئة ، عارفة ، متنبهة ، فزعة ، عالمة بموتها ، هاربة تلك الخيول من أسار موتها نحو فلوات بغداد . لا أدري بماذا أعلل اصرار مريم على رسم عيون فائق حسن وعيون خيوله ؟ وتركت لي رسم عيون جواد سليم ، عينا مريم تحدقان بي ، منعتاني من تحويل بصري عنهما لمعت عيناها ناطقتين بطلب قاس ظاهر مفضوح وكلماتها تنساب من بين شفتيها بنعومة مؤلمة :
-أنا في أسوء حال يا سبعي .
يدها اليمنى تمتد أمامها ، تصافحني بأصابع طرية متوسلة بطلبها ، استمرت أصابعها الوديعة المثيرة بطراوتها تتوسل نداءاتها، صافحتني أصابعها . أصابعها الباردة تماما والرخوة تماما ، استمتعت بأحساس قاتم لبرودتها ، تلمست برودتها ، كان جواد سليم يؤكد لنا دوما : (( أن ما يميزنا كبشر أننا متناقضون )) . طافت دهشة باردة رخوة في عينيها من غير أن تدع كفي تفلت من يدها ، ابتسمت . فجأة. انبرت قائلة :
-هلا جئتني ميتا يا سبعي ؟
بوجهها الابيض العريض وعينيها اللتين كانتا دائما : خائفتين ، ومتشككتين قليلا ، قلت وكانت مريم صامتة :
-ربما كرهت يا مريم أنك مت هكذا ميتة ؟
نظرت الي ، وقالت :
-يا سبعي . كانت ميتة مرعبة . لذا جئت أليك .
تطلعت الي بعينيها الخائفتين المتشككتين ، وقالت :
-اتوسل أليك أن تصنع لي جميلا ؟ أتوسل اليك يا سبعي أن تأتي معي .
قلت بصوت اثقلته المفاجأة :
-أألى الموت ؟
قالت :
-نعم . وبسرعة الى الموت . أتوسل اليك .
امسكت مريم يدي اليسرى السائبة بيدها اليسرى الباردة كالثلج تماما والرخوة كالشحم تماما ، قالت :
-تعال . هنا . مت .
نظرت حيث اشارت بيدها اليمنى الباردة كالثلج بالضبط والرخوة كالشحم بالضبط بعدما تركت يدي اليمنى التي صافحتها بها ، ناحية قبرها ، قالت :
-أتوسل اليك . أنظر الي . ومت . افعلها من أجلي . أنت تعرفني يا سبعي .
تعرف مريم . تعرفني جيدا . أقنع نفسك بأن تتمدد بجانبي ، فستكون في الحال ممددا هنا – بقربي – ميتا .
أكملت :
-أتوسل اليك يا سبعي . أفعلها من أجلي . ومت . أتوسل اليك .
مرعب وغريب ما يحصل لي . جلست أنظر أمامي بحزن ، قلت لها بعدما لونت صوتي بنبرة مشاركة :
-أنا ميت معك يا مريم . بلا شك . ميت . معك .
تصمت ، فقلت بلهجة باترة :
-ما جدوى موتي . الان . فأنا من يوم موتك . قد . مت .
حدثت نفسي : لن أخسر شيئا بمشاركتها فأنا ميت من يوم مماتها ، التقطت
بأصابعي الساخنة قليلا من التراب المعجون بدمها وتشممته : كان ترابا كامدا باردا بالضبط مثل ملمس أصابعها قبل قليل ، ذلك ما اوحته لي حركة ارنبة انفها المحببة لي ، وكأنها هي التي تشممته ، وليس أنا ، لم يك سوى أنفاسي وثمة رائحة عتيقة تتصاعد من التراب الكامد ، انتابني خوف شديد ، وجهها ذو البياض الحليبي الخالص ، أبيض حي تملأه الدهشة ، وهمست :
-تراب غريب . غريب .
أمرتها بلهجتي البازة :
-شميّه يا مريم . شميّه .
التقطت من يدي بأصابعها الباردة تماما والرخوة تماما حفنة التراب ، لم تقل لي مريم يوما : سمعا وطاعة ، كونها رفضت لعب دور شهرزاد لأنها لم تك يوما ما شهرزادي ، وأنا لم أكن شهريارها ، كانت عبلتي مثلما أنا عنترتها ،
قالت :
-جئتك منه يا سبعي . أنه تراب قبري . سأشمه بعمق . من أجلك .
