مصطفى تاج الدين الموسى - ساعدونا على التخلص من الشعراء.. قصة قصيرة

نحن لا نفهم الأغاني جيداً، نظن أحياناً أن السبب هو إدماننا على الخمر، وأحياناً نشعر أن حياتنا لم تسمح لنا ــ للأسف ــ أن نفهم أيّ أغنية، لكن الأغاني تفهمنا جيداً، وهذا ما نشعرُ به كلّ ليلة، بعد أن نشرب كثيراً.

منذ المساء ونحن نشرب، شربنا كثيراً، أكثر من الليالي السابقة كلها، وأيضاً كعادتنا، ضحكنا كثيراً، ونحن نتمايل منتشين بطرب، ونتبادل الأنخاب، والفكاهات، والسخريات، حتى وقت متأخرٍ من الليل.

بشر ورفعت وحسام وأنا، مجموعتنا المواظبة على تعاطي الخمر، منذ أيام دراستنا الثانوية حتى الآن.

يخيلُ لي وأنا مخمورٌ، أن نادل الخمارة يفهم الأغاني التي لا نفهمها جيداً ونحن سكارى.

كان نادل الخمارة يبدل لنا كؤوسنا ويسكب غيرها، ونحن نتحدث بكلمات غير مكتملة غالباً، حول ضرورة نشر ثقافة شرب الخمر بين سكان مدينتنا الصغيرة، والتأكيد على أهمية الخمر في تكوين الإنسان الحديث.

ــ على الناس أن تعتاد شرب الخمر ولو غصباً…

ردد بشر غاضباً، وهو يوزع علينا السجائر، ويشعلها لنا من قداحته، ثمّ قال حسام ورأسه يميل ليحط على كتفه كعصفور كسول:

ــ هذا شيء جميل، أن يشرب دائماً أهل المدينة.. كلهم، سوف يصيرون لطفاء في الدوائر الحكومية وهم مخمورون، وفي الشوارع سوف يمشون ببطءٍ شديد، وهم يتمايلون ويتحدثون كلاماً مع بعضهم مثل الشعر، أو حتى أجمل من الشعر..

أردفتُ موافقاً على تخيلاته، وأنا أعبّ من سيجارتي، بمزاج عال:

ــ عندئذ.. سوف نتخلص من الشعراء، ذوي القبعات الغريبة، أولئك الذين لا تتجاوز ثقافة معدتهم السخيفة، أكثر من نصف فنجان قهوة، أو ربع كأس شاي، أو ثلث كأس عصير في أفضل الأحوال، سوف نشكّل معاً يا رفاق عصابة لنشر ثقافة شرب الخمر، ويكون هدفنا بالدرجة الأولى التخلص من الشعراء، لن ينسانا التاريخ، الأجيال القادمة سوف تتحدث عنا بفخر، وسوف يُدرّسون قصتنا في المناهج الدراسية، وأعتقد أنهم سوف يقدمون مسلسلاً درامياً عنا في موسم رمضاني، و..

ــ أف؟!.. ولماذا نتخلص من الشعراء بالذات، صحيح أننا لا نحبهم، حتى زوجاتهم لا تحبهم بسبب ثقل دمهم، وأشكالهم المريعة، ولكن، لماذا لا نتخلص من القصاصين؟ مثلاً..

قاطعني رفعت، نويتُ أن أجيبه، لكن بشر أجابه نيابة عني، بلسان ثقيل:

ــ لا، أولاً القصاصون أقلية، لا يشكلون أي خطر، بينما الشعراء يتكاثرون بشكلٍ غريب، حتى صار لكل مواطن ثلاثة شعراء، إنهم يملؤون الشوارع بقبعاتهم الغريبة، ويتسببون بأزمة سير حقيقية على الأرصفة، وهم السبب الرئيسي في التغيرات المناخية السيئة مؤخراً، كما أن ملامحهم الغامضة تشكل خطراً على معدة من يشاهدهم هنا وهناك، ثمّ.. إن حبيبنا وصديقنا “اللازورد” لا يعاني من القصاصين، “اللازورد” يعاني فقط من الشعراء، منذ أيام شاهدتُ مجدداً “اللازورد” في المشفى طريح الفراش معصوب الرأس، لقد خرج يومها حياً بأعجوبة من قصيدة لأحد الشعراء، أنترك حبيبنا “اللازورد” ألعوبة بأيديهم، يركلونه كيفما يشاؤون؟ يا رفاق، علينا أن نثأر لحبيبنا “اللازورد”..

