أحمد الملك - العقرب.. قصة قصيرة

كنا نجلس ثلاثتنا على الأرض في ركن الزنزانة البعيد، نشعر بالإرهاق بسبب عدم النوم ليلاً طوال عدة أيام، كنا نشعر في تلك اللحظة بهدوء غريب، ربما من فرط الإرهاق الذي يخمد فيك حتى الرغبة في التفكير. قمنا بعمل اقتراع سري على حبة سجائر إضافية لمن يستطيع أن يخمّن نوع التعذيب الذي سنتعرض له هذه الليلة. طوال ليالٍ كانوا يبقوننا مستيقظين حتى الصباح بحيل مختلفة: التعليق إلى مروحة السقف، أو الرش بالماء البارد أو الصدمات الكهربائية. بعد قليل اقتحم ضابط الأمن الزنزانة، ومعه جندي، يبدو أن لديه اليوم فكرة جديدة، فقد أمر الجندي قائلاً: قم بجمع أحذيتهم! لم تكن هناك أحذية بالمعنى المعروف، كانت كومة من القماش والبلاستيك المهترئ، جمعها الجندي ووضعها في كيس بلاستيك أسود. توقعت أنهم ربما سيقومون بضربنا على أقدامنا. للوهلة الأولى لم أشعر بالخوف، كنت أشعر أن أطرافي قد فقدت الإحساس من فرط ما تعرضت إليه من ضرب، بما يكفي لعدم
الإحساس بأي تعذيب جديد.
عندها عرض الضابط آخر حيل التعذيب، قال يخاطبنا: أنتم الأشرار في هذا الوطن تريدون إغراق وطننا في الفوضى، تتظاهرون ضد السلطة الشرعية وتمزقون صور رأس النظام، يا لكم من تعساء!. لم يكن هناك جديد حتى الآن، نفس
الخطبة اليومية تقريباً.
رفع علبة زجاجية أمام المصباح الكهربائي الذي يحمله في يده، فرأينا شيئاً صغيراً يتحرك داخل الزجاجة. أعلن بنبرة انتصار: ستقضي هذه العقرب الليلة معكم في الزنزانة! إنها من النوع الذي يعيش في الجبال، تتغذى على الأعشاب السامة والتراب! لدغتها تساوي لدغة مائة عقرب عادية!
فتح الضابط غطاء العلبة ثم نثر محتوياتها أرضاً، ووجَّه ضوء مصباحه الكهربائي عليها. رأينا العقرب في ضوء المصباح تسرع هاربة باتجاه الجدار، عرفنا أننا خسرنا جميعاً رهان حبة السجائر. في كل الأحوال من سيأبه للفوز بسيجارة، إن كان لا أحد منا سيضمن منذ اللحظة أنه سيعيش حتى الصباح! لم يكن هناك ضوء كهربائي في الغرفة. حين أطفأ الضابط مصباحه ساد في المكان ظلام رهيب، كان هناك ضوء خفيف يتسلل عبر الباب من الممر. أغلق
الضابط باب الزنزانة، فغرقنا في الظلام. بعد قليل بدأنا نتبين خيوط الضوء القليلة التي كانت تتسرب عبر النافذة الصغيرة في أعلى الجدار من مصباح كهربائي بعيد ربما كان أحد المصابيح المستخدمة في حراسة أسوار السجن.
كانت تلك المرة الأولى التي ننتبه فيها لخيوط الضوء تلك، والتي كانت تسقط على الجدار المواجه للنافذة الصغيرة دون أن تضيء شيئاً حولها، بل تترك فقط خيطاً مائياً رقيقاً على الجدار.
في البداية لم نستطع التحرك من فرط الخوف والذهول، قال أكثرنا خبرة: في المرة التالية يجب أن نتراهن على شيء أكثر قيمة حتى نفكر بعمق، ولا نكتفي بالأشياء التقليدية.
من تحدث كان أكثرنا تماسكاً، يبدو أنه اعتاد بسبب تعدد مرات اعتقاله على هذه المفاجآت، في السنوات الأخيرة كان قد قضى في المعتقل وقتاً أطول مما قضاه في بيته أو في أي مكان آخر، كان دائما يحكي أنه في إحدى الفترات القليلة التي قضاها خارج السجن، كان ينهي معاملة في إحدى المؤسسات وحين طلب منه كتابة عنوانه، كتب دون تردد ودون أن يشعر بوجود خطأ ما، عنوان المعتقل!