حركة أرنبة أنفها تسحرني ، تجعلني مثل المجذوب وهي تشمه بعمق ، قالت بصوت مخنوق :
-ستموت قريبا . اليوم .
لمعت مقلتاها بألق معدني غامض ، تألق الافق خلفها متأججا بلسان ذهبي نيٍء ، ارتجف قلبي وأكتوى بنار نبوءتها ، رفعت نحوي عيناها اللتان كنستني بنظرة جافة عابرة لم أر فيها سوى التيه ، قالت بنبرة غير مبالية تماما :
-اقترب الان . موتك ، ذلك ما أنبأتني به رائحة التراب .
عارضتها :
-أنه ترابك . أنه زعفرانك . أنها أرضك .
تصاعدت سطوة عينيها المحدقتين بي ، قالت لي بثقة أضرمت الغضب في صدري :
-لا . أنه ترابك أنت . تراب قبرك .
زعقت : ماذا ؟
بأنفعال بسيط اجابت :
-به رائحتك يا سبعي . رائحة جسدك التي لطالما حلمت بشمها . لولا – تأرجدنا .
قلت متوترا :
-هذا غريب . غريب . ذلك غريب . مرعب .
تناولت حفنة أخرى من تراب قبرها ، شممته ، ألمحت بنبرة باردة :
-أنها رائحة تراب خالصة يا مريم .
ضحكت وهي تتشمم أصابعها ، بنبرة أكثر برودة من نبرتي مع شيء من نعومتها قالت :
-ياه . علقت رائحة جسمك في أصابعي . أشم ذلك أشمه .
راحت تتشمم أصابعها ، أسرتني حركة أرنبة أنفها ، اصطلمت لرؤيا عينيها الدعجاوين تفتشان باحثتين عن صدى كلماتها في وجهي ، شعرت بالانزعاج من تحديقها ، جاريتها ، مثلما أخذت اتشمم أصابعي بعدما نفضت التراب عنهن ، بدأ البر يتسلل الى أصابعي ، أصابعي . الان باردة ، سرت البرودة ناحية معصمي ، معصمي بارد ، ساعدي غزاه البرد ، بدأ يبرد ، ساعدي بارد ، شممتها للمرة الثالثة ، كانت رائحتها باردة بالضبط رخوة بالضبط ، نظرت صوبي بعينين خائفتين ومتشككتين ، البرد مندفع يسري داخل جسدي كله ، قالت باستخفاف :
-بدأت تموت يا سبعي .
أخذت قليلا من تراب قبرها بين أناملها الباردة بالضبط والرخوة بالضبط ، دست أرنبة أنفها المحببة لي بعمق ، شمّته ، شمتّه بعمق ، وقد أشرق وجهها بفرح خافت ودود :
-أنه تراب قبرك .
انفجرت من عينيها الكهرمانيتين الخمريتين نظرة لا مبالية راسخة ، وأكملت :
-لقد بدأت . الان . تموت . تموت وبعمق .