ضحكنا حتى كادت قلوبنا تتوقف عن الخفقان، ثمّ أردفتُ مؤكداً وجهة نظر العزيز بشر، وأنا أهزه من كتفه منتشياً:

ــ القصاصون يتعاطون الخمور غالباً، خلاف الشعراء الذين يتعاطون الخمور على الأوراق فقط، ويتحاشون المرور أمام أيّ خمارة في الحياة.. ثمّ، القصاصون لديهم سحنات عادية، لا يمكن أن تميزهم إن شاهدتهم على الأرصفة بين الناس، لكن عندما تشاهد شخصاً على الرصيف لديه سحنة مجعلكة، ويرتدي ثياباً مجعلكة، هو حكماً شاعر، ووجهه وثيابه بحاجة لكيٍّ بمكواة أصلية…

تدخّل حسام قائلاً بعد أن التقط بسرعة كأس زميلنا رفعت، وتجرع ما به من خمر:

ــ إنهم يتكاثرون بشكل غريب، يا رجل، تنام ساعة في قيلولة الظهر لتكتشف أن عدد الشعراء ازداد خلال ساعة نومك، وكأنهم يتكاثرون بالانشطار! تباً لهم..

ابتلع رفعت انزعاجه من سرقة حسام لكأسه، أراد أن يشتمه، لكن الخمر الذي لعب برأسه، جعله يشتم الشعراء وساعتهم.

ــ يا رفاق ــ زعق بنا بشر وهو يسكب لنفسه كأساً آخر ــ شوارعنا صارت في خطر بعد امتلائها بالقبعات الغريبة، علينا أن ننقذ الناس، بأن نعلمهم فوائد الإدمان على شرب الخمر، على مشاعرهم ولغتهم اليومية بين بعضهم…

هزوا رؤوسهم موافقين، أخذتُ كأسي لأتجرّع ما به دفعة واحدة، ثمّ خبطتُ به على سطح الطاولة وأنأ أصرخ بهم:

ــ وعصابتنا هذه سوف نسميها عصابة الفرسان الخمسة…

حدقوا فيّ ببلاهة أضحكتني.

ــ أف؟!.. لماذا خمسة ونحن أربعة؟ يبدو أنك قد ثملت وبدأت تضيع…

سخر مني الحقير حسام.

وقفتُ لأقول لهم كمن يلقي خطاباً قبل المعركة:

ــ لا يا عزيزي حسام لستُ ثملاً، إنها مقصودة.. لا أعراف أو تقاليد ثابتة في عالم المخمورين، من المعيب أن نتقيد بعد كل الخمر الذي شربناه، بقواعد العدد والمعدود، نحن أربعة وسوف نسمي عصابتنا باسم الفرسان الخمسة، هكذا.. مزاج. “وضعتُ سبابتي على صدغي، ثمّ أردفتُ بثقة “ولا أحد له علاقة بمزاجنا وقواعده..”

حدقتُ بهم، طال صمتهم، صرختُ بهم: ” ما رأيكم؟ اتفقنا؟..”

حسموا أمرهم بعد تردد، صرخوا معاً بكلمات ممطوطة، تفوح منها روائح الخمر:

ــ اتفقنا.. نخب عصابتنا، عصابة الفرسان الخمسة..

هكذا اتفقنا في تلك الليلة، نحن الذين نلتقي معاً كل ليلة، لنذهب إلى إحدى الخمارات المتواضعة، والمنتشرة شمال المدينة، على الطريق المؤدي إلى الساحل، وبعد ذلك الاتفاق بدأت عصابتنا، عصابة الفرسان الخمسة، بتنفيذ خطتها، الخطة التي تهدف إلى تغيير البشر وطبائعهم في هذه المدينة.

