ميخائيل زوشينكو Mikhail Zoshchenko - الفقر .. قصة قصيرة - ترجمة: يوسف نبيل

تُرى يا أشقائي، ما أكثر الكلمات حداثة الآن؟

قطعًا ما من كلمة أكثر حداثة الآن من كلمة: “الكهرباء”.

من المهم جدًا -بلا جدال- أن تستنير روسيا السوفيتية بالكهرباء، ولكن هناك جوانب أخرى بالموضوع لا تحمل أهمية كبيرة. أنا لا أقول أيها الرفاق إنه يكلفنا ثمنًا كبيرًا… لا… إننا لا ندفع مالا كثيرًا مقابل الكهرباء. ليس هذا ما أقوله.

ولكن الأمر عن الآتي:

عشت أيها الرفاق في منزل ضخم. كان المنزل بأكمله مضاءً بالكيروسين. لدى البعض مصباح زيتي، ولدى آخرين مصباح كهربائي، والبعض ليس لديه شيء على الإطلاق، يضيئون منازلهم بشمعة… إنهم الأكثر فقرًا!

ثم بدأوا في توصيل الكهرباء…

بدأوا أولا في إنارة مقر مدير المنزل، ثم أخذوا يوصلون الكهرباء هنا وهناك. إنه رجل هادئ، لا يظهر ما يفكر فيه. لكنه بدأ يتصرف بغرابة، ويسير واضعًا يده في أنفه مستغرقًا في التفكير.

وها هي عزيزتنا ربة المنزل يليزافيتا إيجناتيفنا بروخوروفا تأتي ذات يوم باقتراح أن نضيء الشقة . تقول:

– الجميع يوصلون الكهرباء، حتى مدير المنزل نفسه قد فعل ذلك.

حسنًا… فلنفعل ذلك.

ووصَّلنا الكهرباء، وأضيء المكان… ولكن يا إلهي! المكان متعفن وقذر.

في السابق كان المرء يغادر صباحًا إلى العمل، ويعود بالمساء، ويشرب الشاي وينام. ولم يكن المرء يرى شيئًا عندما كنا نستخدم الكيروسين، أما الآن فقد أضيء المكان وأصبحنا نرى.؟. أصبحنا نرى حذاء أحدهم المهترئ في أحد الأركان، وفي ركن آخر نرى ورق الحائط الممزق، وبق الفراش يسرح في مكان آخر هاربًا من الضوء، وخرقة غير واضحة المعالم تخص أحدهم، وبإمكانك أن ترى بصقة هنا، وعقب سيجارة هناك، وبرغوث يتراقص.

يا إلهي على ما يفعله النور! إنه يجعلك تود أن تبكي وأنت تنظر إلى هذا المنظر الحزين أمامك.

على سبيل المثال، تلك الأريكة الصغيرة التي لدينا في شقتنا. كنت أعتقد أنها أريكة جيدة. كنت أجلس عليها كثيرًا في الأمسيات. أما الآن فقد أضاءت الكهرباء المكان… يا إلهي على النور! آاه… يا لها من أريكة! إنها مهترئة تمامًا… ممزقة تمامًا… خرجت منها كل بطانتها تقريبًا. لا يمكنني أن أجلس على هذه الأريكة… روحي تنفر منها.

لكني أفكر في نفسي وأقول: “لكني لست غنيًا”. كل ما تنظره عيني مقززًا… لم يعد بإمكاني العمل جيدًا.

وبإمكاني أن أرى أيضًا صاحبة ربة المنزل يليزافيتا إجناتيفنا تبدو حزينة، وتذهب إلى المطبخ وتحاول أن تلهي نفسها بالتنظيف والترتيب. أسألها:

-لماذا تتسكعين في المكان؟

لكنها تلوِّح فقط بيدها وتقول:

-لم أكن أدري يا عزيزي أني أعيش في فقر مدقع كهذا.

نظرت إلى ربة المنزل وأخذت أفكر… الأمر قذر ومذرٍ فعلا. ولا يمكنك ألا تنظر إليه تحت هذا الضوء الساطع.

أصبحت أعود إلى المنزل في مزاج متكدر.

أصل إلى المنزل وأضيء النور، وأنظر إلى المصباح بإعجاب، وأهرع للفراش على الفور.

بعد أن فكرت مليًا وحصلت على مرتبي، اشتريت مبيضًا وبدأت العمل. مزَّقت ورق الحائط، وقتلت البق وأزلت العناكب وأصلحت الأريكة وطليت المكان وزينته. الآن تسعد الروح وتطرب.

ومع أن النتيجة كانت جيدة إلا أنها لم تكن جيدة كفاية… لقد بددت المال عبثًا يا أشقائي، فقد قطعت صاحبة الأملاك الأسلاك الكهربائية. قالت لي:

– الأمر سيئ جدًا… إني فقيرة على أن أحيا في الضوء. لقد بيَّن لي فقري المدقع

حاولت أن أقنعها، ولكن عبثًا كان هذا.

– إني لا أريد أن أنير المكان… لا أريد أن أعيش في النور. ليس لديَّ المال لأصلح أشيائي.

وهل من السهل أن أترك المكان وأنتقل إلى آخر إن كنت قد أنفقت كثيرًا من المال على الإصلاحات؟ لذا فقد استسلمت للأمر.

آاه أيها الأشقاء… النور أمر جيد، ولكن الحياة تحت ضوئه ليست كذلك.

1925





[SIZE=18px] ميخائيل زوشينكو .. قصص مختارة - موقع الكتابة الثقافي [/SIZE]
مقدمة في قلب الثورة الدموية التي اندلعت في عام 1917 انتشر الأدب الساخر في روسيا بشكل غريب، وهو أمر ملفت للنظر، فإن كانت الثورة عملا دمويًا عنيفًا في كثير من الأحيان فكيف ولماذا يحدث ذلك؟ في أوائل عام 1922 صدرت المجموعة القصصية الأولى لميخائيل زوشينكو وضجَّ الناس بالضحك ونفد الكتاب من السوق...
alketaba.com
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...