تقدمت صوبها ، عيناها تئجان مترصدتين مسجلتين حركاتي ، بصوت هامس كحشرجة تفوهت وألق عينيها يزداد لا مبالاة ، قلت :
-أنك على حق ؟
جلست استنشق ترابي ، تراب قبري ، استنشقه بعمق ، استدارت لتمتطي صهوة البلقاء ، رأيت رأسها المفجوج من قحفها ، حفرة كبيرة احتلت رأسها من الخلف بوحشية ، تنبع متقاطرة منه وأليه الدود . نمل . نمل أسود فارسي من نمل الارض يدّب حثيثا فوق شعرها الذي انسكب كشلال أسود مثل ذيول خيول فائق حسن ، تذكرت سرقتي لشريطها الاحمر : رأس البلقاء مهشم يتقاطر منه نمل فارسي كبير أفواجا غزيرة ، عيناي تشتعلان : تشتعلان وهما ترقبان تساقط النمل وانهماره مثل قطرات سائل كثيف مائع لزج ، مددت أصابعي الراعشة متلمسا النمل ، لم يك نملا . كان دما ، دما يانعا كالقطيفة ملمسه بلون وردة القرنفل . استكمل البرد اجتياح جسدي كله ، اعقب الاجتياح ، احتلال بارد لعيني ، دم بارد مثل نمل فارسي يدبي فوق تراب بارد برودة النمل ، ايقظتني من غيبوبتي برودة ندائها ونظراتها الميتة الباردة بعدما امتطت البلقاء :
أصح يا ســــبعي ، فقد ذبحت مريمك
.اصح . اصح يا سبعي . أفقت . أهلها ، أهلي ، وزوار قبور الموتى متجمهرون ملتفون حولي مثل أوراق الملفوف حول قلبها ، وجدت نفسي لأول مرة في بؤرة اهتمام الاخرين، رؤوس تطفو فوقي بأفواه مفتوحة مفغورة، ورأيت وجوه الذين أحبهم ، أمي تلطم خدودها، عمتي أم مريم تضرب صدرها فيرتج نهداها الكبيران الخرافيان مصطكين متدافعين متخاصمين يتناطحان بعمق، أبي كعادته لا يملك غير أن يبسمل ويحوقل ويستغفر ويكبر، وعمي أبو مريم يرش الماء على وجهي، وعيناه دامعتان، ولسانه يلعق شفته السفلى العريضة مرطبا مثله رحت العق شفتي السفلى مرطبا فمي اليابس . كانت جدتي تدعوا لجدي بلسانها الغسقي وفمها ذي الناب الواحد أن يطيل الله عمره كل مساء بعدما تخلع فوطتها وما طال عمره ، طار رأسه بحربة انكليزية ويمكث رأسه الان في أحد متاحف لندن عكس كانت أمي أطال الله عمرها تدعوا علي بلسانها الاصهب وفمها حلو الاسنان كل مساء قبل أذان المغرب تماما أن يأخذ الله عمري ، لا أدري أيأخذ رأسي بسيف من ؟ أو بحبل مشنقة وعلى يد من ؟ يطاردني الموت بأبهى صوره منذ كنت طفلا ، يتراءى لي موتي ، أحلم دائما بالموت ، ميت اعداما . ليلة خميس العشرون من أدار عام سبع وتسعون وتسعمائة بعد الالف جاءني جدي بعينيه المميزتين الشبيهتين بعيني فائق حسن وحاجبيه الخفيفين جعلا عينيه تبدوان مفتوحتين بأتساع، كنت عاريا تماما شهيا تماما ساخنا تماما أثناء نومي، مضطجعا على ظهري ، وضع جدي كفيه العريضتين اللاهبتين فوق جسمي ، اليمنى عند الصدر فوق القلب تماما ، واليسرى ضغطها بشدة فوق سرتي . لا أدري لماذا أختار سرتي ، احسست تيارا ساخنا يخترقني ، يتدفق بي ، يجتاحني ، يتغلغل منتشرا مكتسحا خلاياي كلها ، كانت موجات لظى يديه تصعد وتهبط ، تغوص وتطفو تصهرني ، انبثت سخونة يديه بشكل مستقيم ، عرضي ، وطولي عشوائي ، تشعبت حرارته متدافعة بدبيبها اللاسع يشوي جسدي محمصا ، أحس بشفتي يابستين ، أظهرت لساني الزبرجدي الاحمر أرطبهما يداي تجفان ، كانت بي رغبة بلطعهما ، وجدت نفسي أشوى بسخونة يدية، اتقدت لحين استكمال تحميص لحمي حتى صار بلون البلوط ، أبصره بعيني المتسعتين تماما والمستغربتين تماما لما يجري، وبدأ جدي يلتهمني وعيناه تدمعان بغزارة شرع اكلا شفتي، شفتي اللتين لتوي رطبتهما بلعابي واللتين كانت تحبهما