قال: لدينا دقائق قليلة نفكر فيها كيف يجب أن نحمي أنفسنا قبل وصول العقرب إلى مكاننا. لم يكن معنا أعواد ثقاب، كنا نخفيها في الفناء لنستخدمها في التدخين أثناء الاستراحات التي يسمح لنا فيها بالخروج إلى الفناء. كنا نتصبّب عرقاً. لم أفهم ما الذي قاله زميلنا، بدأت لا إرادياً أحاول رفع قدميّ الحافيتين من الأرض، يقولون إن لدغة العقرب في الأطراف هي الأسوأ! كنت مشتّتاً بين ضربة الموت القادمة وبين صور أسرتي التي بدأت تقف أمامي، كأنهم جاءوا لإلقاء نظرة وداع أخيرة. ابنتي الكبرى كانت تقف في المقدمة والحزن يخيم عليها، ستكون قد استعدت للذهاب للمرة الأولى إلى المدرسة. لم أكن متأكدّاً من اليوم الذي سيبدأ فيه عامها الدراسي الأول، لكنني حاولت حساب ذلك فوصلت إلى أن يوم غدٍ ربما سيكون يومها الأول في المدرسة، الآن لم أعد متأكدّاً إن كنت سأكون حيّاً حين تذهب ابنتي للمرة الأولى إلى المدرسة.
قال زميلنا الذي حافظ على بعض تماسكه: هناك حبل تعذيب مربوط إلى مروحة السقف، سنقوم بتعذيب أنفسنا بأنفسنا هذه الليلة، سنحاول تقدير الوقت، يمسك كل منا بالحبل لمدة دقائق ثم يخلي الفرصة للآخر، وهكذا حتى الصباح، بدلاً من أن نقضي الليلة كلها في رعب وخوف ستخفف الدقائق التي يتعلق فيها أحدنا إلى مروحة السقف من رعبه وخوفه، ستكون هذه الاستراحة من انتظار الموت مفيدة، وتعطي كل واحد فينا بعض القوة لنصمد حتى الصباح! ثم تنهد وقال: من المؤسف أنه لا توجد سوى مروحة سقف واحدة، وإلا لكان هناك أكثر من حبل للتعلق فيه! شعرنا بالأسف لعدم وجود معدات تعذيب كافية. قال زميلنا المتماسك مازحاً: حين يزورنا مقرر حقوق الإنسان إن عرف مكاننا، سنطالب بالعدل، بتوفير أدوات كافية للتعذيب، حبل ومروحة لكل مسجون!
قال زميلنا: يمسك أحدنا بالحبل ويبدأ البقية في العد حتى الوصول إلى الرقم خمسمائة، وعندها يتسلق من عليه الدور الحبل وهكذا. عملية العد نفسها ستساعد في شغلنا قليلاً عن التفكير في العقرب. صمت قليلاً ثم قال كمن يفكر في الظلام بصوت عالٍ: ربما وجدت العقرب طريقها إلى الخارج، لكن ذلك سيعني أن نظل طوال فترة إقامتنا هنا في ترقب ظهورها في أية لحظة!
لم يكن هناك وقت لنضيعه في التفكير بصوت عالٍ، تحركنا فوراً نتحسّس طريقنا في الظلام حتى عثرنا على الحبل.
من حسن الحظ، وقعت القرعة التي أجريناها بسرعة عليّ، لأكون أول من يجرّب التعذيب الإنقاذي من العقرب. في المرة الأولى حين قاموا في حفل استقبالنا بتعليقي إلى مروحة السقف، كنت متأكداً في الدقائق الأولى أنني سأموت قبل أن تلامس قدماي الأرض مرة أخرى، وبدت لي مروحة السقف مثل مشنقة. أما الآن فقد شعرت أنّ هذه المشنقة هي واحة الأمان الوحيدة في العالم، هي التي ستوفر لي دقائق ثمينة للحياة. لم أشعر بآلام اليدين وأجزاء الجسم الأخرى بسبب تعلقي في السقف، كان كل همي أن أستغلّ دقائق الحياة الثمينة في استعادة حياتي بوضوح أكثر ربما للمرة الأخيرة.
