42 - المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر - تأليف المستشرق الإنجليزي ادورد وليم لين للأستاذ عدلي طاهر نور

تابع الفصل الثالث عشر - الأخلاق

إن الضيافة فضيلة في الشرقيين تثير الإعجاب الحق للغاية. ويستحق المصريون من أجلها كل ثناء. ويطلق عادة على الزائر أو الضيف في مصر كلمة (مسافر). وقل في مصر من يفكر في تناول طعامه وفي بيته غريب دون أن يدعوه إلى مؤاكلته إلا إذا كان المدعو من طبقة دنيا فيدعى إلى مائدة الخدم. ويعتبر امتناع المسلم عن الأمر بإعداد المائدة في الوقت المعتاد لأن زائراً دخل عرضاً، مخالفة فاضحة للآداب. ويتناول أفراد الطبقة الوسطى عشاءهم أحياناً أمام أبواب دارهم عندما يعيشون منفردين، فيدعون كل عابر جليل الهيئة ليأكل معهم. ويفعل هذا عادة أفراد الطبقة الدنيا. والاستضافة في المدن نادرة لأن فيها وكالات أو خانات يستطيع الغرباء المبيت فيها. كما أن الحصول على الطعام فيها أمر هين. أما في القرى فكثيراً ما يضيف المسافرين شيخ القرية أو غيره من السكان؛ وفي العادة أن يقدم الضيف من الطبقتين العليا والوسطى عطية إلى خدم المضيف أو إلى المضيف نفسه. ولكن يندر أن تقبل عطية الضيف في البادية. وللمسافر أن يستقري، بموجب السنة، من يستطيع أن يقريه ثلاثة أيام. وتقدم لنا التوراة في قصة إبراهيم وإضافته الملائكة الثلاثة صورة كاملة للطريقة التي يستقبل بها الشيخ البدوي الآن الوافدين على مخيمه. فهو يأمر زوجه أو نساءه بعمل الخبز في الحال، ثم يذبح نعجة أو غيرها ويطهيها على عجل، ثم يحضر لبناً أو أي طعام آخر مهيأ فيقدمهما لضيوفه مع الخبز واللحم الذي أعده. ويقف البدوي بين أيدي عظماء الضيوف أثناء تناولهم الطعام كما فعل إبراهيم في القصة المشار إليها. ويكاد أغلب البدو يؤثرون الضيم على أن يرضوا بالإساءة إلى ضيوفهم مدة الضيافة

كان من المعتاد أن ترى في القاهرة طوائف من (الطفيليين) الذين يستفيدون من ضيافة مواطنيهم، فيعيشون على التطفل. إلا أن هذه الطائفة نقص عددها أخيراً. وكان من المؤكد تقريباً أن يوجد بعض هؤلاء الأبطال حيث تولم وليمة، ولا يمكن التخلص منهم إلا بنفحة من النقود. وهم يتجولون أيضاً في البلاد دون أن يملكوا فلساً واحداً، فيتطفلون على المنازل الخاصة كلما احتاجوا إلى طعام، ويسعون إلى ذلك بمختلف الحيل. وحكي لي أن طفيليين عزما على الذهاب إلى مولد السيد البدوي في طنطا، وهي على مسيرة يومين ونصف يوم من القاهرة سفراً هيناً، فسار الطفيليان الهوينى حتى بلغا قليوب في نهاية اليوم الأول وتحيرا في الحصول على عشاء، فذهب أحدهما إلى القاضي، وبعد أن حياه قال: يا مولانا القاضي. . . أنا في طريقي من الشرقية إلى مصر، ومعي رفيق في ذمته لي خمسون كيساً يحملها معه ويرفض أن يعطيني إياها، وأنا في حاجة إليها الآن. فقال القاضي: أين رفيقك؟ فأجاب المدعي: هنا في هذه المدينة. فأرسل القاضي من يحضر المتهم، وأمر في أثناء ذلك بإعداد عشاء طيب، إذ كان يتوقع رسماً كبيراً في قضية كهذه، وهذا ما كان يفعله قضاة الأرياف في مثل هذه الظروف. ودعا القاضي الخصمين إلى العشاء والمبيت قبل النظر في القضية. ونظرت الدعوى في الصباح، فسلم المتهم بوجود الخمسين كيساً معه وقال: إنه مستعد لردها لأنها تتعبه، فهي ليست غير أكياس الورق التي يباع فيها البن؛ ثم قال: نحن طفيليان. فطردهما القاضي غاضباً

إن اعتدال المصريين في الطعام والشراب مثالي. فقلما رأيت منذ قدومي الأول مصرياً في حالة سكر ما لم يكن عازفاً في سامر أو راقصة أو عاهرة من السفلة. ويبدي المصريون احتراماً عظيماً للخبز باعتباره سند الحياة. ولا يجيزون البتة التبذير في أصغر قطعة منه إذا استطاعوا تجنب ذلك. وكثيراً ما لاحظت بعضهم يرفع قطعة الخبز إذا سقطت عرضاً في الطريق إلى فمه وجبهته ثلاث مرات، ويفضلون وضعها على جنب لكي يأكلها كلب على أن يدوسها المارة. وقد روى لي كثيرون الحادث التالي الذي يدل على احترام المصريين للخبز إلى حد غير معقول؛ ولكن ينبغي القول أن هذه الرواية يصعب تصديقها: كان خادمان يتناولان طعامهما جالسين لدى باب سيدهما عندما أبصرا مملوكاً يتجه نحوهما راكباً في جمع من رجاله. فقام أحد الخادمين احتراماً للقادم العظيم؛ فصاح القادم غاضباً: أيهما أحق بالاحترام: الخبز أم أنا؟ ثم أشار بيده إلى المذنب إشارة معلومة دون أن ينتظر منه جواباً، فضرب عنقه في الحال