مريم وتقول عنهما : شفتاك تعجباني يا سبعي . البلقاء ترمح خلف جدي محمحمة صاهلة ، أسمع نقر سنابكها ، حوافرها تلطم بلاط الغرفة ، أبصره – أراه يأكل وجهي الا عيني المفتوحتين بأتساع تماما، أكلني بشهية ، بشهية وهدوء عجيبين التهمني، وحسدته على شهيته وهدوئه الغريب . الغريب تماما، أقول لكم الحق، اشتهيت مشاركته الاكل الا أنه أتلف متعتي وسد شهيتي عندما أقتطع عضوي ، وألتهمه بلقمة واحدة، تذكرت يوم ختاني الذي تم على يد دكتور مصري يدعى خالد مصطفى . يوم سبت الرابع والعشرين من شهر حزيران عام أثنين وسبعين وتسعمائة بعد الالف . مساء الساعة السابعة والنصف تماما ، وافق تاريخ ختاني مولد يوحنا ” يحيى ” ذلك ما دونه أبي في يومياته ، أنه التاريخ الوحيد الذي لم تشاركني فيه مريم ، ولم أشاطرها في ظهور أسناني اذ ظهرت أسنانها قبل طلوع أسناني أتى على لحمي كله ، بعدها شرع يمصمص عظامي ، البلقاء ترمح صاهلة خلفه ، ووقع حوافرها يتصاعد . يتصاعد يقترب ، يتقدم ناحيتي . أنه قادم ، قادم ، أخذ جدي يدي وقال لي : قم . أنت . ميت . تؤكد جدتي أطال الله عمرها بلسانها الغسقي : أن الاحلام اذ ما صاحبها دم ، فالحلم يفسد أليا ، واذا كان الحلم بلا دم ، سيتحقق بالتأكيد ، ولكي لا يتحقق نصحتنا أن نتبع وصيتها : أبنائي . أن حلم أحدكم بحلم مزعج ولم يك فيه دما، عليه حال نهوضه من نومه أن لا يقص حلمه على أي أحد كان ، ويذهب مباشرة الى ” المرحاض ” ويقصه هناك في ”المرحاض” . بهذا يبطل مفعول الاحلام ، ذلك ما قالته جدتي أطال الله عمرها .
* * *
أنه ادار . نوروز . عيد الربيع، مساء الجمعة الحادي والعشرون من ادار عام سبع وتسعون وتسعمائة بعد الالف ميلادية، الحادي عشر ذو العقدة عام سبعة عشر واربعمائة بعد الالف هجرية. ارتدينا ملابسنا الجديدة، أخذنا معنا البيض الملون والشموع والحناء والخس. لا تستغربوا، تلك هي عاداتنا.. لاستقبال العام الجديد، أصرت مريم على حمل البيض الملون، ذهبنا لزيارة مقام الخضر، مريم تسير أمامنا بجانب السكة الحديدية فوق الجادة الحصباء، أرعبني جمال عينيها الساكنتين تماما والشبيهتين تماما بشكل عيني جدي عندما أكلني في الحلم، وبهن الشبه نفسه بعيون الجياد التي رسمناها على الجدران الامامية لاكاديمية الفنون الجميلة ، تسير مريم أمامنا لا مبالية ساكنة خلفها مباشرة جدتي ذات الثمانين عاما ونيف والتي شاهدت بأم عينيها أخذ رأس جدي من قبل الانكليز ، وهي نفسها التي جردت سيفه وابقته كل هذا الزمن مجردا من غمده حتى لحظة كتابتي هذه المروية، أعقب جدتي بالسير عمتي أم مريم، بعدها بخطوات قليلة يسرن أخواتها متهامسات، خلفهن سرت تماما أنا حامي الحمى ، مشيت ملتهما الخس ، سرنا تباعا فوق ممر وحيد يتيم بجانب سكة القطار مرتفعة فوق كتف ترابي عال عن جانبين غارقين بالماء، جميع زوار الخضر يسيرون بكثرة خلفنا وأمامنا وفوق السكة أسمع صوت اصطكاك عجلات قطار سريع، صريرا قادما نحونا، قادما صريره يسلخ صوته أرواحنا، الضوضاء تتصاعد. تتصاعد، الصوت قادم يتصاعد، يتصاعد قادما ، يقترب. يقترب في دجنة الغسق القطار النازل من بغداد الى الجنوب خلفنا حضر مسرعا، جاء بأقصى سرعته، يخترق الصمت. الغسق. الغروب بصليل وصرير واصطكاك وصياح وبضجة، المسافة بيني وبين مريم والقطار طرية تجوسها عيني عندما وصل القطار خلفي صارت دمائي تفور كنت أسمعها تفور، أسمع الدماء تفور حولي، مريم تسير أمامي لامبالية، القطار