حوا بطواش - ابتسامة جدي

جدي كان إنسانا هادئا، لا يتكلّم أبدا لمجرد الكلام. وجهه كان يشعّ بابتسامة عذبة ، وملامحه تنم عن هدوئه الداخلي النادر. أحيانا، كنت أراه في أزقة القرية، حين كنتُ ألعبُ مع صديقاتي، بمعطفه الكحلي الغامق وقبعته الشركسية السوداء، يمرّ بقربنا. لم يكن يقول لي شيئا، ولكن ابتسامته الواسعة كانت تقول لي كل شيء.

جدي لم يكن يغضب مني أبدا، حتى عندما كنتُ أرقد بجانبه على السرير، أمسك بأصابعي أذنه اليمنى، أشدّها. كان ذلك يريّحني كثيرا. كنت حينها في الرابعة أو الخامسة من عمري فقط. ولكن أمي كانت تغضب مني، تمنعني من فعل ذلك وتقول إن ذلك يزعج جدي، رغم أن جدي لم يتذمّر أبدا ولا قال شيئا عن ذلك ولا مرة واحدة. كان دائما يدعني أمسك بأذنه.

الناس في القرية1 كانوا ينادون جدي «تشركسا» (يعني الشركسي). جدتي أخبرتني أن ذلك لقبٌ انتقل إليه من والده. في تلك الأيام، لم يكن مقبولا عندنا في القرية أن تنادي المرأة زوجها باسمه. لذلك، كانت والدة جدي تنادي والده «تشركسا» ، وانتقل اللقب إلى جدي.

بيتنا، أي بيت جدي وجدتي، الذي كنا نسكن فيه حينها، كان في الناحية الجنوبية من المسجد، ليس قريبا جدا منه، ولكن ليس بعيدا أيضا. البيوت الأولى في القرية بُنيت حول المسجد بشكل دائرة. مع مرور السنين توسّعت الدائرة. كانت البيوت مبنية من حجارة البازلت السوداء ومسوّرة بجدران عالية. الأزقة كانت ضيّقة وجرّار جدي بصعوبة مرّت بينها. حول القرية، في أطرافه البعيدة كان هناك شوف2.

جدي كان مزارعا. كل يوم، في الصباح الباكر، كان يخرج إلى الشوف للعمل ويحضر معه الخضار: بندورة، خيار، ملوخية، لوبيا، بطيخ، عنب... حسب الموسم. كانت له دكانة صغيرة في البيت يبيع فيها الخضار. في تلك الأيام، لم تكن الخضار والفواكه متوفرة بكثرة في الدكاكين، كما في أيامنا، حتى أنه كانت هناك دكانتان اثنتان فقط في القرية. كل يوم، عند اقتراب موعد عودة جدي من الشوف، ازدحمت حارتنا بنساء القرية أو بناتهن في انتظار جدي.

لجدي كان جرّار أخضر مع عربة. كان يملأ العربة بالخضار ويعود من الشوف عند اقتراب العاشرة والنصف. أحيانا، عندما يتأخّر، كنا أنا ونادية، صديقتي، نخرج من الحارة باتجاه الشوف، نجلس على سور أحد البيوت، نتأمّل في الناحية التي سيعود منها جدي وننتظر أن نلمح جرّاره الأخضر. وعندها، كنا نركض بسرعة إلى الحارة لنزفّ الخبر السعيد إلى الجميع.

«تشركسا عائد!» كانت النساء يبشّرن بعضهن البعض ويتأهّبن للهجوم على العربة، ومن ذهبت لوهلة إلى بيتها لسبب ما كانت تسرع في العودة. كان جرّار جدي يدخل مبطئا إلى الأزقة، والعربة من ورائها ممتلئة بالخضار، يشقّ طريقه نحو البيت.