صرنا نهاية كل سهرة نسرق خلسة من هذه الخمارة أو تلك، زجاجة خمر، قبل أن نخرج منها ونحن نتمايل في وقت متأخرٍ من الليل، وعندما نعود إلى حارتنا متكئين على بعضنا، نضع زجاجة الخمر تحت جنح الظلام، أمام أحد الأبواب قبل أن نهرب ببطءٍ شديد، مثل السلاحف.

فعلناها سعيدين مرات عديدة، كل ليلة نضع زجاجة الخمر التي نسرقها من الخمارات، أمام باب لا على التعيين، ثمّ نهرب ببطء، وكأن هروبنا يشبه إعادة بطيئة لمشهدٍ من مباراة بكرة القدم.

كان لدينا يقين أن أصحاب تلك البيوت، خلف تلك الأبواب، سوف يعثرون على زجاجات الخمر عند الصباح، وبعد أن يتأملونها مطولاً سوف يفتحونها ليتذوقوها على مهل، قبل أن يستسيغوها ثمّ يعتادوا على شرب الخمر، وخلال زمن قصير، يصيرون من السكارى المحترفين، الذين يجيدون الكلام الجميل، ويتحولون إلى شعراء يوميين دون قبعات غريبة وقصائد موسمية.

طبعاً، كنا في كلّ مرة نضع زجاجة خمر على أحد الأبواب، نلصق عليها الورقة ذاتها، وقد كتبنا فيها الرسالة التالية:

” عزيزي، عليك أن تشرب، حاول أن تعتاد على الخمر، نريد مصلحتك، ثق تماماً أنك مع الخمر سوف تصيرُ أفضل، وسوف تتحدث مع الآخرين في حياتك مثل الشعراء، هدفنا إنقاذكَ، ساعدنا بإنقاذ نفسك واشرب، هيا… حاول، نقسم لك، نحن لسنا شيوعيين، لا من قريب ولا من بعيد، هيا… اشرب وحلق عالياً، اشرب وسوف تفهمك الأغاني التي لا تفهمها…

مع تحيات عصابة الفرسان الخمسة.

ملاحظة: أيها الناس ساعدونا على التخلص من الشعراء. “

مرّت الأيام والأسابيع والأشهر، وخطتنا تسير كما أردنا لها، زجاجة أو زجاجتا خمر مسروقتان، أمام باب أو بابين في وقت متأخر، مع رسالة أو رسالتين منسوختين بنفس كلمات تلك الرسالة.

بصراحة، لم نعرف مدى نجاح خطتنا، لأنه ليس لدينا موظفون متخصصون بدراسات رجع الصدى، وتحديد طبيعة النتائج، وقياس رأي الجمهور، ولكن.. كنا كلما شربنا، شعرنا بالتفاؤل، وأنه قريباً سوف يصير كل الناس مخمورين على الأرصفة، وفي الشوارع، وداخل الحدائق والدوائر الحكومية، والبيوت، أما الشعراء فسوف ينقرضون قريباً، وسوف نجمع بعض أشيائهم وصورهم، وبعض قبعاتهم الغريبة، التي تثير الرغبة بالتقيؤ والغثيان، لنضعها في متحف للأجيال القادمة، متحف نشرح فيه عن نوع بشري انقرض منذ زمن، لعدم قدرته على التأقلم مع الثياب الأنيقة، والخمور الجميلة.

أقسم لنا حسام في سكرتنا الأخيرة، أنه سوف يكون بطل المسلسل الدرامي الذي سوف يصنعونه عنا مستقبلاً، تخليداً لذكرانا، بينما أكد لنا رفعت أن المناهج الدراسية مستقبلاً سوف تبحث في طبيعة نشوء عصابة الفرسان الخمسة، مع سيرة ذاتية مفصلة عنها، ترافقها صورة له داخل الكتاب، ويتكرر سؤال مهم عنه في كلّ امتحان.. لكن بشر شرح لنا وهو يتمايل على كرسيه، أن أكبر خمارة في البلاد، ستضع تمثالاً له أمام بابها، في المستقبل، امتناناً له على ما فعله مع عصابة الفرسان الخمسة.. أما أنا، فقد كنتُ مطمئناً إلى أن التاريخ لن يهملني، وسوف يقدمني للأجيال القادمة على شكل أغانٍ جميلة.