مجرد أن شعرت ببعض الأمان حتى قفزت صورة سلافة إلى واجهة ذاكرتي. صبيحة يوم اعتقالي، ذهبت معها إلى السوق، واشترينا بعض الأشياء التي ستحتاج إليها في المدرسة، كانت قد تبقت بضعة أشهر على بداية العام الدراسي، لكنها كانت متعجلة للذهاب إلى المدرسة. اشترينا حقيبة بلاستيكية حمراء صغيرة مرسوماً عليها بعض الشخصيات الكارتونية، لتضع فيها بعض الأشياء التي ستحملها معها إلى المدرسة، قارورة من البلاستيك الملون للماء وعلبة بلاستيك صغيرة لتضع فيها وجبة إفطارها. كانت سلافة تبكي حين أخذني الجنود من البيت، لم تفهم لِمَ يجب عليّ أن أذهب معهم، وكانت تبكي لأنها كانت ترغب في الخروج معي وأمسكت أمها بها لتمنعها من ذلك. أبلغني الضابط أنني سأغيب فقط لنصف ساعة أجيب فيها عن بعض الأسئلة التي تتعلق ببعض نشاطاتي .
مضت ثلاثة أشهر ولا زلت في المعتقل، لم يتم حتى اللحظة استجوابي، كنت أتعرض فقط يومياً مع زملائي للتعذيب. بعد مرور أكثر من شهرين، تم تحويلنا من المعتقل السري الذي بقينا فيه إلى هذا السجن، شعرنا ببعض الأمل بأن خروجنا من ذلك المعتقل السري قد يكون إشارة لقرب الإفراج عنا، لكنَّ شيئاً لم يتغير. كنا نتعرّض لنفس التعذيب يوميّاً، ولنفس محاولات جعلنا نعترف بجرائم لم نرتكبها للاستيلاء على السلطة.
مرّت الدقائق الثمينة مثل لمحة بصر، حين أعلن زميلاي وصولهما إلى الرقم خمسمائة. نزلت من الحبل وشاركت مع زميلي الآخر في رفع زميلنا وربطه إلى مروحة السقف.
كان العرق يتصبب غزيراً من جسمي، حتى شعرت أن الأرض تغرق أسفل قدميّ، كنت أرفع قدمي الحافية وأضرب بها الأرض أملاً في قتل العقرب إن اقتربت مني، لكن زميلي نبهني أنّ هذه الطريقة قد تجذب العقرب إلى مكاني، لأن العقرب ربما ستفضّل أن تتحرك قريباً من الجدار، توقفت على الفور، لكنني واصلت رفع قدمي الواحدة تلو الأخرى في الهواء، نظرت باتجاه النافذة التي يتسرب منها ضوء ضئيل فوجدتها عالية جداً، كما أنها مغلقة بقضبان حديدية بحيث يستحيل التعلق فيها كما خطر لي في البداية. مرت دقائق رهيبة وحان دور زميلنا الثالث، رفعناه، كان يشكو من آلام في قدميه بسبب التعذيب، فلم يستطع التعلّق جيّداً في الحبل وسقط على الأرض، رفعناه مرة أخرى، رغم أنه كان يحاول إقناعنا بأن نتعلق نحن إلى الحبل ونتركه، لكننا أقنعناه أن يبقى ممسكاً بالحبل، وسنساعده نحن برفع جسده بأيدينا حتى نخفف الضغط على يديه، لم يكن يرغب في إرهاقنا، لكننا أصررنا عليه ليبقى في مكانه. كان العرق يتصبب مني بشدة، وارتفع صوت دقات قلبي، خاصة أننا مع بقائنا ونحن نرفع جسد زميلنا الثالث لم يكن متاحاً لي رفع أقدامي من الأرض. كنت أحدّق في الظلام حولي محاولاً تبيّن وجود شيء يتحرك. أحياناً، كان يخيّل لي أنني أرى شيئاً يشبه ذيل العقرب المرفوع يتحرك باتجاهي، كنت أحبس أنفاسي منتظراً الضربة القاتلة في كل لحظة.