لوبيا كانت الخضرة الأكثر شعبية في موسمها، في الصيف، مثلها مثل الملوخية. من تأتِ أولا تأخذ أولا ومن تبقَ في البيت ولا تنتظر جدي لم تكن لتحظى باللوبيا أو الملوخية. بطيخ جدي كان لذيذا جدا ولا يمكن إيجاد مثله اليوم في أي محل.

عندما كبرتُ قليلا، كنا نذهب أنا ونادية إلى الشوف ونلعب تحت السقيفة الصغيرة التي بناها جدي هناك. أمي لم تكن تعارض ذهابي إلى هناك، رغم أنه كان بعيدا قليلا عن بيتنا، لكن، ليس بعيدا جدا من آخر البيوت، ولكنها كانت تمنعني من الابتعاد من هناك نحو طريق السجرة3. هناك كان يوجد دَيلا خان4. ذلك المكان، الذي سمعتُ عن وجوده هناك مرارا وتكرارا من أمي لطالما أثار فضولي.
وبعد ظهر أحد الأيام، عندما كنا أنا ونادية نلعب في الشوف، اقترحت نادية: «ما رأيك أن نذهب إلى دَيلا خان؟» لو كنتُ وحدي لم أكن لأجرؤ حتى على التفكير في ذلك حتما، ولكن مع نادية أحسستُ بالأمان، حيث أنها تكبرني بعامين، وكانت دائما واثقة من كل ما تقوله وتفعله. كنتُ أراها قوية ومثلي فضولية لرؤية دَيلا خان ومن يعيشون فيه.

«ياااه كم أريد أن أرى المجانين. ترى، كيف يبدون؟ وماذا يفعلون هناك؟» قالت نادية.
«يووو! وأنا أيضا! أنا أيضا أريد أن أراهم.» قلتُ لها.

من حولنا امتدّت مساحات شاسعة من حقول الزيتون، اللوز،القمح والشعير. الريح صفّرت في آذاننا وصفعت وجهينا. مشينا... تحدّثنا قليلا، مشينا كثيرا... ولم يعُد هناك الكثير من الكلام. ابتعدنا عن القرية كثيرا. أمامنا انحدرت الشمس إلى مغربها، وراء الجبال، ولوّنت السماء بالأصفر والأحمر. في داخلي تعجّبتُ إن كان باستطاعتنا أن نصل البيت قبل المغرب.

بقينا نمشي ولم نتكلّم.

فجأة، من بعيد، تجلّى أمام أعيننا جرّار اقترب منا أكثر وأكثر. كان ذلك جدي. توقّف ونظر إلينا بنظرات التعجّب.

«إلى أين أنتما ذاهبتان؟» سأل، ولم ينتظر الإجابة. «هيا، إركبا.»

ركبنا الجرّار وجلسنا في المقعد الخلفي وراء جدي. شعرتُ بالارتياح للعودة إلى البيت مع جدي. نادية كانت هادئة أكثر من العادة. لم تنطق بكلمة. فقط ابتسمت.

حين وصلنا إلى البيت، لوهلة، خفتُ أن يخبر جدي أمي بما حدث. نظرتُ إليه حين هبطتُ من الجرّار وهو ابتسم لي كما دائما ولم يخبر أمي أبدا.

مرّت سنون كثيرة منذ ذلك اليوم، وجدي لم يعُد بيننا، ولكن، كلما غمرتني ذكراه، وملأت قلبي بالشجن والحنين، ورأيتُ في عيون قلبي ابتسامته، ومض في ذاكرتي سرُّنا الصغير الذي لم يخرج أبدا بيننا ولم يعرف به أحد سوانا... أنا وجدي.

هي قريتي كفر كما في الجليل الأسفل في فلسطين، قرية صغيرة سكانها من الشركس.
شوف- (بالشركسية) حقل.

السجرة- قرية فلسطينية كانت تقع غرب القرية هُدّمت وهُجّرت خلال النكبة عام 1948.
دَيلا خان- (بالشركسية) دار المجانين.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...