ذلك النادل في الحانة، الذي لا يبتسم أبداً، كان يضحك عندما يسمعنا نردد عبارة “نحن عصابة الفرسان الخمسة” فيستدير إلينا ليجدنا أربعة فقط.

في ظهيرة ذلك اليوم المشؤوم، حلت علينا مصيبة ما كانت لتخطر على بالنا، فحياتنا كانت ومازالت أبسط من مثل هذه المصائب.

داهم عناصر الأمن مع سياراتهم المعتمة وأسلحتهم بيوتنا نحن الأربعة في وقت واحد، واقتادونا وهم يركلوننا ويصفعوننا ويشتموننا إلى فرع الأمن، حيث قذفوا بنا إلى داخل زنزانة ضيقة، فيها سجناء آخرون، تبادلنا نظرات الاستغراب وكلمات التعجب والمخاوف، وبعد ساعة بدأ التحقيق معنا، ولن ينتهي خلال أشهر.

في ممرات الأقبية بفرع الأمن، وداخل الزنزانات، شاهدنا الكثير من البشر، وأشباه البشر، وبقايا بشر، وكأننا في كوكب آخر، سكانه من المسوخ البشرية المشوهة، ولا واحد منهم كان من الشعراء ذوي القبعات الغريبة، كلهم كانوا من أولئك العاديين، الذين قررنا ذات سكرة أن نحولهم إلى شعراء يوميين.

عذبونا طويلاً، كل يوم، بأساليب وحشية، لم يصدقوا أننا مجرد شلة مخمورين، وأننا كنا نسرق زجاجات الخمر لنرميها ليلاً أمام الأبواب، مع الرسالة ذاتها التي نطالب فيها الناس بأن يساعدونا على التخلص من الشعراء… وكل هذا كان في سبيل تعليم الناس الشرب.

في أقبيتهم المعتمة كانوا متأكدين أننا نسخر منهم، كان لديهم قناعة أننا ننتمي لأحزاب ومجموعات سياسية سرية معارضة، وممولة من الخارج، تتعمد إثارة البلبلة في الداخل، بهدف إسقاط نظام الحكم، ومع تنوع التعذيب تنوعت الاتهامات، التي اعترفنا بها كلها… لكن التعذيب لم يتوقف.

كانوا يريدون معرفة الفارس الخامس، في البداية أخبرناهم أنها كانت مجرد فكاهة تافهة لمخمور غبي، لم يصدقوا واستمر التعذيب القاسي.

صراخنا تحت التعذيب كان يهز الجدران المعتمة، صراخ يشبه الزلازل، لكن الجدران هنا كانت أقوى من أن يهزها شيء.

بداية، اعترف كل واحد منا على اسم الفارس الخامس، بأن أعطاهم اسم أحد الأحياء الذين يعرفهم، لم يصدقوا.. واستمرت ليالي التعذيب، بعدها صرنا نعترف على الأموات، ثمّ صرنا نعترف على أناس ليسوا من الأموات ولا من الأحياء، إنما هم من اختراع خيالاتنا بين غرف التعذيب المريعة.

أرجعونا هذه الليلة من غرف التعذيب في أوقات متقاربة، كنا نحن الأربعة شبه جثث، والدماء تنزف منا بغزارة، قذفوا بنا داخل الزنزانة شبه عراة.

مسخ بشري جانبي أعطاني نصف سيجارة، لأتابع تدخينها، دخنتُ وأنا أتأمل تلك العيون الفارغة، اقشعر جسدي منها مجدداً، فراغ هذه العيون يحدق فيّ فيعذب روحي، فراغ عيون بشير ورفعت وحسام، عيونهم من حولي كانت مثل عيون الجماجم، عيون عميقة من العتمة، أدرت وجهي عن عيونهم، عيونهم كانت بالنسبة لي تعذيباً آخر، منذ أن اعتقلنا، كلما نظرتُ في وجوههم، بعد كل حفلة تعذيب، كنتُ أشعر أنهم يسألونني بصمت قاس يقطع القلب:

ــ من أين جلبت لنا هذا الفارس الخامس يا وغد؟.