جاء دوري مرة أخرى للصعود إلى الحبل. ما إن ارتفعت قدماي في الهواء، حتى عدت أفكر في ابنتي وزوجتي. تركت لزوجتي في البيت مالاً قليلاً، ولا أعرف كيف ستستطيع تدبير أحوالها إن طال غيابي، ربما يجب أن تذهب للعيش مع والدها. بيت والدها بعيد، وستكون هناك مشكلة في وصول ابنتي إلى مدرستها، فكرت: ربما يمكنهم نقلها إلى مدرسة أخرى مؤقّتاً. مدرسة تكون قريبة من بيت جدها. بسبب عملي في مؤسسة حكومية، ربما يطردونني من العمل بسب الغياب. ستكون زوجتي أبلغتهم أنني معتقل في قضايا سياسية. وسيكون ذلك مبرّراً إضافيّاً لطردي من العمل. وبالطبع حين لا ندفع إيجار البيت لأشهر سيطردنا المالك. وسيكون عليّ حين أخرج من هنا، أن أبدأ استعادة حياتي من الصفر، لن يكون سهلاً العثور على عمل، لا توجد فرص كثيرة. ومعظم الشركات الخاصة يملكها أشخاص يتبعون للحكومة، لن يسرهم استخدام شخص تتهمه حكومتهم بالتواطؤ ضدها.
لم أجد حلاً لأي من مشكلاتي. حين انتهت فترتي وحان دور زميلي الآخر، كنت أتوقع وأنا أهبط إلى الأسفل أنني ما إن تلامس قدماي الأرض، حتى أجد العقرب بذيلها المشرع في الهواء في انتظاري. لكن لحسن الحظ وصلت قدماي إلى الأرض بسلام. بدأت فوراً في تحريكهما بسرعة إلى الأعلى أملاً أن تمر العقرب من أسفل جسدي دون أن تمسني. كنت أبطئ أحياناً حين أرفع إحدى قدميّ في الهواء، لو لم تكن العقرب متعجلة لا شك أنني حين أرفع قدمي وأنزلها، سوف أنزلها فوق ذنبها، لكن العقرب ستكون متعجّلة بحيث أنها ستعبر كالسهم من بين قدميّ، هي نفسها ستشتم رائحة خطر في المكان، وستكون متعجّلة وهي تبحث عن مكان آمن لها! هل تعرف العقرب أنها أيضاً في السجن؟! لو كانت تعلم أنني أضعف منها كثيراً، ربما لبقيت بعيداً عنا، هي تستطيع أن تحفر أسفل الجدار، وتجد طريقاً إلى الحرية، بينما أظل أنا في رحمة من لا يعرف الرحمة، فكرت قليلاً: هل حين تحفر العقرب أسفل الجدار وتجد نفسها في الخارج، هل ستشعر بالفرق؟ أخشى أنها بعد ضياع جهد عدة ليالٍ في الحفر ستجد نفسها في فناء السجن! أو ستكتشف أن خارج السجن نفسه ليس سوى سجن كبير! لكن العقرب لن تهتم، ستبحث عن أجمة حشائش أو فرع شجرة جاف أو شقوق جدار وتختبئ فيها وتخرج ليلاً لتدبير عيشها! انتبهت لفكرتي الأخيرة! أن العقرب تخرج ليلاً لتدبير عيشها، وبدأت أرفع قدمي بطريقة هستيرية ودون قصد تخطيت الرقم الذي توقفت عنده أثناء حسابي لفترة زميلي في الحبل بأكثر من مائة! لكن زميلي الآخر كان لا يزال يحتفظ بالرقم الصحيح.
حين جاء دوري للمرة السابعة أو العاشرة كنت منهكاً تماماً، ربما بسبب الخوف وقلق انتظار العقرب، أكثر من أي مجهود بذلته في رفع زميليّ إلى الحبل أو التعلق بالحبل، لكنني رغم التعب الشديد استطعت الصعود والبقاي في الأعلى دون مساعدة. كنت أشعر أنني أنزف داخل جسدي بنفس نزف العرق الذي غطى جسمي، وأن مقدرتي حتى على التفكير قد تعطلت. لبثت في مكاني مثل حجر، لا أرى ولا أسمع شيئاً ولا حتى صوت زميليّ. في النهاية حين شعرت أن الوقت طال وأنني أخذت أكثر من حصتي كثيراً، ناديت على زملائي فلم أسمع شيئاً، تركت جسدي ينزلق إلى الأرض، فوجدت نفسي فوق جسدي زميلي، كانا مستغرقين تماماً في النوم، نسيا من فرط التعب العقرب وسمها، وأسلما جسديهما المكدودين إلى النوم، كانت خيوط قليلة من ضوء الفجر قد تسربت إلى الغرفة، لكن الرؤية كانت لا تزال غير واضحة. تكومت بجانب زميليّ وأسلمت جسدي إلى النوم.


أحمد الملك

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...