خلفها وهي ساكنة ، تخطتني مقدمة ماكنة القطار ، الدماء تفور برائحة بدأت اتشممها وبعمق تماما ، تخطى أخواتها الستة، شممت رائحة الدم الفائرة ، دم فائر يانع ، تخطى القطار أمها بعجلة وصخب وضجة، الدماء فارت يانعة برائحة غامضة، خلف جدتها وراءه ، وصل القطار أليها ، وهي لامبالية ساكنة ساهية بسيرها أمامنا ندية نضره دافئة بجانب السكة الحديدية ، القطار – الان – عندها ، اللحظة كانت بالغة القصر في ذلك العصر الحار ، رمشة عين، رمشة بين الغسق والغروب ، بين البرتقالي والقرنفلي ، بين الدم والظلمة، بين القطار ورأسها، ارتجفت، فأنفجر داخلي بغضب أخرس عاجز ، طالها القطار المصنوع في انكلترا ومريم ساكنة لا مبالية ساهية . ليتها صرخت قبل أن يدهم رأسها القطار : واسباعياه . كانت لا مبالية ساهية كونها لم تكن في ورطة ولم تعلم أنها في ورطة ، أختارها من بين مئات البنات الزائرات لمقام الخضر اللائي لم يكن في ورطة مثلها ، فضلت الاندماج معهن ورمي ورطتها وراء ظهرها ، جاءها القطار من خلف ظهرها ، ضيقت عيني وجعا . أبصره يجري صوبها وبسرعة هائلة ،( خيول فائق حسن تجري مسرعة مع القطار، (والعـــاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به نقعا) ، صرخنا كلنا ، التقطت أذناي صوتا مكتوما ، لاثره ، تقلص وأنقبض ، أنقبض وتقلص قلبي ، سقطت عباءتها عن رأسها سائحة ، ماطرة جسدها المديد بشلال دم يانع قرنفلي أرجواني ، أرتفع رأس جدي عاليا لحظة ضرب رأس مريم لأثرها تناثر بيضها الملون وتشظى متكسرا فوق عباءتها وملابسها والارض ، دماؤها تطايرت تقافزت نابعة من رأسها ، مر القطار مسرعا، صوت هائل كأنه طائرة نفاثة مرت فوق رأسي، هرعت نظراتي وامسكنها ساندات ظهرها الطري . أسندنها. وانزلنها بهدوء تام فوق الارض الحصباء أحسست أن نفسي يضيق ما أن رمشت بعيني حتى كانت مريم ملقات على الارض سقطت من غير أن تصرخ ، الدم يشخب نازا بقوة على الحصباء ، تمالكت نفسي متحاملا على أرادتي وواجهة الموقف ، انهارت أحد أركان نظرية عمتي أم مريم ، انهارت نظريتها في استئناس أبن اوى وأكل أبن اوى دجاجاتها، دجاجة بعد أخرى، وعمي يبعد التهم عن أبن اوى، ذلك اخر ما باحت لي به عمتي ونحن نسير بجانب السكة الحديدية تجاه مقام الخضر، بهذا انتصر شارون لأنه وحده من أخى بين الذئب والحمل في قفص واحد ، هببت أليها ، أبعد عمتي وجدتي اللتين خلفتهما بأندفاعتي ورائي تمسكان بطرف قميصي ، انطلقنا بأقصى سرعة نملكها خلال المترين الفاصلين بيننا وبين مريم . أبصر تتابع مرور سرب العربات أثناء جريي ، أجده طويلا ينأى ليبتعد ، يبتعد لينأى . أكمل القطار مروره ، مر مسرعا تجاه الافق المنقسم بين الدم والظلمة ، ليدخل بقرص الشمس قبل أن تسقط وراء الافق . كان مقام الخضر مبنى عتيقا بقبة زمردية كالحة وسخة اللون ، تملأ جدرانها الغبر شقوق كثيرة ، طويلة ومستعرضة ، تعشعش داخلها موصوصة خفافيش مذعورة ، تحيط الضريح قبور دوارس لأطفال دفنوا حوله بين أدغال تتفاوت ألوانها بين الاخضر الادكن الطري ، والاخضر المصفر القاسي ، باب الضريح مشرع يغص بالزائرين وقت الغسق الارجواني ، وصلنا حيث وقعت ، وقفنا حولها ، انحنيت متقطع الانفاس عليها دون أن أفكر بأي شيء ، مريم مسجاة على ظهرها ، غطيتها ، سترتها بعباءتها ، القطار يمضي مسرعا غير عابئ ، تمنيت أن انقسم الى قسمين ، نصف يلحق بالقطار والاخر يضع رأسها في حضنه ، الشمس بأحمرارها القرنفلي