استلقينا معاً بين السجناء في عتمة الزنزانة، وأوجاعنا تصرخ داخل أرواحنا، والدماء تسيل من أمكنة مختلفة من أجسادنا.

بعد قليل… انتبهنا لباب الزنزانة يُفتح بهدوء، بصرير خفيض، على غير العادة، من بين سجناء الزنزانة كلهم، لم ينتبه أحد لهذا سوى أربعتنا، رفعنا رؤوسنا والتفتنا معاً إلى باب الزنزانة،على الرغم من أوجاعنا وجراحنا العميقة.

هناك، على باب الزنزانة وقف شخص لم نستطع تمييز ملامحه بسبب العتمة، أشار لنا أن نأتي، ترددنا قليلاً.. ثمّ نهضنا بصمت ومشينا بحذر متخطين أجساد السجناء النائمين، خرجنا معه من الزنزانة، أغلق بابها وأشار لنا أن نلحقه بصمت.

مشينا خلفه متعجبين، عبرنا ممرات كثيرة بين زنازين وغرف التعذيب في قبو فرع الأمن، مشينا كثيراً حتى وصلنا إلى زاوية يبدو أنه لا أحد يمر بجانبها.

ضغط الشخص الغريب على بلاطة في الجدار، فانفتح فيها باب، اكتشفنا أنه باب سري، همس لنا أن ندخل، فدخلنا، ثمّ دخل بعدنا وأغلق الباب السري فوراً.

يا إلهي!! شهقنا معاً بعد دخولنا متعجبين ومندهشين، تلفتنا حولنا غير مصدقين، أشرقتُ شموس السعادة على وجوهنا، تلفتنا كثيراً في المكان حتى صدقنا، ضحكنا.. لقد دخلنا إلى أجمل خمارة في العالم، لم يسبق أن شاهدتُ في حياتي خمارة بمثل جمال هذه الخمارة، جلسنا إلى الطاولة وراح ذلك الشخص الغريب ــ وكأنه نادل ــ يوزع علينا الكؤوس، ويدور بيننا ليسكب لنا الخمر ونحن نشرب ونضحك.

ظللنا نشرب حتى الصباح، في حفلة خمر لا تشبه حفلاتنا السابقة، كانت أحلى وأعظم حفلة خمر نمضيها معاً.

أدار النادل أسطوانة فانبعثت في المكان الأغاني التي بدأنا نتمايل على إيقاعها دون أن نفهمها جيداً، بسبب الخمر في رؤوسنا.

التفتُ إلى النادل، الذي لم يتعب حتى الآن من سكب الخمر لنا، وتبديل كؤوسنا، منذ أن أخرجنا من تلك الزنزانة، ومنذ أن أخرجنا أيضاً من تلك الآلام والجروح، سألته بكلمات ممطوطة:

ــ من أنت؟..

أجابني وهو يضع كأساً على الطاولة دون أن ينظر إليّ، ونحن نحدق فيه بعيون أتعبها الخمر:

ـــ أنا الفارس الخامس يا رفاق..

نحن لا نفهم الأغاني، لكنها.. الأغاني، تفهمنا جيداً.

ثمّ شرح لنا هذا الغريب أغنية لم نكن نفهمها في حياتنا، والآن فهمناها، فغنيناها معاً، نحن وهذا النادل الغريب.

هنا، في الأسفل، عندما رفعنا كؤوسنا لنقرعها ببعضها، نخب هذا الغريب، ونحن نتمايل منتشين بطرب، ونصرخ ضاحكين بصخب، هاتفين به:

ـــ شكراً لك، لقد ساعدتنا على التخلص من الحياة…

في الوقت ذاته، هناك.. في الأعلى، ومع تقارير طبية ملفقة، سلموا جثثنا لعائلاتنا.



اسطنبول 16/6/2019

مصطفى تاج الدين الموسى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...