يراعي المسلمون المصريون من الطبقتين العليا والوسطى النظافة بدقة. وتعتبر الطبقة الدنيا في مصر أكثر اعتناء بالنظافة من غيرها في أغلب البلدان الأخرى. ولعل المسلمين ما كانوا يهتمون بالنظافة إلى هذه الدرجة لو لم يأمر بها الدين. ويبدو مما سبق ذكره في الفصل الثاني من هذا الكتاب أن الواجب ألا نحكم على المسلمين، نظراً لنظافتهم، من تركهم أطفالهم في حالة قذرة. ولا شك أن الوضوء أمر حكيم؛ فالصحة لا تكون في البلاد الحارة إلا بالنظافة. ويحرص المصريون حرصاً خاصاً على تجنب كل ما قرر الدين قذارته ونجاسته؛ فيمتنع المسلمون عن شرب النبيذ لعدة أسباب أحدها أنه نجس. وأعتقد أنه يندر حمل مسلم على تناول قطعة من لحم الخنزير. وقد تحدثت مرة مع مسلم في موضوع الخنزير فقال إن الفرنج شعب يفتري الناس عليه كثيراً؛ فلا شك أن المعروف عنهم أنهم يأكلون الخنزير، ولكن بعض المفترين هنا يؤكدون أنهم لا يأكلون لحم هذا الحيوان النجس فحسب، بل يأكلون جلده وأحشاءه والدم ذاته أيضاَ. فلما اعترفت له بصدق التهمة انفجر يلعن الكفار ويدعو عليهم بالدرك الأسفل من النار

يدين أكثر القصابين الذين يبيعون اللحم إلى أهل القاهرة المسلمين باليهودية. وقد اشتكى منذ سنوات مضت أحد العلماء الكبار إلى الباشا من هذا الأمر والتمس وقفه. وسمع بذلك عالم آخر فتبعه وألح أمام الباشا في أن هذا العمل لا يخالف الشرع. فقال المشتكي: قدم دليلك. فأجاب الآخر: دليلي قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه). فاستدعى حينئذ رئيس القصابين اليهود وسأله هل يقول شيئاً قبل ذبح الحيوان؟ فأجاب: نعم. نحن نقول دائماً مثل المسلمين: باسم الله الله أكبر. ولا نذبح الحيوان إلا بحز نحره. فصرف المشتكي حينئذ

ذهب رجل منذ أيام قليلة إلى خباز ليشتري فطيرة، فرآه يسحب من الفرن طبقاً به لحم خنزير كان يشويه لإفرنجي، فاستدعى الرجل في الحال شرطياً من أقرب قسم لأنه يعتقد أن من الممكن أن تكون الأشياء الأخرى لامست اللحم النجس فتلوثت. وألزم الشرطي قيادة الخباز إلى الضابط. فلم يجزع الخباز واحتج بجهله أن اللحم كان خنزيراً. واعتبر الضابط الحادث مهماً يستدعي رفعه إلى ديوان الباشا. فرأى رئيس الديوان أن الأمر خطير يصعب الحكم فيه فأرسل المتهم إلى المحكمة. فاستفتى القاضي المفتي فأفتى أن كل طعام لا يكون نجساً في أصله تطهره النار مما يلوثه. فيعتبر طاهراً أي طعام وجد في الفرن ولو لامس الخنزير.

واستقدم الباشا من أوربا منذ مدة قصيرة لديوان حريمه طقماً من الحشايا والوسائد حشيت بشعر الخيل. ففتحت السيدات إحدى الوسائد ليتحققن من المادة التي تجعلها وثيرة على هذا الشكل اللطيف. فلما رأينها من شعر الكلاب تقززن أشد التقزز وأصررن على طرح الديوان بأكمله

واستخدم الباشا منذ سنوات قليلة رجلاً فرنسياً لتكرير السكر. فاستعمل هذا الأخير الدم لهذا الغرض. ومنذ ذلك اليوم قل من يجرؤ من المصريين على استهلاك السكر الذي يصنعه هذا الإفرنجي. فاضطر الباشا إلى تحريم استعمال الدم في مصانعه واستبدل به زلال البيض. وقد رأى بعض المصريين أن السكر الأوربي يفضل السكر المصري فاستعملوا الأول على اعتبار أن ما كان طاهراً في الأصل يمكن أن يطهر مرة أخرى بعد تلوثه. ولكني مضطر إلى استعمال السكر المصري غير المكرر في عمل الشراب لضيوفي إذ أن البعض يناقشني طويلاً في هذا الموضوع.

جرت العادة أن يصب المصريون على ملابسهم بعد غسلها ماءً نقياً ناطقين بالشهادتين. وقد ذكرت عند الكلام على الدين عادات أخرى في النظافة يراعي المصريون أغلبها. ولكن المصريين بالرغم من هذه العادات والمبادئ في الطهارة وتعودهم الاستحمام لا يغيرون ملابسهم الداخلية كثيراً بقدر ما تفعل بعض الشعوب التي تعيش في أقصى الشمال والتي لا تحتاج إلى ذلك كثيراً، ويذهب المصريون إلى الحمام مراراً في ملابس قذرة يلبسونها بعينها ثانية بعد استحمام تام.

يتبع

عدلي طاهر نور

مجلة الرسالة - العدد 485
بتاريخ: 19 - 10 - 1942
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...