الارجواني النئ أشبه بشمامة معلقة في أفق أرجواني دام نىء، رفعتها من ابطيها لاضع رأسها في حجري، أناغيها، اهدهدها بين ذراعي مثل طفلة، القطار يمضي سريعا وصليل عجلاته وصريرها يلمعان في ذلك الغروب الاذاري، عدلت من وضع رأسها المهشمة بمحبة بالغة وثيرة ، وبدأت أهزها ، أهدهدها مثلما كانت أمها تناغيها يوم كانت بعد صغيرة ، دمها يشخب يانعا برائحة الليل ، يملأ الارض بالاحمر القرنفلي ، القاني ، الارجواني ، تطلعت أليها، ليس على وجهها أي تعبير فأيقنت أنها ميتة، أتناول وجهها بين يدي الملطختين بالدم ، أشاهد في عينيها الميتتين الباردتين الصلدتين أنعكاس صورتي المتماثلتين لي عليهما تطالعاني بوحشية وبكأبة لا مبالية.. لا تجئ منهما نظرة متبادلة سوى انعكاس صورتي المتضاعفة المرتدة نحوي… تلاحقني أصوات حوافر البلقاء رامحة بعصبية ساخنة ، أخذت أمسح بقع الدم اليانع وأقبلها ، أقبلها وأمسح ، أنطلى الافق بلون الدم ، كأني اتذوقه ، كان مذاقه بادخا مترفا ثريا يانعا مثل الليل، أتذكر ابتسامتها لي يوم رسمت على جبهتي حواجب كثة، ابتسمت. ابتسمت ، كأنما الموت كان يبتسم بعمق ، فعرفت مريم كيف ترد على ابتسامته بأبتسامة أحلى منها وأكبر ، أغلقت عيينها ، ببساطة ، وشيئا فشيئا تتثلج ابتسامتها الجميلة على وجهها . عيناها تطالعان عيني ، بأسدالي جفنيها ، أدركت أنها اغمضت عينيها على صورتي محتفظة بها الى الابد ، السماء بدأت تكتسي مثل الارض بالاحمر والقرنفلي الدموي ، غطت دماءها القانية القرنفلية كل شيء ساعة الغروب فكان الغروب بلون الورد القرنفلي (( فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان )) وهكذا رحن جدتي ، عمتي ، وبنات عمي يبكين ويلطمن ويشققن جيوبهن لاطمات بحرقة ، جاثيا أندبها وسطهن ، أندب جدي ونفسي ، تجمع الناس حولي : نسوة بأعمار مختلفة يشاركنني الندب والبكاء، انخرطت في بكاء عجيب حتى أن كتفي راحا يهتزان بقوة، سقطت قطرة ماء على خدها الايسر وتشظت، ثم اعقبتها اثنتان طريتان تتقاطران على وجنتيها اليسرى، تصورت السماء قد بدأت تمطر، مخطئ كعادتي . أنه بكائي دموعي تتساقط عليها مقبلات مودعات ، الرجال يتساءلون عما جرى ، في ثوان يسيرات استغرقتها في الصمت والخشوع ، انفصلت بها عن الناس كانت حالتي اشبه بحالة يزيد بن عبد الملك[5]… رغم أصوات اللطم والصراخ واللغط ، الشابات يشاركن بنات عمي اللطم ، وما هي ألا هنيهات حتى راحت اجسادهن تتقافز رؤوسهن منفوشت الشعر تنطح الهواء الساكن ، وتدافع مناكبهن بدأ واضحا مصحوبا بأنصفاق اردافهن وارتداد اثدائهن المتدافرة كل زوجين يتلاكمن فوق حلبة جسد احداهن ، هام غسق شفقي يستر منابت اثدائهن العاجية الهينة الطيعة ، مببلا لحمهن الحي اللين الساخن برغوات زبدية ضوئية زعفرانية بحتة ، تنسرب ظلالا سيالة تترقرق بلالئ صهباوات ذائبة بفعل سخونة اللحم الانثوي الطافح بعري يقظ ومرير . وجوههن يغطيها الغسق الدامي ، جسد مريم . الان . بارد تماما ، تماما بارد ، أمسك يدها اليسرى بيدي اليمنى ، كانت أصابعها باردة بالضبط جافة رخوة بالضبط تماما ، تألمت كثيرا وأنا أتذكر يوم كنا طلابا في مرحلة أولى فنون تشكيلية والفصل شتاءا والجو بارد جدا ، رأيت أصابعها ترتجف بوهن ، امسكتها مدفئا أياها براحة يدي ، قلت محاولا تنشيطها : في سن العاشرة كنت دائما الاول في المدرسة كما تعلمين، فكانت ترد ضاحكة:
- وعندما أصبح نابليون في سنك كان امبراطورا.
حينها تحسرت قائلا : نعم : أنا أمبراطور . أنا امبراطورك يامريم . نزلت دمعة ساخنة من عيني اليمنى منفلشة فوق خدها الايسر وأنا أتذكر ذلك ، رحت أشدد جثمانها المسجى الى صدري واضغطه بعمق ، شعرت بغصة خانقة تجتاح حلقي وتتحجر ، تتيبس داخله، اغرورقت عيناي بالدموع متلالئة ثابتة، لا هي ادبرت ولا هي اقبلت، ولم أفلتها من أضمامتي ، ولم أجرؤ على التلفظ بأسمها ، شعرت بالرهبة والحزن، وحزن ثقيل أصفر يعلو الوجوه المحيطة بجثمانها وبي، وكأن المتحلقون حولنا تحولوا الى كتلة واحدة صفراء متماسكة. صفراء بلون أدكن صلب كامد بينما الفضاء المحيط بهم كان أحمر مخيفا يطلي الاشياء بالدم ويوحي بالموت . بحثت عيونهم عمن ينقذها، تدافع الناس وهم يركضون في كل أتجاه، موجاتهم مد وجزر، مرت لحظات رهيبة ، كنت فيها معطلا ، في الجو ضياء تجلط متخثرا مثل دم دسم خط فوق قبة مقام الخضر . أرى شموع الخضر تضيء ذؤاباتها متوهجة بلون الدم، دم مريم المشتعل بلظى النار ترسم هذه الشموع ايماءاتها دما رسى على جدران الضريح ظلالا واسعات مرتجفات بوهن رهبة، فيما قفص ضريح الخضر يتخضب بطلائع دم الشموع والغروب، لفت انتباهي بغل يجوس قبور الاطفال ببلادة ثقيلة ، بنات عمي طفقن ينعين ويعولن ، بزلت الظلمة دم غروبها برهبة وخشوع ، ذكرني لون الغروب بلسان جدتي ، الشمس شمامة كبيرة ، شمامة ناضجة طفق يلجها القطار ، دخل بها في حالة من الشبق المتوتر بدون توقف . تدريجيا . بلا انقطاع كله ولجها، ابتلعته عن بكرة أبيه. انتشت، فهوت بعد بلوغه الذروة، بعد الذروة انفصل عنها القطار منهد في سيره المضني، غادرها كليا منفصلا عنها، غابت الشمس هابطة بضوئها الدموي خلف الافق المملؤ بالاحمر القاني، فتشربنا كلنا بدماء الشمس .
* * *
حلت العتمة بلون أزرق عميق، زرقاء بعمق ينزلق عليها بخفة قمر في محاقه يطل ناعم فضي زئبقي خشن بفضة وسخة دائب غير لامع ، ذكرني بسبطانة المدفع الخارجة عن جسد أخر عربات القطار الذي مر قبل بضعة دقائق ضاربا رأس مريم بعدما اجتازنا كلنا لأنها كانت الاطول بيننا، لحظة ضربة سبطانة المدفع رأس مريم طار رأس جدي عاليا، لتوي أدركت سر الشراكة في نظرة فائق حسن ونظرات خيوله ونظرات مريم وكانتا تقولانه عينا جدي ، شعرت بشعور فائق حسن عندما فقد جواد سليم ، ملأت حضني ضفيرة عمتي أم مريم وضفائر بنات عمي شقيقات مريم الست اللائي قطعن جدائلهن بسيف جدي الصديء الذي حملته معها جدتي ذات الثمانين عاما ونيف وهي تحرك لسانها الغسقي الزبرجدي الاحمر امرتهن بأعطائي جدائلهن ضفائرهن في حضني البغل اخترق مقبرة الاطفال كلها . الان . البغل أمامي يحتل المكان ، يستحوذ على انتباهي كله ، اطالعه يهز ذيله ، يحركه جدلا طربا سعيدا لاهيا تماما ، ساكنا تماما وديعا بالضبط . ثقوا . لا أعرف من أتى به ؟ بالتأكيد لم يجلبه مخيالي الفقير . ابدأ . أنه قدري أن يهز ذيله ملخصا حياتي الشبيه بحياة زهور حسين التي كان نصيبها الرقص . فقط .



ـــــــــــــــ
(1) صفات المحبوب عند أبن عربي : بتعاظم صورة المحبوب وتضخمها بحيث يضيق خيال المحب عن استيعابها ، مما يؤدي الى نحول بدنه ، وتغير صورته – فيصفر لونه ، وتذبل شفتاه ، وتغور عيناه ، وتضعف قواه ، ويغشى عليه اذا راه ، ويصعق ، في الاخير ، قد يجن .
[2] اسطورة قديمة : (( عشق الامبراطور شارلمان في أواخر أيامه فتاة ألمانية ، وقلق البارونات في بلاطه كثيرا عندما رأوا العاهل مأخوذا بعاطفة الحب ، وشارد الذهن تماما عن مكانته الملكية ، مهملا شؤون الدولة . وحين توفيت الفتاة ارتاح رجال البلاط ارتياحا عظيما ، الا أن هذا الارتياح لم يدم طويلا ، لأن حب شارلمان لم يمت بموت الفتاة ، اذ أمر بنقل الجثمان المحنط الى غرفة نومه ، ورفض أن ينفصل عنه . وشك الاسقف ( توربن ) الذي أثارته هذه العاطفة المروعة ، أن يكون في الامر نوع من السحر ، وأصر على فحص الجثمان ، فوجد خاتما ذا فص ثمين تحت لسان الفتاة الميتة وما أن أصبح الخاتم بين يدي ( توربن ) حتى عشقه ” شارلمان ” وأمر بدفن الفتاة بسرعة ، ولكي يتخلص ( توربن ) من هذه الوضعية المحرجة ، ألقى بالخاتم في بحيرة (( كونستانس )) . وهكذا عشق ” شارلمان ” البحيرة ، ولم يعد يستطيع مغادرة شواطئها .
[3] ولد الموسيقي الفلندي ” يان سبيليوس ” في هلسنكي عام 1865 .. وفي عام 1957 كانت الابواق النحاسية والكمانات تعزف للمرة الاولى ألحانا حزينة … ويقال أن الظلام أيضا خيم منذ ذلك الوقت على الشرفات الفنلندية التي كانت سابقا تزدان بالورد والدانتيلا المخرمة ، حيث توقف قلب ذلك الموسيقي المعروف . يعد من ألمع مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية . سيمفونية ” الوزة ” بدأت ألحانه الايقاعية من أسطورة ” الوزة ” ذات التقاسيم النغمية المتوافقة التي ألفها عام 1892 وكان عمره أنذاك سبعا وعشرين سنة . عدت من الموسيقى الوطنية الفنلندية . تونيلا وصف حالة السكون المهيمن بين صخرتين عاليتين في بحر تونيلا حيث تطفو الوزة على سطحه بين الهدوء الساطع وهي تغني غناءا شجيا مؤثرا … الوزة من تونيلا .
[4] ادار . من شهور السنة البابلية مثل ( كنن ) كانون و (( وشبط )) أي شباط و ( ادار ) أي اذار ، ( الول ) أي أيــــول ( تشري ) أي تشرين و ( دموز ) أي تموز ، ( نيسن ) أي نيسان في الكتابة البابلية والاشورية .
[5] كانت لدى عثمان بن سهل جارية تدعى ” حبابه ” التي اشتراها يزيد بن عبد الملك وعشقها وأنصرف أليها تاركا أمور الخلافة وقد تملكه الهوى حتى ماتت بين يديه وقد شرقت بحبة رمان ، فظل يحتضنها وقد غدت جيفه وثار الناس عليه وقتل .



علي السباعي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...